لم يكن أمام عائلات الروهينجا المسلمة التي فرت من الاضطهاد في ميانمار سوى البحث عن مكان آمن تعيد فيه بناء حياتها، ولو داخل أكواخ متواضعة من الصفيح والأخشاب. لكن بعد سنوات من الاستقرار المؤقت في ضواحي مدينة جامو شمالي الهند، وجدت هذه العائلات نفسها أمام الجرافات مجددًا، تشاهد مساكنها تُهدم، بينما تتزايد المخاوف من حملات أوسع تستهدف وجود اللاجئين ووثائقهم.
ففي الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 2026، نفذت السلطات الهندية حملة هدم في منطقة رحيم نغر، على أطراف مدينة جامو، طالت مساكن مؤقتة ومبانٍ أخرى، كان معظمها يؤوي عائلات من الروهينجا المسلمين الذين لجؤوا إلى الهند هربًا من العنف والاضطهاد في وطنهم.
وقالت السلطات إن الحملة تستهدف إزالة تعديات على أراضٍ حرجية مملوكة للدولة، وإن السكان أُبلغوا بضرورة إخلاء المواقع مسبقًا. لكن متضررين أكدوا أنهم لم يحصلوا على مهلة كافية لإنقاذ ممتلكاتهم، وأنهم باتوا بلا مأوى أو مكان واضح يمكنهم الانتقال إليه.
ولم تتوقف التطورات عند عمليات الهدم؛ إذ كشفت تقارير محلية لاحقة عن استعداد السلطات لتوسيع حملات التحقق من هوية الروهينجا ووثائقهم، بما يشمل نساء تزوجن من سكان محليين، وسط مخاوف من اتساع الإجراءات لتشمل عائلات استقرت في المنطقة منذ سنوات طويلة.
جرافات الفجر في رحيم نغر.. ماذا حدث؟
وقعت عملية الهدم صباح السبت 3 أكتوبر، في منطقة رحيم نغر الواقعة داخل نطاق غابة رايكا، قرب حي ناروال بضواحي جامو، بمشاركة فرق من إدارة الغابات وقوة حماية الغابات وإدارة الإيرادات والشرطة المحلية.
ووفقًا لوكالة برس ترست أوف إنديا الهندية، أزالت السلطات نحو اثني عشر مأوى، معظمها كانت تشغله عائلات من الروهينجا، في ثاني حملة إخلاء كبيرة تطال تجمعاتهم السكنية في جامو خلال أقل من شهر.
غير أن تقارير محلية لاحقة أوردت أرقامًا أعلى، إذ ذكرت صحيفة «أمار أوجالا» أن الحملة أدت إلى هدم 17 كوخًا وثلاثة مبانٍ ثابتة، بينما تحدثت صحيفة «ديلي إكسلسيور» عن إزالة 21 منشأة سكنية، بينها 17 مبنى مؤقتًا وأربعة مبانٍ ثابتة.
وأعلنت إدارة الغابات استعادة نحو 150 كانالًا من الأراضي التي تصنفها السلطات باعتبارها أراضي حرجية، فيما أفادت تقارير بأن نحو عشرين عائلة كانت تقيم في المنطقة المستهدفة.
ويعود التفاوت في أعداد المنشآت المهدمة إلى اختلاف الحصائل التي نقلتها المصادر المحلية والوكالات، ولم يصدر إحصاء مستقل يحدد العدد النهائي للمساكن المتضررة والأشخاص الذين فقدوا أماكن إقامتهم.
وقال مسؤول الغابات في جامو، أنوراغ آريا، إن المنشآت كانت مقامة بصورة غير قانونية، وإن الإدارة اتخذت الإجراءات اللازمة لاستعادة الأراضي.
وأضاف أن السلطات كانت قد طلبت من المقيمين إخلاء المنطقة قبل نحو عشرة أيام، لكن عدم امتثالهم دفعها إلى تنفيذ عملية الإزالة.
وأكد مسؤولون أن الإجراءات لا تستهدف جماعة بعينها، وإنما تشمل جميع التعديات على الأراضي الحرجية، مشيرين إلى اعتزام الإدارة مواصلة حملاتها في مواقع أخرى.
