الإيغور في الصين.. عشر سنوات من الاعتقالات والمراقبة ومحو الهوية الإسلامية دون محاسبة

Screenshot 2026 10 10 201400

بعد مرور عشر سنوات على تصاعد حملة السلطات الصينية ضد مسلمي الإيغور في إقليم تركستان الشرقية، الذي تسميه الصين «شينجيانغ»، تؤكد تقارير حقوقية حديثة أن مئات الآلاف ما زالوا يقبعون في السجون، وأن القيود المفروضة على الممارسات الدينية واللغة والثقافة والاتصال بالعالم الخارجي لم تنتهِ، رغم تراجع الاهتمام الدولي بالقضية ومحاولات بكين تقديم صورة عن عودة الحياة إلى طبيعتها في الإقليم.

وفي تقرير أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش في 27 أغسطس/آب 2026، بعنوان «الصين: عقد من الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الإيغور»، حذرت المنظمة من استمرار الاعتقال التعسفي واسع النطاق، والسجن دون ضمانات قضائية عادلة، والمراقبة الجماعية، وطمس الهوية الثقافية والدينية، إلى جانب القيود على السفر والتواصل والضغوط التي تمارسها السلطات على الإيغور المقيمين في الخارج.

وأكدت المنظمة أن الانتهاكات التي وثقتها خلال العقد الماضي ترقى، وفق تقييمها القانوني، إلى جرائم ضد الإنسانية، وأن الحكومة الصينية لم تتخذ خطوات ملموسة لمحاسبة المسؤولين عنها أو معالجة آثارها على الضحايا وأسرهم.

وتزامن التقرير مع تطورات جديدة خلال عام 2026، أبرزها دخول قانون صيني لتعزيز «الوحدة القومية» حيز التنفيذ، وتوثيق حالات ضغط ومراقبة استهدفت إيغورًا يحملون الجنسية الأسترالية أثناء زيارتهم لأقاربهم في الصين.

وتكشف هذه التطورات أن القضية لم تعد مقتصرة على المعسكرات التي أثارت اهتمام العالم قبل سنوات، بل تشمل منظومة متشابكة من السجون والرقابة والقيود القانونية، تمتد آثارها إلى عائلات تعيش خارج الحدود الصينية.

من «مكافحة التطرف» إلى اعتقال نحو مليون مسلم

تعود جذور الحملة الواسعة إلى السياسات الأمنية التي بدأت الصين تنفيذها في شينجيانغ (تركستان الشرقية) عام 2014 تحت شعار مكافحة الإرهاب والتطرف، لكنها اشتدت بصورة كبيرة بعد تعيين تشين تشوانغو أمينًا للحزب الشيوعي في الإقليم، في 29 أغسطس/آب 2016.

وخلال السنوات اللاحقة، أنشأت السلطات شبكة واسعة من مراكز الاحتجاز التي وصفتها بأنها مؤسسات للتعليم والتدريب المهني وإعادة التأهيل.

غير أن التحقيقات الحقوقية والشهادات التي خرجت من الإقليم كشفت عن احتجاز جماعي لأشخاص لم تُوجه إلى كثير منهم اتهامات جنائية واضحة، وإخضاعهم للتلقين السياسي والرقابة والقيود على ممارسة معتقداتهم.

وقدرت منظمات وباحثون أن نحو مليون شخص من الإيغور وغيرهم من المسلمين المنتمين إلى القوميات التركية مروا بهذه المعسكرات خلال ذروة الحملة.

وكانت السلطات تعتمد على تعريفات واسعة للتطرف، تشمل في بعض الحالات ممارسات دينية سلمية أو علاقات عائلية مع أشخاص يقيمون خارج الصين.

ورغم إعلان بكين أن المشاركين في برامج التدريب قد أكملوا دراستهم، وتشير الأدلة إلى إغلاق بعض المعسكرات السابقة، فإن هيومن رايتس ووتش تؤكد أن ذلك لم يؤدِ إلى انتهاء منظومة الاحتجاز.

بل تشير البيانات الرسمية المتاحة والتحقيقات المستقلة إلى استمرار سجن مئات الآلاف من الإيغور وغيرهم من المسلمين، بعد نقل بعض المعتقلين إلى منظومة السجون العادية وصدور أحكام طويلة بحق آخرين.

