تشهد الولايات المتحدة تصاعدًا في الخطاب السياسي الذي يستهدف المسلمين والجاليات المهاجرة، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وسط تحذيرات حقوقية من انتقال العداء للمسلمين من التصريحات الانتخابية والحملات الإعلامية إلى مشروعات قوانين قد تؤثر في حرياتهم الدينية والمدنية.
ففي أحدث التطورات، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات اتهم فيها المهاجرين الصوماليين بتهديد ولاية مينيسوتا، ودعا سكانها إلى التصدي لما وصفه بسيطرتهم على الولاية، قبل أن يوجه اتهامات بالتطرف والتعاطف مع الإرهاب إلى عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم عبد السيد، المرشح المسلم عن الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان.
وفي الوقت نفسه، كشف تحقيق نشرته صحيفة «واشنطن بوست» في 8 أكتوبر/تشرين الأول أن مشرعين أمريكيين قدموا ما لا يقل عن 39 مشروع قانون وقرارًا يستهدف الشريعة الإسلامية خلال عامي 2025 و2026، وهو رقم يقترب من إجمالي المقترحات المماثلة التي قُدمت خلال السنوات الأربع عشرة السابقة.
وتشير هذه التطورات، بحسب منظمات مدافعة عن الحقوق المدنية، إلى تنامي استخدام الهوية الدينية والانتماء القومي للمسلمين في الصراعات الانتخابية، بينما يؤكد مؤيدو التشريعات المقترحة أنها تهدف إلى حماية الدستور والقانون الأمريكيين من أي تطبيق لقواعد دينية تتعارض معهما.
ترامب: المهاجرون الصوماليون يسيطرون على مينيسوتا
أفادت وكالة رويترز، في تقرير نشرته الجمعة 9 أكتوبر، بأن ترامب شن هجومًا على الجالية الصومالية في مينيسوتا عبر منصته «تروث سوشيال»، يوم الخميس 8 أكتوبر.
وزعم الرئيس الأمريكي أن الولاية تتعرض لسيطرة المهاجرين الصوماليين، وأن العنف والقتل والفوضى ينتشرون في أنحاء الولاية بسبب وجودهم.
ودعا سكان مينيسوتا إلى التصدي لما وصفه بالتهديد، وحث السلطات المحلية على طلب تدخل الحكومة الفيدرالية.
ولم يقدم ترامب في منشوره أدلة تثبت أن الجالية الصومالية، بوصفها مجموعة سكانية، مسؤولة عن الوضع الأمني الذي صوره، فيما أثارت تصريحاته اعتراضات مسؤولين ومدافعين عن حقوق المهاجرين.
وتضم مينيسوتا واحدة من أكبر التجمعات الصومالية في الولايات المتحدة، وقد استقرت فيها عائلات كثيرة منذ التسعينيات، بعد فرارها من الحرب الأهلية التي اندلعت في الصومال.
وأصبح الصوماليون الأمريكيون جزءًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الولاية، ويعملون في قطاعات متعددة، بينها التجارة والخدمات والرعاية الصحية والتعليم.
لكن الجالية واجهت خلال السنوات الماضية حملات انتقاد متكررة من ترامب، الذي سبق أن استخدم أوصافًا مهينة بحق الصوماليين، في تصريحات أثارت اتهامات بالتحريض على الكراهية ضد مجتمع مهاجر بأكمله.
فضيحة مساعدات غذائية.. من قضية جنائية إلى اتهام جماعي
استند ترامب في انتقاداته المتكررة للصوماليين في مينيسوتا إلى قضية احتيال واسعة مرتبطة ببرنامج مساعدات غذائية للأطفال، تعود وقائعها إلى عام 2020.
وشملت القضية اتهام عشرات الأشخاص بالاستيلاء على أموال فيدرالية مخصصة لتوفير الوجبات للأطفال المحتاجين، عبر تقديم بيانات وفواتير مزورة.
وكان بين المتهمين والمدانين أشخاص من أصول صومالية، لكن المسؤولية عن المخالفات ظلت مرتبطة بأفراد وكيانات محددة، وليس بالجالية الصومالية بأكملها.