لكن هذه التبريرات لم تبدد مخاوف الأسر التي فقدت مساكنها، ولا سيما تلك التي قالت إنها لا تمتلك مكانًا آخر يمكنها الانتقال إليه.
«ليس لدي مكان أذهب إليه مع أطفالي»
نقلت وسائل إعلام هندية عن أحد المتضررين، ويدعى ستيفن، وهو من سكان جامو المحليين، أنه لم يتلقَّ إخطارًا مسبقًا بإزالة مسكنه، وأن فرق الهدم وصلت في الصباح الباكر، ولم تمنح السكان وقتًا كافيًا لإخراج مقتنياتهم.
وقال الرجل إنه عاش في الموقع طوال عشرة إلى اثني عشر عامًا، لكنه أصبح الآن بلا مكان يذهب إليه مع أطفاله.
وفي المقابل، أكد مسؤول في إدارة الغابات أن السكان تلقوا تحذيرين خلال أسبوعين قبل تنفيذ الحملة، وأن فرق الإزالة أتاحت لهم فرصة إخراج ممتلكاتهم، وساعدت عناصر من الشرطة النسائية في إخراج النساء والأطفال من المباني.
وتعكس الروايتان المتعارضتان خلافًا بشأن الإجراءات التي سبقت الهدم، وحجم المهلة التي أُتيحت للمقيمين، وما إذا كانت كافية لتجنب تشريد الأسر أو فقدان ممتلكاتها.
أما اللاجئ الروهينجي عبد الخالق، فقال إن عائلته وغيرها وصلت إلى الهند هربًا من الاضطهاد في ميانمار، وإنها لا تسعى إلى الإقامة الدائمة بقدر ما تبحث عن ملاذ آمن.
وأشار إلى أن بعض اللاجئين يحملون بطاقات تعريف صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مؤكدًا أن عمليات الإزالة وضعت الأسر أمام مستقبل مجهول.
وتحدث عبد الخالق عن مخاوفه بشأن أطفاله، في ظل غياب مكان بديل يمكن للعائلات المتضررة الاستقرار فيه.
وتكشف هذه الشهادات عن جانب يتجاوز الخلاف القانوني بشأن استخدام الأراضي؛ فالأسر التي أمضت سنوات في بناء مساكن مؤقتة، ولو بموارد محدودة، تواجه الآن صعوبة في تأمين مأوى جديد أو الحفاظ على استقرار أطفالها.
ليست المرة الأولى.. عائلات تفكك منازلها بأيديها
لم تبدأ موجة الإخلاءات الأخيرة في رحيم نغر.
ففي منتصف سبتمبر/أيلول، شرعت عائلات من الروهينجا في تفكيك أكواخها ومتاجرها في منطقة كارياني تالاب بحي ناروال، بعد أن تلقى أصحاب الأراضي التي تستأجرها الأسر إخطارات من السلطات تطالب بإزالة المنشآت وإخلاء المواقع.
وأظهرت تقارير مصورة نشرتها وسائل إعلام هندية عائلات تجمع الأغطية والأخشاب والألواح المعدنية التي كانت تشكل جدران منازلها، بينما تحمل ما تستطيع نقله من أثاث ومقتنيات.
ونقلت وكالة برس ترست أوف إنديا عن لاجئين أنهم أُمهلوا ثلاثة أيام فقط لمغادرة المواقع.
وقال رشيد دين، وهو أحد المتضررين، إن معظم الأسر تعتمد على العمل اليومي لتأمين احتياجاتها، ولا تعرف أين يمكنها الانتقال بعد فقدان المأوى.
كما أفاد ممثلون عن مجتمع الروهينجا بأن مئات العائلات تلقت تعليمات بالإخلاء في المنطقة، وأن بعضها أقام في تلك التجمعات لمدة تتراوح بين 15 و16 عامًا.
وبحسب أحد السكان، فإن الإخطارات طالت تجمعات تضم نحو 80 إلى 90 كوخًا، ويعيش فيها عدد كبير من الأسر، غير أن هذه التقديرات لم تخضع جميعها للتحقق المستقل.
وفي تحقيق ميداني نشره موقع «ذا برنت» في 24 سبتمبر، روى اللاجئ محمد عالم كيف اضطر إلى تفكيك منزله بعد أن طلب منه مالك قطعة الأرض المغادرة خلال ثلاثة أيام، وإلا فسيواجه الإخلاء القسري.