وفي تحقيق نشرته صحيفة فايننشال تايمز خلال مايو/أيار 2026، خلص تحليل للمنشآت العقابية إلى أن شينجيانغ تبدو صاحبة أعلى قدرة استيعابية للسجون قياسًا بعدد السكان على مستوى العالم.

ولا يتوافر حتى الآن إحصاء مستقل شامل يحدد العدد الدقيق للمعتقلين حاليًا، بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات والتحقق من أوضاع السجون.

علماء ومثقفون في السجون.. من بقي خلف القضبان؟

لم تقتصر حملات الاعتقال على أشخاص اتهمتهم السلطات بالتطرف أو تهديد الأمن، بل شملت أكاديميين وكتابًا ومثقفين وشخصيات معروفة داخل المجتمع الإيغوري.

ومن أبرز هؤلاء الاقتصادي والناشط الإيغوري إلهام توهتي، الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد عام 2014 بعد إدانته بتهمة الانفصال، رغم تأكيد منظمات حقوقية أنه كان يدعو إلى الحوار والتفاهم بين الإيغور والقومية الصينية ذات الأغلبية.

كما تقبع الباحثة المتخصصة في التراث الإيغوري رحيلة داووت في السجن، بعدما صدر بحقها حكم بالسجن المؤبد بتهمة تتعلق بأمن الدولة، في قضية أثارت انتقادات دولية واسعة.

وتشمل قائمة السجناء البارزين الطبيبة غولشان عباس، والكاتب يالقون روزي، ورجل الأعمال إكبار أسات، الذين طالبت منظمات حقوقية بالإفراج عنهم.

وتشير هذه القضايا إلى امتداد الاعتقالات إلى شخصيات ساهمت في التعليم والبحث العلمي وحفظ اللغة والتراث الإيغوري، ما يثير مخاوف من تأثيرها طويل الأمد على الحياة الثقافية والاجتماعية في الإقليم.

وفي ظل صعوبة الحصول على معلومات مستقلة عن السجون، لا تزال عائلات كثيرة عاجزة عن معرفة الظروف الصحية لأقاربها أو التواصل معهم بصورة منتظمة.

حين تصبح الصلاة والصيام والحجاب موضع رقابة

من أبرز جوانب الأزمة القيود التي فرضتها السلطات الصينية على الممارسات الإسلامية التقليدية.

فقد وثقت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، في تحقيقات سابقة، حالات اعتقال أو مضايقة مرتبطة بالصلاة والصيام وارتداء الملابس الدينية وحيازة المصاحف أو تعليم الأطفال القرآن.

وأفاد إيغور غادروا الإقليم بأنهم كانوا يتجنبون إظهار ممارساتهم الدينية خشية تعرضهم للاستجواب أو الاحتجاز، فيما تحدث آخرون عن إزالة الرموز الإسلامية من المساجد والمقابر ومصادرة مواد دينية.

كما وثقت تقارير سابقة فرض قيود على صيام رمضان في بعض المناطق، ومنع الأطفال من المشاركة في أنشطة دينية، وإخضاع التعليم الديني لإجراءات ترخيص ورقابة مشددة.

وتستند هذه السياسات إلى لوائح محلية وقوانين لمكافحة التطرف تمنح السلطات صلاحيات واسعة لتحديد ما تعتبره مظاهر للتشدد الديني.

وتحذر المنظمات الحقوقية من أن صياغة هذه القواعد بصورة فضفاضة قد تسمح بمعاقبة أشخاص يمارسون شعائرهم بصورة سلمية.

ولا يمكن الجزم بأن جميع القيود الموثقة خلال السنوات الماضية تُطبق حاليًا بالشدة نفسها في كل مدينة وقرية، نظرًا لمحدودية الوصول المستقل إلى الإقليم.

لكن هيومن رايتس ووتش تؤكد في تقييمها الصادر عام 2026 استمرار الاضطهاد الديني ومحاولات طمس الهوية الإسلامية، وعدم إجراء إصلاحات جوهرية تضمن حرية المعتقد.

وتقول الحكومة الصينية، في المقابل، إنها تحمي حرية الاعتقاد الديني وفق القانون، وإن القيود تستهدف التطرف والإرهاب، لا الإسلام أو الإيغور بوصفهم جماعة دينية أو قومية.