وفي مايو/أيار 2026، حُكم على إيمي بوك، وهي أمريكية غير صومالية كانت تدير المنظمة غير الربحية المتورطة في القضية، بالسجن 41 عامًا، بعدما أُدينت بقيادة مخطط الاحتيال.
واستخدم ترامب القضية لتبرير تشديد حملات توقيف المهاجرين وترحيلهم في مينيسوتا، إلى جانب إجراءات تستهدف برامج الخدمات الاجتماعية.
وفي المقابل، اتهمت منظمات حقوقية الإدارة الأمريكية باستخدام جرائم فردية لتبرير إجراءات واسعة ضد مجتمعات مهاجرة، مؤكدة ضرورة محاسبة مرتكبي الاحتيال دون تحميل المسؤولية لأشخاص لم يشاركوا فيه.
وتتصل هذه القضية بسؤال أوسع حول حدود الخطاب السياسي؛ إذ إن كشف الجرائم المالية ومحاسبة المسؤولين عنها يختلف عن تقديم جماعة قومية أو دينية كاملة باعتبارها مصدرًا للجريمة أو تهديدًا للأمن.
ردود غاضبة.. المدعي العام في مينيسوتا يرفض تصريحات ترامب
أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي ردود فعل من مسؤولين سياسيين ومدافعين عن الحقوق المدنية.
وقال المدعي العام لولاية مينيسوتا، كيث إليسون، في رد على منشور ترامب، إن الأمريكيين من أصل صومالي جيران وجزء من الولاية، وإن المجتمع الذي يعرفه أفضل من الخطاب المتعصب الموجه ضدهم.
وانتقد إليسون، المنتمي إلى الحزب الديمقراطي، تعميم الاتهامات على الصوماليين، معتبرًا أن انتماءهم القومي لا يجعلهم مسؤولين عن جرائم ارتكبها أفراد.
كما انتقدت منظمات مدافعة عن المهاجرين والمسلمين التصريحات، محذرة من أن تصوير جماعة سكانية كاملة باعتبارها خطرًا قد يزيد مشاعر العداء والتمييز ضد أفرادها.
واتهم ديمقراطيون ترامب باستخدام هذه القضية في إطار حملته السياسية قبيل انتخابات نوفمبر، بينما يبرر الرئيس الجمهوري سياساته الأشد تجاه الهجرة باعتبارها ضرورية لمكافحة الجريمة والاحتيال وحماية الأمن العام.
عبد السيد.. مرشح مسلم يتعرض لاتهامات بالتطرف والإرهاب
لم يقتصر هجوم ترامب على المهاجرين الصوماليين، إذ استهدف أيضًا عبد السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان.
ففي منشور نشره مساء الأربعاء 7 أكتوبر، وصف ترامب المرشح المسلم بأنه متطرف راديكالي ومتعاطف مع الإرهاب، وأعلن دعمه لمنافسه الجمهوري مايك روجرز.
وجاءت تصريحات ترامب في سياق حملة انتخابية تشهد تنافسًا شديدًا على مقعد مجلس الشيوخ الذي سيخلو مع تقاعد السيناتور الديمقراطي غاري بيترز.
وكان عبد السيد قد فاز في أغسطس/آب بترشيح الحزب الديمقراطي، ليصبح أول مسلم يحصل على ترشيح الحزب لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان.
وشغل سابقًا منصب مدير إدارة الصحة في مدينة ديترويت، ويطرح في حملته الانتخابية برامج تتعلق بتكاليف المعيشة والرعاية الصحية والاقتصاد والسياسة الخارجية.
لكن خلفيته الإسلامية ومواقفه بشأن الاحتلال الإسرائيلي والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أصبحت محورًا متكررًا للهجمات السياسية التي يواجهها.
ورد عبد السيد على تصريحات ترامب قائلًا إن الرئيس يحاول استخدام اسمه ودينه لصرف انتباه الناخبين عن تأثير سياساته على أسعار الوقود والمواد الغذائية وتكاليف الرعاية الطبية.