وكان عالم يزيل سقف الصفيح والأعمدة الخشبية والأغطية التي بنى منها مسكن أسرته، بعد سنوات من العيش في المكان.
وتشير هذه الوقائع إلى أن بعض الأسر خسرت مساكنها بفعل الهدم المباشر، بينما اضطرت أسر أخرى إلى إزالتها بنفسها تحت ضغط إخطارات الإخلاء الموجهة إلى ملاك الأراضي.
لماذا اشتدت الإجراءات ضد الروهينجا الآن؟
جاءت حملات الإخلاء بعد زيارة أجرتها لجنة حكومية هندية رفيعة المستوى إلى جامو، خلال الفترة من 10 إلى 12 أغسطس/آب الماضي، لدراسة التغيرات السكانية وقضايا الهجرة في المناطق الحدودية.
وكانت الحكومة المركزية قد شكلت اللجنة في مايو/أيار 2026، برئاسة القاضي المتقاعد براكاش برابهاكار نافالكر، لمراجعة التحولات الديموغرافية ورفع توصيات بشأن الإجراءات الإدارية والقانونية المرتبطة بها.
وزارت اللجنة بعض تجمعات الروهينجا في ناروال، وعقدت اجتماعات مع مسؤولين أمنيين وإداريين للاطلاع على بيانات المقيمين الأجانب وأوضاعهم القانونية.
وبعد الزيارة، بدأت السلطات توجيه إخطارات إلى أصحاب الأراضي التي تستأجرها عائلات الروهينجا، تطالبهم بإخلائها وإزالة المباني المؤقتة المقامة عليها.
وبذلك أصبحت الضغوط لا تستهدف اللاجئين بصورة مباشرة فحسب، بل تمتد إلى أصحاب الأراضي الذين يوفرون لهم أماكن للإقامة مقابل إيجارات شهرية.
وأفادت تقارير بأن بعض ملاك الأراضي طلبوا من العائلات المغادرة سريعًا خشية التعرض لإجراءات قانونية، ما جعل العثور على مساكن بديلة أكثر صعوبة.
وفي هذا السياق، تحدث مسؤولون أمنيون وسياسيون عن مخاوف متعلقة بالهجرة غير النظامية واستخدام وثائق هندية بطرق مخالفة للقانون.
لكن هذه الاتهامات، حتى عندما تتعلق بحالات فردية مثبتة، لا تعني بالضرورة مسؤولية مجتمع الروهينجا بأكمله عن مخالفات تتعلق بالهجرة أو الجرائم الأخرى.
7656 روهينجيًا في جامو وكشمير.. ماذا تكشف الأرقام؟
وفق البيانات الحكومية التي قُدمت إلى لجنة دراسة التغيرات السكانية في أغسطس/آب 2026، بلغ عدد الروهينجا الذين حددت السلطات وجودهم في إقليم جامو وكشمير 7656 شخصًا.
ويتوزع هؤلاء بين 6737 شخصًا في مناطق جامو العشر، و919 شخصًا في مناطق وادي كشمير.
وتشير الأرقام إلى أن الغالبية الساحقة من الروهينجا المقيمين في الإقليم تتركز في جامو، حيث نشأت خلال العقدين الماضيين تجمعات سكنية متواضعة في ناروال وباثيندي وسنجوان ومناطق أخرى.
ويعمل كثير من اللاجئين في مهن منخفضة الأجر، مثل الأعمال اليومية وجمع الخردة والخدمات البسيطة، ويقيمون في مساكن مؤقتة مستأجرة، لعدم امتلاكهم الموارد اللازمة للحصول على سكن أفضل.
كما أظهرت تحقيقات ميدانية أن بعض الأسر تدفع مبالغ شهرية متواضعة مقابل الإقامة في أكواخ مقامة على قطع أراضٍ خاصة.
لكن محدودية دخل هذه العائلات تجعل الانتقال المفاجئ إلى مساكن جديدة أمرًا صعبًا، خصوصًا عندما تتزامن الإخلاءات مع فقدان المتاجر الصغيرة ومصادر الرزق.