المراقبة الشاملة.. الحياة اليومية تحت أعين السلطات

لم تقتصر منظومة السيطرة على السجون والقيود الدينية، بل شملت إنشاء نظام واسع للمراقبة يعتمد على الكاميرات والبيانات الشخصية والتفتيش الأمني والتكنولوجيا الرقمية.

وكشفت تحقيقات سابقة لهيومن رايتس ووتش عن استخدام السلطات منصة تقنية تعرف باسم «منصة العمليات المشتركة المتكاملة»، تجمع معلومات عن السكان وتحلل تحركاتهم واتصالاتهم وسلوكهم.

ويمكن أن تشمل المعلومات المرصودة أنماط استخدام الهواتف المحمولة، والتنقل بين المناطق، والاتصالات بأشخاص في الخارج، واستخدام تطبيقات معينة.

وأشارت المنظمة إلى أن بعض الأفراد تعرضوا للتدقيق أو الاحتجاز بسبب اتصالهم بأقارب في دول تصنفها السلطات بأنها حساسة، أو بسبب استخدام تطبيقات مراسلة وشبكات افتراضية خاصة.

وتكمن خطورة هذه المنظومة في أن أنشطة عادية، مثل الاتصال بأحد أفراد الأسرة أو السفر أو ممارسة الشعائر الدينية، قد تتحول إلى مؤشرات أمنية تستدعي التحقيق.

وفي تعليق نشرته هيومن رايتس ووتش خلال أبريل/نيسان 2026، أكد الباحث الحقوقي يالقون أولويوُل أن السلطات تستخدم بيانات تتعلق بالحياة اليومية للسكان في توسيع الرقابة عليهم وملاحقتهم.

ومع استمرار هذه الإجراءات، تصبح الخصوصية والقدرة على التواصل الحر مع الأقارب والأصدقاء من الحقوق التي يصعب على كثير من الإيغور ممارستها دون خوف.

الأطفال.. أكثر من 140 ألفًا انفصلوا عن آبائهم خلال حملة الاعتقالات

من أكثر النتائج إيلامًا للحملة الصينية ما تعرضت له عائلات الإيغور من تفكك نتيجة اعتقال أحد الوالدين أو كليهما.

ففي دراسة نشرتها قاعدة بيانات ضحايا شينجيانغ خلال يوليو/تموز 2026، قدر باحثون أن أكثر من 140 ألف طفل، معظمهم من الإيغور، انفصلوا عن آبائهم أو أحدهما في جنوب الإقليم خلال عامي 2017 و2018، إلى حد كبير نتيجة الاعتقالات الواسعة.

واستند الباحثون إلى تحليل سجلات مسربة من الشرطة الصينية وبيانات سكانية رسمية، ثم استخدموا نتائج إحدى المقاطعات لتقدير نطاق الظاهرة في أربع مناطق جنوبية.

وحدد التحليل ما لا يقل عن 3772 طفلًا انفصلوا عن أحد الوالدين أو كليهما في مقاطعة كوناشهر وحدها.

ولجأ بعض هؤلاء الأطفال إلى الإقامة مع الأجداد أو الأشقاء الأكبر سنًا، بينما نُقل آخرون إلى مدارس داخلية أو مؤسسات تديرها الدولة.

ولا يعني تقدير 140 ألف طفل أن جميعهم ما زالوا منفصلين عن أسرهم حتى عام 2026، إذ يتعلق الرقم بوقائع تعود إلى 2017 و2018، بينما لا تتوافر معلومات مستقلة شاملة عن مصيرهم الحالي.

لكن استمرار القيود على الاتصالات والسفر، وعدم الكشف عن أوضاع كثير من المعتقلين، يجعلان لمّ شمل الأسر إحدى القضايا الإنسانية الأساسية التي لم تُحل.

ويحذر حقوقيون من أن الأطفال الذين نشؤوا بعيدًا عن آبائهم وفي مؤسسات تركز على التعليم باللغة الصينية قد يواجهون صعوبات في الحفاظ على لغتهم الأم وتراثهم الديني والثقافي.

قانون جديد في 2026.. تعزيز «الوحدة القومية» أم تضييق على هوية الأقليات؟

في 12 مارس/آذار 2026، أقر المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني قانون «تعزيز الوحدة والتقدم القوميين»، الذي دخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو/تموز.

