لم تبدأ قصة تونس مع اللحظة التي أصبحت فيها عاصمة، فقد كانت موجودة قبل ذلك بقرون، لكنها لم تكن في البداية صاحبة الدور الذي ستحتله لاحقًا.
وعلى خلاف القيروان، التي أنشئت سنة 50هـ/670م بوصفها قاعدة للوجود الإسلامي في إفريقيا، كانت تونس مدينة قائمة عند الساحل، ثم أخذت أهميتها تتصاعد تدريجيًا حتى أصبحت في عصور لاحقة مركزًا سياسيًا وعلميًا وتجاريًا بالغ التأثير.
والتحول الأكبر جاء عندما انتقلت معها تدريجيًا ثروة القيروان العلمية والسياسية والتجارية، وأصبحت تونس إحدى أهم مدن المغرب الإسلامي.
وتصف اليونسكو المدينة العتيقة بأنها من أقدم المدن العربية الإسلامية في المغرب، وترى أن تونس بلغت في عهدي الموحدين والحفصيين مكانة جعلتها من أعظم وأغنى مدن العالم الإسلامي، ولا يزال فيها نحو 700 معلم تاريخي من مساجد ومدارس وقصور وأسواق.

من مدينة إفريقية إلى مدينة إسلامية
ارتبط تطور تونس بالتحولات الكبرى التي شهدتها إفريقيا بعد الفتح الإسلامي.
وتشير المصادر إلى أن المدينة شهدت تطورًا مهمًا في أواخر القرن الأول الهجري، وأصبح جامع الزيتونة مركزًا حضريًا ودينيًا حوله أخذت المدينة الإسلامية في التشكل.
وتنسب الروايات تأسيس الجامع إلى حسان بن النعمان سنة 79هـ/698م، ثم اكتمل بناؤه في عهد عبيد الله بن الحبحاب سنة 116هـ/734م، قبل أن يعاد بناؤه بصورة كبيرة في العصر الأغلبي سنة 248هـ/863م. وتؤكد المصادر المتخصصة أن تاريخ الجامع مركب من مراحل متعددة، ولذلك تختلف الروايات في تحديد مؤسسه الأول.
وهنا تظهر خصوصية تونس: المدينة لم تُبنَ حول قصر حاكم، بل تبلور قلبها الإسلامي حول المسجد والسوق.
ومع نمو المدينة، تشكلت شبكة من الأسواق والحرف والأحياء، وأصبحت المنطقة المحيطة بالزيتونة قلب الحياة الدينية والتجارية.

عندما انتقلت العاصمة من القيروان
ظلّت القيروان مركز إفريقيا السياسي والحضاري لقرون، لكن التحولات السياسية والعسكرية في المنطقة دفعت مركز الثقل تدريجيًا نحو تونس.
وفي العصر الموحدي أصبحت تونس عاصمة مهمة لإفريقيا، ثم جاء الحفصيون في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، فتحولت المدينة إلى عاصمة دولة مستقلة ذات نفوذ واسع.
وهنا بدأت تونس مرحلة مختلفة تمامًا.
لم تعد مجرد مدينة ساحلية إلى جوار القيروان، بل أصبحت مركز القرار السياسي للمغرب الأوسط وإفريقية، ومقر السلطان، ومركز التجارة والعلم، ومحطة للقادمين من الأندلس والمغرب والمشرق.
وتؤكد المصادر التاريخية أن تونس تحت الموحدين والحفصيين، من القرن السادس إلى العاشر الهجري/الثاني عشر إلى السادس عشر الميلادي، كانت من أكبر وأغنى مدن العالم العربي والإسلامي.
الحفصيون.. العصر الذي ولدت فيه تونس الكبرى
كان صعود الدولة الحفصية نقطة التحول الأساسية في تاريخ المدينة.
فقد أصبحت تونس مقر الحكم، وتوسعت عمرانياً، وشُيدت فيها المدارس والجوامع والأسواق والمنشآت السلطانية، كما ازدادت صلتها بالعالم الأندلسي والمغربي والمتوسطي.
ومن أبرز شواهد تلك المرحلة جامع القصبة الذي أنشأه أبو زكريا الحفصي في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، وأصبح جزءًا من منظومة المدينة السياسية والدينية. كما تطورت شبكة المدارس والزوايا والمؤسسات العلمية التي جعلت تونس مركزًا للتعليم.
ولم يكن العمران منفصلًا عن السلطة؛ فالمسجد والمدرسة والقصر والسوق والباب كلها أصبحت أجزاء من منظومة واحدة تعكس صعود العاصمة الحفصية.