ووصف الحزب الديمقراطي في ميشيغان وزعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر خطاب ترامب بأنه عنصري ويعكس حالة من الاستقطاب السياسي.
ولم تقدم تصريحات ترامب المذكورة أدلة تثبت انتماء عبد السيد إلى منظمة إرهابية أو دعمه تنفيذ أعمال إرهابية.
مناظرة ميشيغان.. السياسة الخارجية تتحول إلى اختبار للمرشح المسلم
جاءت هجمات ترامب قبل مناظرة انتخابية جمعت عبد السيد بمنافسه الجمهوري مايك روجرز، يوم الخميس 8 أكتوبر.
وشهدت المناظرة خلافات بشأن “إسرائيل” وإيران والهجرة والرعاية الصحية والسياسات الاقتصادية.
ووجه روجرز انتقادات لعبد السيد بسبب مواقفه من “إسرائيل”، ولا سيما رفضه تأييد التمويل العسكري الأمريكي لها، وتصريحاته المتعلقة بالعنف في الشرق الأوسط.
كما أثار تساؤلات بشأن علاقاته ببعض الشخصيات الإعلامية المثيرة للجدل وموقفه من الهجمات المعادية لليهود.
من جانبه، أكد عبد السيد إدانته للعنف، ودافع عن موقفه الرافض لتمويل الحروب الخارجية، معتبرًا أن السياسة الأمريكية يجب أن تركز بدرجة أكبر على احتياجات المواطنين.
وتعرض أيضًا لانتقادات بعد امتناعه خلال المناظرة عن وصف “إسرائيل” بأنها حليف للولايات المتحدة، إذ قال إن الحليف الحقيقي لا ينبغي أن يجر بلاده إلى حروب غير ضرورية.
وتعكس هذه الخلافات وجود سجال سياسي فعلي بشأن السياسة الخارجية والأمن القومي، لكن المدافعين عن الحقوق المدنية يحذرون من تحويل انتقاد مواقف المرشح إلى اتهامات مرتبطة بدينه أو أصله دون أدلة.
39 مشروع قانون وقرارًا يستهدف الشريعة الإسلامية
بالتزامن مع تصاعد الهجمات على المرشحين المسلمين والجاليات المهاجرة، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن ارتفاع كبير في عدد مشروعات القوانين والقرارات المتعلقة بمنع تطبيق الشريعة الإسلامية في الولايات المتحدة.
ووفق تحليل أجرته الصحيفة لبيانات منصة «LegiScan» المتخصصة في تتبع التشريعات، قدم مشرعون على مستوى الولايات والحكومة الفيدرالية ما لا يقل عن 39 مشروع قانون وقرارًا خلال عامي 2025 و2026.
وللمقارنة، بلغ إجمالي المقترحات المماثلة 48 مشروعًا وقرارًا خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2024.
وأظهر التحقيق أن ستة إجراءات أُقرت في ست ولايات، بينما تعثرت مقترحات أخرى أو بقيت قيد النظر.
ويشير ذلك إلى عودة قوية للمبادرات التشريعية المرتبطة بالشريعة الإسلامية، بعد موجة سابقة شهدتها الولايات المتحدة خلال العقد الذي أعقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.
وتستهدف مشروعات عديدة منع المحاكم أو المؤسسات الحكومية من الاعتراف بأحكام دينية أو تطبيق قواعد مستمدة من الشريعة الإسلامية عندما تتعارض مع القانون المدني الأمريكي.
لكن بعض المشروعات تتجاوز تنظيم عمل المحاكم إلى اقتراح قيود تتعلق بالهجرة أو الإقامة أو ممارسة الأنشطة المرتبطة بالمؤسسات الإسلامية.
ومن المهم التمييز بين المشروعات المقدمة والمقترحات التي أصبحت قوانين نافذة، إذ لا تعني حصيلة 39 إجراءً أن جميعها أُقر أو دخل حيز التنفيذ.