وتقول الحكومة الصينية إن القانون يهدف إلى تعزيز الانسجام بين القوميات الـ56 المعترف بها رسميًا، ودعم التنمية المشتركة، وترسيخ الهوية الوطنية الجامعة.

ويتضمن التشريع توسيع استخدام اللغة الصينية المعيارية في التعليم والشؤون الرسمية، وتعزيز الاندماج بين الجماعات القومية، إلى جانب أحكام تتعلق بما تعتبره السلطات حماية الوحدة الوطنية.

غير أن منظمات حقوقية وخبراء أمميين أعربوا عن مخاوف من أن يؤدي القانون إلى تكريس سياسات الاستيعاب القسري وتقليص مساحة استخدام لغات الأقليات وحماية ثقافاتها.

وفي ملاحظات حقوقية بشأن التشريع، حذر خبراء تابعون للأمم المتحدة من أن تطبيقه على المستوى الوطني قد يحول بعض السياسات المحلية المثيرة للجدل إلى التزامات قانونية عامة، بما يؤثر في الحقوق اللغوية والثقافية والدينية للإيغور والتبتيين والمغول وغيرهم.

وتثير المادة 63 من القانون قلقًا خاصًا، لأنها تتيح مساءلة من تصفهم السلطات بأنهم أفراد أو منظمات خارج الصين يقوضون الوحدة القومية أو يحرضون على الانقسام.

وترى هيومن رايتس ووتش أن هذه الصياغة الواسعة قد تُستخدم لتبرير المزيد من الضغوط على الإيغور المقيمين بالخارج، خصوصًا الناشطين الذين يوثقون الانتهاكات أو يدافعون عن الهوية الثقافية لجالياتهم.

لكن مدى تطبيق هذه الأحكام عمليًا على أفراد يقيمون خارج الصين لم يتضح بصورة كاملة حتى الآن.

الإيغور في أستراليا.. حتى زيارة الأهل تخضع للمراقبة

كشف تقرير أصدرته هيومن رايتس ووتش في 16 أغسطس/آب 2026 عن تعرض إيغور يحملون الجنسية الأسترالية أو يقيمون بصورة دائمة في أستراليا لضغوط من السلطات الصينية عند زيارة أقاربهم في شينجيانغ.

واعتمد التقرير على مقابلات أجرتها المنظمة مع 11 شخصًا من الإيغور في سيدني وملبورن وأديلايد خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار.

وقال بعض المشاركين إن السلطات الصينية اشترطت حصول أسرهم داخل الإقليم على موافقات أمنية مسبقة قبل إتمام الزيارة، حتى عندما كان الزائر يحمل جواز سفر أستراليًا ويستفيد من ترتيبات الدخول دون تأشيرة.

وذكر أحد الأشخاص أنه اضطر إلى تسجيل وصوله أولًا في فندق حددته السلطات، بدلًا من التوجه مباشرة إلى منزل أسرته.

كما أفاد زوار آخرون بأنهم كانوا مطالبين بإبلاغ السلطات بتحركاتهم اليومية، وخضعوا لمراقبة مكثفة أثناء تنقلاتهم خارج أورومتشي، عاصمة الإقليم.

والأكثر إثارة للقلق ما كشفه أحد الإيغور الأستراليين عن تعرضه للاستجواب أكثر من اثنتي عشرة مرة خلال زيارته، واستمرار إحدى جلسات التحقيق أكثر من سبع ساعات.

وقال إن المحققين طالبوه بعناوين وأرقام هواتف ناشطين إيغور بارزين في أستراليا، ثم ضغطوا عليه لمراقبة أنشطتهم وتصوير مشاركاتهم في الفعاليات العامة بعد عودته.

وتحدث آخرون عن أسئلة وجهتها السلطات إليهم بشأن مدارس تعليم اللغة الإيغورية في أستراليا، والمؤسسات التي تعمل على الحفاظ على الهوية الثقافية للجالية.

واعتبرت هيومن رايتس ووتش أن استخدام الزيارات العائلية لجمع معلومات عن الناشطين والجمعيات يمثل أحد أشكال القمع العابر للحدود.

ودعت الحكومة الأسترالية إلى توفير وسائل آمنة للإبلاغ عن التهديدات، والتحقيق في حالات الترهيب والمراقبة، ومساعدة الأسر الإيغورية على التواصل ولمّ الشمل دون تعرضها للضغط.