الزيتونة.. حين تحول الجامع إلى مدرسة للعالم الإسلامي
لكن أعظم ما منح تونس مكانتها لم يكن القصور.. كان العلم.
فجامع الزيتونة لم يكن مسجدًا للصلاة فحسب؛ تحول عبر القرون إلى مركز للتدريس، والفقه، والحديث، واللغة، وعلوم القرآن.
ومع صعود تونس سياسيًا أصبح الزيتونة القلب العلمي للعاصمة، وجذب علماء وطلابًا من إفريقية والمغرب والأندلس والمشرق.
وتشير وزارة الشؤون الثقافية التونسية إلى أن الجامع ظل من أبرز المعالم الدينية والعلمية في تونس والعالم الإسلامي، كما شهد توسعات وإضافات خلال العصور الفاطمية والزيرية والحفصية، وأُنشئت فيه مكتبة في العصر الحفصي.
ومن هذه البيئة العلمية خرجت أسماء تركت أثرًا يتجاوز تونس نفسها.
ومن أبرزها ابن خلدون، الذي وُلد في تونس سنة 732هـ/1332م، ثم أصبح واحدًا من أشهر مؤرخي وفلاسفة التاريخ في الحضارة الإسلامية.
ولذلك فإن الحديث عن تونس لا يكتمل بالحديث عن أسواقها وقصورها؛ فهي أيضًا مدينة إنتاج المعرفة وتداولها.
تونس والأندلس.. مدينة تستقبل من سقطت مدنهم
كانت العلاقة بين تونس والأندلس من أكثر العلاقات تأثيرًا في تشكيل المدينة.
فمع اضطراب الأوضاع في الأندلس وسقوط عدد من مدنها، وصل علماء وأدباء وحرفيون وأسر أندلسية إلى مدن المغرب، ومن بينها تونس.
وقد أسهم هذا التدفق في تنشيط الحياة العلمية والثقافية والاقتصادية، وفي تشكيل جانب من العمارة والفنون والعادات الحضرية.
وهكذا أصبحت تونس واحدة من المدن التي التقت فيها خبرة الأندلس مع تقاليد إفريقية والمغرب والمشرق.
وتصف المصادر التاريخية موقع المدينة باعتباره حلقة وصل بين المغرب وجنوب أوروبا والمشرق، وهو ما ساعد على تبادل التأثيرات في الفنون والعمارة عبر قرون طويلة.
مدينة الأسواق.. الاقتصاد الذي صنع العاصمة
لم تكن تونس عاصمة للعلم والسياسة فقط، فموقعها القريب من البحر جعلها جزءًا من شبكة التجارة المتوسطية، بينما ربطتها الطرق البرية بالداخل المغاربي.
وتطورت في المدينة أسواق متخصصة، مثل سوق العطارين، وأسواق الصناعات والحرف، وأصبحت الأسواق جزءًا من البناء العمراني نفسه.
واللافت أن المدينة الإسلامية لم تكن تقسم الحياة إلى مناطق منفصلة تمامًا؛ فالجامع، والسوق، والمدرسة، والحمام، والخان، والبيت، والباب، كلها كانت تشكل منظومة حضرية متداخلة.
ولهذا تعتبر اليونسكو المدينة العتيقة في تونس نموذجًا محفوظًا بدرجة كبيرة للمدينة الإسلامية في شمال إفريقيا، بما يضم من أسوار وأبواب وأسواق وأحياء سكنية ومؤسسات دينية.
تونس.. حين أصبحت المدينة قلب دولة
في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، كانت تونس قد تجاوزت بكثير دور المدينة الإقليمية.
كانت عاصمة دولة حفصية، ومركزًا تجاريًا يتصل بالمغرب والأندلس وأوروبا والمشرق، ومركزًا علميًا يستقطب العلماء.
وفي هذه المرحلة ظهر ابن خلدون في البيئة التونسية، ثم خرج منها إلى مسار طويل بين المغرب والأندلس والمشرق، قبل أن يكتب لاحقًا «المقدمة» التي أصبحت من أشهر النصوص الفكرية في التراث الإسلامي.
وبذلك أصبحت تونس واحدة من المدن التي لم تكتفِ باستقبال الحضارة الإسلامية، وإنما شاركت في إنتاجها.
من عاصمة الحفصيين إلى ذاكرة المغرب الإسلامي
تغيرت الدول بعد ذلك، وتبدلت القوى التي حكمت تونس، ودخلت المدينة مراحل عثمانية ثم حسينية، لكن نسيجها الإسلامي ظل حاضرًا.
فالمساجد والمدارس والزوايا والأسواق والقصور لم تختفِ، بل أضيفت إليها طبقات جديدة.
ولهذا تضم المدينة العتيقة اليوم نحو 700 معلم تاريخي، وهي ليست مجموعة مبانٍ منفصلة، بل نسيج حضري متكامل يحفظ شكل المدينة الإسلامية ووظائفها الاجتماعية والاقتصادية والدينية.
وقد أدرجت اليونسكو المدينة العتيقة ضمن قائمة التراث العالمي سنة 1979م/1400هـ تقريبًا، اعترافًا بقيمتها المعمارية والحضرية والتاريخية.
تونس.. المدينة التي ورثت القيروان ولم تلغها
الأهم في قصة تونس أنها لم تظهر فجأة على أنقاض القيروان، بل حدث انتقال تدريجي للوظائف.
القيروان رسخت الإسلام في إفريقية، ثم أصبحت تونس عاصمة سياسية وتجارية وعلمية جديدة.
وبذلك تمثل المدينتان مرحلتين متكاملتين من تاريخ المغرب الإسلامي: القيروان كانت مدينة التأسيس والفتح والعلم المالكي، بينما أصبحت تونس مدينة الدولة والعاصمة والتجارة والامتداد المتوسطي.
ومن هنا تأتي أهمية تونس في خريطة حواضر الإسلام: إنها المدينة التي نقلت مركز الثقل من الداخل الإفريقي إلى مدينة أكثر اتصالًا بالبحر المتوسط، ثم أصبحت جسرًا بين المغرب والمشرق والأندلس وأوروبا.





اترك تعليقاً