ولا توفر الإحصاءات الحكومية المنشورة صورة شاملة عن عدد الأطفال والنساء وكبار السن داخل التجمعات المستهدفة، أو عن مدى حصولهم على الخدمات الأساسية بعد النزوح الأخير.
مستجدات 8 أكتوبر.. تدقيق الوثائق يصل إلى النساء المتزوجات من سكان محليين
في تطور جديد أعقب حملات الهدم والإخلاء، أفادت صحيفة «إيرلي تايمز» المحلية، في 8 أكتوبر/تشرين الأول، بأن السلطات تستعد لإطلاق حملة موسعة للتحقق من هويات الروهينجا وجنسياتهم ووثائق إقامتهم.
وقالت الصحيفة، نقلًا عن مسؤولين، إن الإجراءات ستستهدف خصوصًا الأشخاص المشتبه في دخولهم البلاد بصورة غير نظامية، ثم حصولهم على بطاقات «آدهار» أو وثائق تعريف هندية بطرق يُشتبه في مخالفتها للقانون.
ومن المتوقع، بحسب التقرير، أن يشمل الفحص نساء من الروهينجا تزوجن من رجال محليين في جامو وكشمير، للتحقق من جنسياتهن وظروف حصولهن على الوثائق.
وأشار المسؤولون إلى أن الحملة ستعتمد على مطابقة البيانات بالسجلات الحكومية وإجراء عمليات تحقق ميدانية، بالتنسيق بين الشرطة والإدارة المدنية والجهات المعنية.
ولم يتضح حتى 10 أكتوبر ما إذا كانت الحملة قد بدأت بصورة شاملة، أو عدد الأشخاص الذين يُتوقع إخضاعهم للتحقق، أو الإجراءات التي ستُتخذ بحق النساء المتزوجات وأسرهن.
ويثير هذا التطور تساؤلات بشأن مستقبل العائلات التي نشأت من زيجات محلية، ولا سيما عندما يكون للزوجين أطفال ولدوا ونشؤوا في الهند.
ومن المهم قانونيًا التمييز بين بطاقة «آدهار»، التي تستخدم لإثبات هوية المقيم والتحقق منها، وبين إثبات الجنسية الهندية؛ فالحصول على البطاقة لا يمنح الجنسية تلقائيًا.
كما أن الزواج من مواطن هندي لا يعني في حد ذاته اكتساب الجنسية مباشرة، إذ يخضع ذلك للشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون.
لكن التحقق من الوثائق لا يلغي الحاجة إلى ضمانات إجرائية تكفل للأفراد معرفة الاتهامات الموجهة إليهم والطعن في القرارات التي قد تمس إقامتهم أو تفرق بين أفراد أسرهم.
رئيس حكومة جامو وكشمير ينتقد استهداف اللاجئين
أثارت الإجراءات الأخيرة انتقادات من داخل المؤسسات السياسية في جامو وكشمير.
ففي 6 أكتوبر، انتقد رئيس حكومة الإقليم عمر عبد الله ما وصفه باستهداف غير منصف للروهينجا، معتبرًا أن الإجراءات المفاجئة ضدهم تثير الاستغراب.
وأوضح عبد الله أن الروهينجا مُنحوا مساحة للإقامة المؤقتة ريثما تتحسن الأوضاع في بلدهم، متسائلًا عن أسباب اتخاذ إجراءات مفاجئة لإخراجهم.
وقال إن السلطات المحلية لا تتحكم بصورة كاملة في هذه الإجراءات، واتهم الحكومة المركزية باستخدام أجهزة الشرطة لإبعاد اللاجئين.
وجاءت تصريحاته في سياق انتقاده أيضًا إجراءات منفصلة لترحيل 150 شخصًا يُشتبه في أنهم يحملون الجنسية البنغلاديشية، بعد نقلهم من جامو وكشمير إلى ولاية البنغال الغربية.
ولا يتعلق هؤلاء المئة والخمسون بالضرورة بالروهينجا؛ إذ ينبغي التمييز بين ملف ترحيل البنغلاديشيين المشتبه في إقامتهم غير النظامية وبين إجراءات الإخلاء والتحقق التي تستهدف الروهينجا.