فرنسا أيضًا.. مطالبات بالتجسس على الجالية الإيغورية

لم تقتصر الشكاوى على أستراليا؛ إذ وثقت هيومن رايتس ووتش في فبراير/شباط 2026 محاولات ضغط استهدفت ناشطين إيغور في فرنسا.

وقالت المنظمة إن شخصًا قدم نفسه باعتباره مسؤولًا من أورومتشي اتصل في يناير/كانون الثاني بالناشط عبد الرحمن توهتي، البالغ من العمر 37 عامًا، وطلب منه مراقبة أنشطة الجالية الإيغورية في فرنسا.

وبحسب التقرير، طلب المتصل معلومات عن المعهد الإيغوري الأوروبي في باريس، وهو مؤسسة تعمل على حماية اللغة والثقافة الإيغوريتين ودعم أبناء الجالية.

كما تلقى الناشط ميركامل تورغون اتصالًا من الشخص نفسه، طالبه خلاله بالتوقف عن نشاطه الحقوقي.

وأشارت المنظمة إلى أن الواقعتين تعكسان استخدام الترهيب والتهديد والرقابة لمحاولة إسكات المنتقدين خارج الصين.

وتتجاوز آثار هذه الضغوط الأشخاص المستهدفين مباشرة؛ إذ يخشى بعض أفراد الجاليات أن يؤدي حضورهم أنشطة ثقافية أو حقوقية إلى تعريض أقاربهم داخل الصين للاستجواب أو العقاب.

وهكذا تصبح العلاقة العائلية وسيلة ضغط محتملة، ويضطر أشخاص يعيشون خارج الصين إلى التفكير في سلامة ذويهم قبل ممارسة حقوقهم في التعبير والتجمع.

أسر تنتظر اتصالًا منذ سنوات

وراء تقارير الاعتقال والمراقبة قصص عائلات انقطع اتصالها بأقاربها طوال سنوات.

ففي شهادة نشرها الباحث يالقون أولويوُل في مارس/آذار 2026، تحدث عن فقدان الاتصال بوالده محمد يعقوب منذ يونيو/حزيران 2018، قبل أن يعلم لاحقًا أنه حُكم عليه بالسجن لمدة 16 عامًا.

وقال إن عددًا من أعمامه وأقاربه الآخرين صدرت بحقهم أحكام بالسجن تتراوح بين 15 عامًا والمؤبد.

وأشار إلى أن معاناة الإيغور في الخارج لا تقل قسوة من الناحية النفسية عن الحرمان المباشر من الحرية داخل الإقليم، إذ يعيش كثيرون سنوات دون أن يعرفوا مصير أحبائهم.

وفي تقرير المنظمة بشأن أستراليا، ذكر أحد المشاركين أنه علم بوفاة والده عام 2020 من طرف ثالث، بعد ستة أشهر من الوفاة، بينما لم يتمكن من التواصل مع والدته المسنة منذ عام 2017.

كما تحدث آخرون عن اتصالات عائلية لا تتم إلا بحضور مسؤولين صينيين أو بموافقتهم.

وتوضح هذه الشهادات أن قيود التواصل ليست مجرد إجراءات إدارية مرتبطة بالسفر، بل تؤثر في أبسط العلاقات الإنسانية، مثل الاطمئنان على الوالدين والأبناء ومعرفة أخبار المرضى أو الوفيات.

العمل القسري.. كيف تصل الأزمة إلى الأسواق العالمية؟

تعد قضية العمل القسري أحد الجوانب الاقتصادية الأكثر تعقيدًا في ملف الإيغور.

فقد وثقت منظمات حقوقية وباحثون برامج تنقل بموجبها السلطات عمالًا من شينجيانغ إلى مصانع ومناطق إنتاج داخل الإقليم وخارجه، ضمن سياسات تقول الصين إنها تستهدف مكافحة الفقر وتوفير الوظائف.

لكن التحقيقات المستقلة أثارت مخاوف من أن بعض المشاركين لا يمتلكون حرية رفض العمل أو اختيار الوظائف، في ظل الضغط الإداري والمراقبة والتهديد بالعقوبات.

وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مخاطر العمل القسري المرتبط بالإيغور تمتد إلى سلاسل التوريد العالمية في قطاعات تشمل السيارات والألواح الشمسية والملابس والمنتجات الزراعية والمأكولات البحرية والمعادن الاستراتيجية.