مشرع أمريكي يعترف: لا أعرف حالة فُرضت فيها الشريعة على محاكم ولايتي
من أبرز ما كشفه تحقيق واشنطن بوست تصريحات النائب الجمهوري تيمي لادنر، عضو مجلس نواب ولاية ميسيسيبي، الذي قدم خلال العامين الماضيين مشروعات لمنع تطبيق الشريعة الإسلامية في محاكم الولاية.
وقال لادنر إنه يعتزم إعادة تقديم المشروع خلال الدورة التشريعية المقبلة، رغم أنه لا يعرف حالة محددة حاول فيها أحد فرض أحكام الشريعة الإسلامية على النظام القضائي في ميسيسيبي.
وبرر مساعيه بأنها إجراءات احترازية تهدف إلى منع حدوث المشكلة مستقبلًا، مشيرًا إلى مطالبات تلقاها من ناخبين في دائرته.
ولم يقدم أي من رعاة المشروعات الذين تواصلت معهم الصحيفة دليلًا على فرض الشريعة الإسلامية على المؤسسات القضائية الأمريكية.
وتواصلت واشنطن بوست مع 21 مشرعًا من مقدمي تلك المشروعات، لكن أربعة فقط وافقوا على إجراء مقابلات معها.
وفسر بعضهم تحركاتهم بالإشارة إلى خطابات دينية متشددة، أو أحداث في الشرق الأوسط، أو مواقف سياسيين مسلمين أمريكيين.
ويرى متخصصون في القانون أن النظام الدستوري الأمريكي لا يسمح أصلًا بإحلال قواعد دينية محل القوانين المدنية الملزمة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن الحاجة التشريعية إلى مشروعات تستهدف دينًا محددًا بالاسم.
ما المقصود بالشريعة الإسلامية في هذا الجدل؟
أحد أبرز جوانب الخلاف يتمثل في اختلاف المعنى الذي يقدمه السياسيون للشريعة الإسلامية عن فهم المسلمين لممارستهم الدينية.
فالشريعة في الإسلام لا تقتصر على الأحكام القضائية أو العقوبات، بل تشمل توجيهات تتعلق بالعقيدة والعبادات والأخلاق والأسرة والمعاملات والسلوك الشخصي.
ويحتكم المسلمون في فهم هذه الأحكام إلى القرآن الكريم والسنة النبوية والاجتهادات الفقهية، مع وجود مذاهب ومدارس مختلفة في تفسير كثير من المسائل.
واستعانة المسلم بتعاليم دينه لاتخاذ قرار أخلاقي لا تعني السعي إلى فرض نظام قضائي ديني على الآخرين في الولايات المتحدة.
وفي المقابل، يستند مؤيدو مشروعات الحظر إلى مخاوف من قوانين وتطبيقات دينية في بعض البلدان الإسلامية يرون أنها تتعارض مع الحريات والحقوق الدستورية الأمريكية.
لكن خبراء يشيرون إلى أن وجود هذه التطبيقات خارج الولايات المتحدة لا يشكل بحد ذاته دليلًا على محاولة فرضها داخل المحاكم الأمريكية.
وتسمح القوانين الأمريكية للأفراد بممارسة معتقداتهم الدينية طوعًا، ضمن حدود القانون العام والحقوق الدستورية، دون أن تمنح أي جماعة دينية سلطة فرض أحكامها على بقية المواطنين.
قوانين تثير الجدل.. من تينيسي إلى تكساس
شهدت عدة ولايات أمريكية خلال 2026 تحركات تشريعية وسياسية مرتبطة بمخاوف من الشريعة الإسلامية.
ففي ولاية تينيسي، أُقر في أبريل/نيسان قانون يحمل اسم «مكافحة القمع العابر للحدود»، ودخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو/تموز.
وقدمت شخصيات جمهورية القانون باعتباره وسيلة لحماية السكان من محاولات فرض قواعد أجنبية أو دينية تتعارض مع الحقوق الدستورية.
لكن النص النهائي للقانون أزال الإشارة الصريحة إلى الشريعة الإسلامية التي كانت موجودة في صياغة سابقة للمشروع، وركز على مواجهة محاولات الإكراه المرتبطة بجهات أجنبية أو منظمات إرهابية.
وفي تكساس، تصاعد الجدل حول مشروع تطوير سكني واجتماعي تقوده جهات مرتبطة بمركز إيست بلانو الإسلامي، ويشمل إنشاء مرافق للسكن والتعليم والعبادة والخدمات المجتمعية.
واتهم مسؤولون جمهوريون القائمين على المشروع بمحاولة إنشاء مجتمع يخضع للشريعة الإسلامية، فيما رفض ممثلو المشروع هذه الاتهامات، مؤكدين التزامهم بالقوانين المحلية والفيدرالية.
كما شهد الكونغرس تأسيس تجمع جمهوري تحت اسم «تجمع أمريكا الخالية من الشريعة»، قدم أو دعم مشروعات تشريعية تستهدف الحد من الاعتراف بالشريعة أو منع دخول بعض الأشخاص الذين يعلنون الالتزام بها.
وانتقد مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير» هذا التوجه، معتبرًا أن بعض المقترحات يمكن أن تؤدي إلى التمييز ضد المسلمين بسبب معتقداتهم، حتى في غياب أي مخالفة قانونية ارتكبوها.
هل تسمح قوانين الولايات المتحدة باستهداف دين بعينه؟
تضمن المادة الأولى من التعديلات الدستورية الأمريكية حرية الدين، وتحظر على الكونغرس إصدار قوانين تؤسس دينًا رسميًا أو تمنع ممارسة الشعائر الدينية بصورة حرة.
ويمثل هذا النص أحد الأسس القانونية التي يستند إليها المدافعون عن حقوق المسلمين في الاعتراض على مشروعات القوانين التي تستهدف الشريعة الإسلامية بالاسم.
وفي عام 2010، وافق ناخبو ولاية أوكلاهوما على تعديل دستوري يمنع محاكم الولاية من النظر في الشريعة الإسلامية أو الاعتماد عليها.
لكن القضاء الفيدرالي تدخل لوقف تنفيذ التعديل، بعدما طعن فيه منير عوض، أحد مسؤولي مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية في أوكلاهوما.
وفي يناير/كانون الثاني 2012، أيدت محكمة الاستئناف الفيدرالية للدائرة العاشرة أمرًا قضائيًا يمنع تنفيذ التعديل مؤقتًا، معتبرة أن استهداف دين محدد يثير إشكالات دستورية جدية.
وتوضح هذه السابقة أن للولايات سلطة تنظيم إجراءاتها القضائية، لكنها لا تستطيع بالضرورة إصدار تشريعات تميز بين المواطنين استنادًا إلى انتمائهم الديني.
ومن ثم، فإن مشروعية أي قانون جديد تعتمد على صياغته وآثاره ومدى التزامه بحماية الحقوق الدستورية للجميع.
أكثر من 14 مليون دولار لإعلانات انتخابية تتحدث عن الشريعة
لم يقتصر تصاعد الجدل على المجالس التشريعية.
فقد أظهر تحليل واشنطن بوست أن مرشحين جمهوريين أنفقوا أكثر من 14 مليون دولار على إعلانات انتخابية تتضمن إشارات إلى الشريعة الإسلامية، خصوصًا خلال الانتخابات التمهيدية في ولايتي تكساس وأوكلاهوما.
ورصد التحقيق زيادة في تكرار الحديث عن الشريعة ضمن الخطاب السياسي والإعلامي المحافظ خلال عامي 2025 و2026، مقارنة بالسنوات السابقة.
ويرى بعض المحللين السياسيين أن هذه القضية أصبحت إحدى أدوات الاستقطاب الانتخابي، خصوصًا في المناطق التي يرتبط فيها النقاش حول الهجرة والهوية الوطنية بمخاوف دينية وثقافية.
ونقلت الصحيفة عن الباحثة السياسية نازيتا لاجيفاردي، المتخصصة في التمييز السياسي ضد الأقليات بجامعة ميشيغان، أن الخطاب المعادي للمسلمين يعود إلى الواجهة في أوقات الانتخابات عندما تسعى بعض الحملات إلى تعبئة الناخبين.
لكن هذا التفسير لا يعني أن جميع مؤيدي مشروعات القوانين يتحركون للأسباب نفسها؛ إذ يؤكد بعض المشرعين أنهم يستجيبون لمخاوف ناخبيهم بشأن سلطة القانون المدني وحماية الحريات الفردية.
وتبقى المسألة الأساسية هي مدى استناد هذه المخاوف إلى وقائع قضائية محددة، وما إذا كانت التشريعات المقترحة تعالج مشكلات قائمة أم تستهدف جماعة دينية دون مبرر قانوني كافٍ.
استطلاع صادم.. 51% من الأمريكيين يربطون الإسلام بالعنف أكثر من غيره من الأديان
تتزامن هذه التطورات مع نتائج استطلاع نشره مركز بيو للأبحاث في 3 سبتمبر/أيلول 2026، أظهرت استمرار انتشار تصورات سلبية عن الإسلام في المجتمع الأمريكي.
وبحسب الاستطلاع، الذي استند إلى مسح أجري في مايو/أيار، قال 51% من الأمريكيين البالغين إن الإسلام أكثر ميلًا من الأديان الأخرى إلى تشجيع العنف.
ويمثل ذلك زيادة كبيرة مقارنة باستطلاع مماثل أجري في مارس/آذار 2002، بعد ستة أشهر من هجمات 11 سبتمبر، عندما بلغت النسبة 25%.
كما كشف الاستطلاع عن فجوة سياسية واسعة في المواقف تجاه الإسلام؛ إذ وافق 76% من الجمهوريين والمستقلين المائلين إلى الحزب الجمهوري على هذا التصور، مقارنة بـ29% من الديمقراطيين والمستقلين المائلين إليهم.
وكان الفارق بين المجموعتين أقل بكثير عام 2002، عندما بلغت النسبتان 32% و23% على التوالي.
وتعكس هذه النتائج ازدياد الاستقطاب الحزبي حول الإسلام خلال العقود الماضية، رغم أن المسلمين الأمريكيين أصبحوا أكثر حضورًا في الحياة المهنية والاجتماعية والسياسية.
لكن الاستطلاع يقيس آراء المشاركين وانطباعاتهم عن الدين، ولا يمثل دليلًا على صحة الربط بين الإسلام والعنف.
ومن المفارقات أن الاستبيان لا يقدم إحصائيات عن العنف في تاريخ وحاضر الدول الغربية ويحصر العنف في المسلمين الذين تحتل بلادهم أو تقع تحت الهيمنة الغربية بشكل أو بآخر.
ويصبح الوضع أكثر تضليلا، حين يعد الجهاد أو المقاومة من شعب مسلم ضد الاحتلال أو الدولة الغازية، يعد عنفا وليس حق دفاع مشروع.
8683 شكوى حقوقية.. المسلمون يواجهون تصاعدًا في التمييز
تقدم بيانات مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير» مؤشرًا إضافيًا على التحديات التي تواجه المسلمين في الولايات المتحدة.
ففي تقريره السنوي الصادر في 10 مارس/آذار 2026، أعلن المجلس تلقي 8683 شكوى تتعلق بالتمييز أو انتهاكات الحقوق المدنية خلال عام 2025، وهو أعلى رقم سنوي سجله منذ بدء إصدار تقاريره الحقوقية عام 1996.
وبالمقارنة، تلقى المجلس 8658 شكوى في عام 2024، بزيادة طفيفة نسبتها 0.3% خلال العام الماضي.
وشملت الشكاوى التمييز في العمل، والمشكلات المتعلقة بالهجرة واللجوء، وحوادث الكراهية، وانتهاكات حقوق السجناء، والقيود المرتبطة بالسفر والقوائم الأمنية.
وسجل فرع المجلس في مينيسوتا 693 شكوى خلال عام 2025، بزيادة بلغت 96% عن العام السابق.
وفي شيكاغو، تلقى المجلس 877 شكوى، بارتفاع نسبته 65%.
ومن المهم التمييز بين هذه الأرقام وجرائم الكراهية المسجلة لدى الشرطة؛ فشكاوى المجلس تشمل أشكالًا متعددة من التمييز والنزاعات المدنية، ولا تعني أن جميع الوقائع تشكل جرائم جنائية مثبتة.
ومع ذلك، يرى المجلس أن الأرقام تعكس اتساع الضغوط التي تواجه المسلمين في العمل والتعليم والسفر والمشاركة العامة.
المساجد والمراكز الإسلامية.. من حرية العبادة إلى معارك التراخيص
من أبرز النتائج العملية للتوترات الدينية في بعض المناطق الأمريكية تصاعد الخلافات حول إنشاء المساجد والمراكز الإسلامية.
ففي ولايات ومدن مختلفة، واجهت مشروعات لبناء مساجد اعتراضات محلية، استند بعضها إلى مخاوف تتعلق بحركة المرور واستخدام الأراضي، بينما تضمنت اعتراضات أخرى اتهامات مرتبطة بالإسلام أو الشريعة.
وفي بعض الحالات، لجأت منظمات مدافعة عن حقوق المسلمين إلى القضاء، متهمة السلطات المحلية بالتعامل مع المشروعات الإسلامية بطريقة تختلف عن تعاملها مع دور العبادة الأخرى.
وتحظر القوانين الفيدرالية الأمريكية على السلطات المحلية استخدام قواعد التخطيط العمراني بطريقة تمييزية ضد المؤسسات الدينية.
لكن الفصل بين المخاوف العمرانية المشروعة والاعتراضات القائمة على التمييز الديني يظل محل نزاعات قضائية في بعض المشروعات.
وفي هذا السياق، حذر قادة مسلمون من أن الحملات السياسية التي تصور المساجد باعتبارها تهديدًا ثقافيًا أو أمنيًا قد تؤثر في نظرة المجتمعات المحلية إليها، حتى عندما تستوفي المشروعات جميع المتطلبات القانونية.
المسلمون الأمريكيون بين تنامي المشاركة السياسية وتصاعد الاستهداف
تأتي هذه التطورات في وقت يزداد فيه حضور المسلمين في المؤسسات السياسية الأمريكية.
فقد شهدت السنوات الماضية انتخاب شخصيات مسلمة لمناصب محلية وفيدرالية، وتنامي المشاركة المدنية للجاليات التي تضم مهاجرين وأبناء أسر استقرت في الولايات المتحدة منذ أجيال.
ومن أبرز هذه التطورات فوز عبد السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيغان.
ويعتبر قادة مسلمون أن هذه المشاركة تمثل ممارسة طبيعية للحقوق السياسية التي يكفلها الدستور لجميع المواطنين، بغض النظر عن معتقداتهم.
لكن التقدم السياسي ترافق مع هجمات تتعلق بالهوية الدينية لبعض المرشحين، واتهامات بأن وجود المسلمين في مناصب السلطة قد يفتح الطريق لتطبيق الشريعة الإسلامية.
وفي تصريحات نقلتها أسوشيتد برس خلال أغسطس/آب، قال إدوارد أحمد ميتشل، نائب المدير الوطني لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، إن المسلمين حققوا تقدمًا ملحوظًا في المشاركة السياسية والحياة العامة، لكنهم ما زالوا يواجهون موجات متكررة من الخطاب العدائي.
وأشار إلى أن الحملات الانتخابية كثيرًا ما تشهد ارتفاعًا في الخطاب المعادي للمسلمين، بينما تواصل الجاليات الإسلامية المطالبة بحقوقها عبر المحاكم والمؤسسات الديمقراطية والعمل المجتمعي.
بين نقد الدين والتحريض على أتباعه.. أين تقع الحدود؟
تثير القضية نقاشًا يتجاوز الانتخابات الحالية إلى طبيعة حرية التعبير والمعتقد في الولايات المتحدة.
فالدستور الأمريكي يحمي حق الأفراد في انتقاد الأديان والأفكار والممارسات، كما يحمي حق المؤمنين بهذه الأديان في التعبير عن معتقداتهم وممارسة شعائرهم.
ومن هذا المنطلق، لا يشكل نقد أحكام دينية أو سياسات مستمدة من الدين، بحد ذاته، انتهاكًا للحقوق الدينية.
لكن تحويل الانتقاد إلى دعوات للتمييز ضد أشخاص بسبب معتقداتهم، أو حرمانهم من حقوق مدنية مكفولة لغيرهم، يثير مسائل قانونية وحقوقية مختلفة.
وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في الجدل الأمريكي حول الشريعة؛ فبعض المشرعين يقولون إنهم يريدون ضمان خضوع الجميع للدستور والقانون، بينما يرى منتقدو مشروعاتهم أن التركيز على الإسلام وحده يصور المسلمين باعتبارهم خطرًا على الدولة، دون تقديم أدلة على محاولة فرض نظام قضائي بديل.
كما أن محاسبة شخص على جريمة ارتكبها تختلف عن تحميل المسؤولية لأفراد جماعة دينية أو قومية بسبب أفعال أشخاص آخرين ينتمون إليها.
وتمثل هذه التفرقة إحدى القضايا الأساسية في الجدل الذي أعقب تصريحات ترامب ضد الصوماليين والمرشح المسلم عبد السيد.
هل تتحول المخاوف من الإسلام إلى سياسة مؤسسية؟
تكشف الوقائع التي شهدتها الولايات المتحدة خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن ثلاثة تطورات متزامنة: تصاعد التصريحات السياسية التي تستهدف المسلمين والمهاجرين، وارتفاع عدد مشروعات التشريعات المتعلقة بالشريعة، واستمرار انتشار تصورات سلبية عن الإسلام وفق استطلاعات الرأي.
لكن هذه التطورات لا تعني أن جميع المقترحات أصبحت قوانين، أو أن النظام القضائي الأمريكي فقد ضماناته الدستورية المتعلقة بحرية الدين.
فما زالت المحاكم الفيدرالية قادرة على مراجعة التشريعات التي تتعارض مع الحقوق الدستورية، ولا تزال المؤسسات الحقوقية تلجأ إلى القضاء للطعن في الإجراءات التي تعتبرها تمييزية.
كما أن المسلمين الأمريكيين يواصلون المشاركة في الانتخابات والعمل العام، ويطالبون بحقوقهم من خلال المؤسسات السياسية والقانونية.
ومع ذلك، يرى مدافعون عن الحقوق المدنية أن استمرار تصوير المسلمين باعتبارهم تهديدًا للأمن أو الهوية الوطنية قد يخلق مناخًا يزيد صعوبة ممارسة هذه الحقوق، حتى عندما تكون مكفولة قانونًا.
وبينما تقترب الولايات المتحدة من انتخابات نوفمبر، تظل الأسئلة الأساسية مفتوحة: هل ستبقى مشروعات حظر الشريعة ضمن حدود السجال السياسي، أم ستتحول إلى قيود قانونية أوسع؟ وهل ستنجح الضمانات الدستورية في منع التمييز الديني؟ وما أثر الخطاب السياسي المتكرر على أمن المسلمين وحياتهم اليومية؟
فالقضية لا تتعلق بموقف الأمريكيين من الإسلام بوصفه دينًا فحسب، بل بمدى قدرة النظام القانوني والسياسي على التمييز بين الاختلاف الفكري المشروع والتمييز ضد المواطنين والمقيمين بسبب عقيدتهم.
وفي بلد يجعل حرية الدين وعدم التمييز من المبادئ الأساسية في نظامه الدستوري، يبقى الاختبار الأهم هو ضمان تمتع المسلمين بالحقوق والحماية القانونية نفسها التي يتمتع بها سائر أفراد المجتمع، بصرف النظر عن معتقداتهم أو أصولهم القومية.





اترك تعليقاً