ومع ذلك، فإن تصريحات رئيس الحكومة عكست وجود خلاف سياسي بشأن كيفية التعامل مع المهاجرين واللاجئين، ومدى مراعاة ظروفهم الإنسانية خلال تطبيق القوانين.
الأطفال.. ضحايا التشريد الذين لا تظهرهم الإحصاءات
من بين أكثر الجوانب إثارة للقلق في حملات الهدم والإخلاء مصير الأطفال الذين عاشوا سنوات داخل التجمعات السكنية للروهينجا.
فقد أشارت تحقيقات صحفية إلى أن بعض أطفال اللاجئين يتلقون تعليمًا محدودًا عبر دروس خاصة، في ظل صعوبات مرتبطة بالوثائق والإقامة والفقر.
ومع اضطرار الأسر إلى الانتقال من منطقة إلى أخرى، تصبح فرص استمرار التعليم أكثر هشاشة، خاصة عندما تفقد الأسرة مصدر دخلها أو تضطر إلى البحث المستمر عن مسكن جديد.
ولا تقتصر آثار فقدان المأوى على الانقطاع المحتمل عن الدراسة؛ إذ تواجه الأسر أيضًا تحديات تتعلق بتوفير الغذاء والمياه والرعاية الصحية والحفاظ على ممتلكاتها الأساسية.
وبالنسبة إلى الأطفال الذين ولدوا في الهند أو قضوا فيها معظم حياتهم، فإن مغادرة المنزل قد تعني فقدان البيئة الوحيدة التي عرفوها.
غير أنه لم تُنشر حتى الآن حصيلة موثقة لعدد الأطفال الذين فقدوا مساكنهم في عملية رحيم نغر تحديدًا، أو تقارير رسمية توضح أوضاعهم السكنية والتعليمية بعد الهدم.
ويجعل هذا الغياب للمعلومات من الضروري متابعة مصير الأسر المتضررة، والتحقق مما إذا كانت قد حصلت على مأوى بديل أو مساعدات إنسانية.
من ميانمار إلى الهند.. رحلة لجوء لم تنتهِ
ينتمي الروهينجا إلى أقلية مسلمة تعرضت لعقود من التمييز والاضطهاد في ميانمار، لا سيما في ولاية أراكان غربي البلاد.
وحُرم معظم الروهينجا من الجنسية بموجب السياسات التي رسخها قانون الجنسية الصادر عام 1982، ما جعلهم عرضة لقيود واسعة على الحركة والعمل والتعليم والحصول على الخدمات.
ودفعت موجات متكررة من العنف والعمليات العسكرية أعدادًا كبيرة منهم إلى مغادرة البلاد، وصولًا إلى حملة الجيش في أغسطس/آب 2017 التي أجبرت أكثر من 700 ألف روهينجي على الفرار إلى بنغلاديش.
لكن بعض العائلات كانت قد وصلت إلى الهند قبل هذه الحملة بسنوات، عبر بنغلاديش ومناطق حدودية أخرى، بحثًا عن الأمان وفرص العمل.
واختارت أسر كثيرة الاستقرار في جامو، حيث نشأت تجمعات سكنية مؤقتة، اعتمد سكانها على العمل اليدوي والتجارة المحدودة لتغطية احتياجاتهم.
ورغم مرور سنوات طويلة على وصول بعضهم، لم يحصل كثير من اللاجئين على وضع قانوني مستقر، ما جعلهم معرضين للتوقيف أو الاحتجاز أو الإخلاء.
وتقول السلطات الهندية إنها تتعامل مع الروهينجا الذين لا يحملون تصاريح إقامة قانونية باعتبارهم أجانب يخضعون لقوانين الهجرة.
أما منظمات حقوق الإنسان فتطالب بالتمييز بين الأشخاص الذين دخلوا البلاد لأسباب اقتصادية وبين من فروا من الاضطهاد ويخشون العودة إلى بلدهم.
بين قوانين الهجرة وحقوق اللاجئين
ليست الهند طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 أو بروتوكولها لعام 1967، ولا تملك قانونًا وطنيًا موحدًا ينظم جميع جوانب اللجوء.
ولهذا يخضع كثير من الروهينجا لقوانين الأجانب والهجرة، حتى عندما يحمل بعضهم وثائق صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
ولا تمنح وثائق المفوضية، بمفردها، حق الإقامة الدائمة أو الجنسية الهندية، لكنها ترتبط بالحاجة إلى الحماية الدولية وإثبات تسجيل الشخص لدى الجهة الأممية.
وفي أبريل/نيسان 2021، سمحت المحكمة العليا الهندية من حيث المبدأ بإعادة لاجئين من الروهينجا إلى ميانمار، شريطة اتباع الإجراءات القانونية المقررة.
وأعادت التطورات القضائية خلال عام 2025 طرح الجدل بشأن حقوق الروهينجا في الإقامة والحماية من الترحيل، وسط تحذيرات منظمات دولية من المخاطر التي قد يتعرضون لها عند العودة.
وفي أغسطس/آب 2025، قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات الهندية طردت عشرات اللاجئين الروهينجا إلى بنغلاديش وميانمار، واحتجزت مئات آخرين، منتقدة ما اعتبرته غيابًا لضمانات الحماية اللازمة.
ويستند المدافعون عن اللاجئين إلى مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة الأفراد إلى أماكن يواجهون فيها خطر الاضطهاد أو التعذيب أو غير ذلك من الانتهاكات الجسيمة، وفق الالتزامات القانونية المنطبقة.
لكن قضية جامو الحالية تتعلق أساسًا بالإخلاء الداخلي وفقدان المساكن، وليس بقرار معلن لترحيل جميع المتضررين إلى ميانمار.
وهنا تبرز مسألة مستقلة: حتى عندما تملك السلطات سندًا قانونيًا لإزالة بناء مخالف، فإن تنفيذ الإخلاء ينبغي أن يراعي الضمانات الإجرائية، وظروف الأسر الضعيفة، وإمكانية حصولها على مأوى مناسب.
هل يتحول الإخلاء إلى تشريد دائم؟
تؤكد السلطات في جامو أنها ستواصل إزالة التعديات على الأراضي الحرجية، وأنها تعتزم حماية المناطق المستعادة ومنع إقامة منشآت جديدة بصورة غير قانونية.
لكن مع اتساع إجراءات التحقق من الوثائق والضغوط على ملاك الأراضي، تواجه عائلات الروهينجا صعوبة متزايدة في العثور على بدائل سكنية.
فالعائلات التي لا تستطيع العودة إلى ميانمار بسبب استمرار المخاطر الأمنية والاضطهاد، ولا تتمتع بوضع إقامة مستقر في الهند، تجد نفسها عالقة بين بلد تخشى العودة إليه وبلد لم يعد بقاؤها فيه مضمونًا.
وفي الوقت الذي تركز فيه السلطات على الوضع القانوني للأراضي والوثائق، تبقى أسئلة إنسانية أساسية دون إجابة: أين تقيم الأسر التي هُدمت مساكنها؟ وهل حصل أطفالها على مكان آمن؟ وهل توجد خطط لإيواء كبار السن والمرضى والنساء والأطفال الذين فقدوا منازلهم؟
وحتى 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، لم تتوفر معلومات مستقلة كافية تحدد المصير النهائي لجميع الأسر المتضررة من عملية رحيم نغر، أو تؤكد وجود برنامج شامل لإعادة إسكانها.
والأمر لا يتعلق بمبانٍ مؤقتة أُقيمت فوق أرض متنازع على حق استخدامها فحسب، بل بعائلات قضى بعضها أكثر من عقد من الزمن في محاولة استعادة الحد الأدنى من الاستقرار بعد الفرار من الاضطهاد.
لقد غادر هؤلاء الروهينجا ميانمار بعدما فقدوا الأمان في وطنهم، ثم أقاموا في الهند داخل مساكن شديدة التواضع، قبل أن يجدوا أنفسهم اليوم أمام احتمال التشرد مجددًا.
وبين أنقاض الأكواخ المهدمة في رحيم نغر، تتجدد مأساة اللاجئ الذي نجا من الاضطهاد، لكنه لم ينجُ بعد من الخوف على أسرته ومستقبل أطفاله.
فقد يجد اللاجئ طريقًا للهروب من الحرب والاضطهاد، لكن العثور على وطن أو مأوى لا يخشى فقدانه مرة أخرى يظل رحلة أطول وأكثر قسوة.





اترك تعليقاً