ولا يعني ذلك أن جميع المنتجات المصنوعة في شينجيانغ تعتمد بالضرورة على العمل القسري، لكن صعوبة التحقق المستقل من ظروف العمال تجعل ضمان خلو سلاسل الإنتاج من الانتهاكات أمرًا معقدًا.

وكانت الولايات المتحدة قد أقرت قانون منع العمل القسري للإيغور عام 2021، وبدأ تطبيق أحكامه المتعلقة بالواردات في يونيو/حزيران 2022.

ويفترض القانون، لأغراض الاستيراد، ارتباط السلع المنتجة كليًا أو جزئيًا في شينجيانغ بالعمل القسري، ما لم يقدم المستورد أدلة تستوفي المعايير القانونية المطلوبة.

ودعت هيومن رايتس ووتش في أغسطس 2026 حكومات أخرى، بينها كندا وأستراليا وبريطانيا واليابان، إلى اعتماد إجراءات مماثلة، وتشديد الرقابة على المنتجات التي قد تكون مرتبطة بالعمل القسري.

ماذا تقول الصين عن هذه الاتهامات؟

ترفض الحكومة الصينية الاتهامات المتعلقة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الإيغور، وتؤكد أن إجراءاتها في شينجيانغ تستهدف مكافحة الإرهاب والتطرف وحماية الاستقرار والأمن.

وتقول بكين إن مراكز التعليم والتدريب المهني أسهمت في تحسين فرص العمل وتعليم اللغة الصينية والقانون، وإن الأشخاص الذين التحقوا بها أكملوا برامجهم.

كما تدافع عن سياسات التنمية والاستثمار والسياحة في الإقليم باعتبارها دليلًا على تحسن مستوى المعيشة والاستقرار الاجتماعي.

وبشأن الهوية الثقافية والدينية، تقول السلطات إنها تحمي حقوق جميع القوميات في إطار القانون، وإن تعزيز اللغة الصينية المشتركة لا يلغي حق الأقليات في استخدام لغاتها.

وفي المقابل، ترى منظمات حقوقية أن صور التنمية الاقتصادية والنشاط السياحي لا تكفي وحدها لإثبات احترام الحريات الفردية أو انتهاء الاعتقالات والتمييز.

وتطالب هذه المنظمات بالسماح لمراقبين مستقلين بالوصول إلى السجون ومراكز الاحتجاز، وإجراء مقابلات حرة وسرية مع السكان، والاطلاع على السجلات القضائية وأوضاع المعتقلين.

ويظل غياب هذه الضمانات إحدى العقبات الأساسية أمام الوصول إلى صورة شاملة ومستقلة لما يجري داخل الإقليم.

الأمم المتحدة.. جرائم قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية

في 31 أغسطس/آب 2022، أصدر مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقريرًا مفصلًا عن الانتهاكات في شينجيانغ.

واستند التقرير إلى مراجعة وثائق رسمية صينية وشهادات أشخاص عاشوا في الإقليم ومعلومات حقوقية، وخلص إلى وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بحق الإيغور وغيرهم من الجماعات ذات الغالبية المسلمة.

واعتبر أن نطاق الاعتقال التعسفي والتمييز والقيود المفروضة على الحقوق الأساسية قد يرقى إلى جرائم دولية، ولا سيما جرائم ضد الإنسانية.

كما وجد التقرير أن مزاعم التعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك العنف الجنسي في بعض الحالات، تتمتع بمصداقية وتستدعي التحقيق.

لكن صدور التقرير لم يؤدِ إلى إنشاء آلية دولية مستقلة شاملة للتحقيق والمحاسبة بشأن شينجيانغ.

وفي أغسطس/آب 2024، أقر المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك باستمرار العمل بكثير من القوانين والسياسات المثيرة للقلق في الإقليم.

ثم أعرب في فبراير/شباط 2026 عن أسفه لعدم إحراز تقدم كافٍ من الجانب الصيني في تنفيذ التوصيات السابقة وضمان المساءلة.

وفي يونيو/حزيران، أثار مخاوف إضافية بشأن القانون الجديد لتعزيز الوحدة القومية، لما قد يتركه من آثار على حقوق الأقليات.

أما في 22 سبتمبر/أيلول 2026، فقد جددت هيومن رايتس ووتش، خلال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، دعوتها للدول الأعضاء إلى اتخاذ إجراءات تجاه الانتهاكات المستمرة، بدل الاكتفاء ببيانات القلق.

لماذا تراجع الاهتمام الدولي بقضية الإيغور؟

شهدت قضية الإيغور اهتمامًا دوليًا واسعًا في السنوات التي انكشفت فيها شبكة معسكرات الاحتجاز، وأثارت شهادات المعتقلين السابقين والتسجيلات والوثائق المسربة ردود فعل سياسية وحقوقية كبيرة.

لكن مع توالي الأزمات الدولية والحروب، تراجع حضور القضية في بعض التغطيات الإعلامية، بينما استمرت الصين في توسيع علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع دول مختلفة.

وترى هيومن رايتس ووتش أن المجتمع الدولي لم يحافظ على مستوى الضغط الذي صاحب الكشف عن الانتهاكات، وأن بكين استفادت من تراجع الاهتمام لتقديم صورة عن استقرار الإقليم وعودة الحياة الطبيعية إليه.

ويثير الموقف الدولي أيضًا تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الأممية على متابعة الانتهاكات الخطيرة حين تكون الدولة المعنية قوة اقتصادية وسياسية كبرى.

فمنذ صدور تقرير الأمم المتحدة عام 2022، لم تحدث انفراجة موثقة واسعة في ملف المعتقلين، ولم تُنفذ آلية مستقلة تضمن كشف مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وتؤكد المنظمة أن الخطوات الأكثر إلحاحًا تشمل الإفراج عن المعتقلين تعسفيًا، والسماح بالتحقيق المستقل، ووقف العمل القسري، وحماية الإيغور من القمع العابر للحدود، وضمان حق الأسر في التواصل ولمّ الشمل.

عشر سنوات مضت.. والأسئلة نفسها بلا إجابة

تكشف التقارير الصادرة خلال 2026 أن القضية الإيغورية لا يمكن اختزالها في تاريخ المعسكرات التي أنشأتها الصين قبل سنوات.

فحتى مع إغلاق بعض مراكز الاحتجاز، لا تزال منظومة السجون والرقابة والقيود المفروضة على الحريات قائمة، وفق المنظمات الحقوقية، بينما يواصل أفراد من الجالية في الخارج البحث عن أقاربهم المفقودين ومحاولة التواصل مع أسرهم.

وتزداد المخاوف مع استمرار سياسات الاستيعاب اللغوي والثقافي، وصدور تشريعات جديدة يرى حقوقيون أنها قد تضيق مساحة المحافظة على الهوية الخاصة للأقليات.

وفي المقابل، تبقى الحاجة إلى معلومات مستقلة وحديثة بشأن أوضاع السكان داخل الإقليم ضرورية للتمييز بين التطورات الفعلية والصورة الرسمية التي تقدمها السلطات.

وبعد مرور عقد على تصاعد الحملة، لا تزال أسئلة جوهرية دون إجابات شافية: كم شخصًا ما زال محتجزًا؟ وأين المفقودون؟ وما مصير الأطفال الذين انفصلوا عن آبائهم؟ وهل يستطيع المسلم الإيغوري ممارسة شعائره الدينية والتحدث بلغته والتواصل مع عائلته دون خوف؟

إن معاناة الإيغور لا تقاس بعدد المعتقلين وحده، بل بما تركته سنوات الخوف والرقابة وتفكك الأسر من آثار على مجتمع كامل.

فالأب الذي لا يعرف مصير أبنائه، والطفل الذي نشأ بعيدًا عن أسرته، والمغترب الذي يخشى أن يتسبب اتصاله بأمه في تعريضها للاستجواب، يمثلون جوانب مختلفة من أزمة واحدة لم تنتهِ.

وبينما تروج السلطات الصينية لصورة من الاستقرار والتنمية في شينجيانغ، يبقى الاختبار الحقيقي لهذا الاستقرار مرتبطًا بقدرة السكان على ممارسة حقوقهم الأساسية دون تمييز أو خوف، وبالكشف عن مصير المعتقلين وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

وإلى أن تتحقق هذه الضمانات، ستظل قضية الإيغور واحدة من أبرز الملفات الحقوقية المفتوحة في العالم الإسلامي، حتى عندما تغيب عن العناوين اليومية للأخبار.

Fediverse reactions

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *