وصل للأخبار | مقال رأي |نتنياهو والدولة اليهودية: ماذا لو أعلن المسلمون دولة إسلامية؟
حين يصرّ نتنياهو على وصف الأراضي الفلسطينية المحتلة (إسرائيل) بأنها “الدولة القومية للشعب اليهودي”، لا ينبغي للمسلمين أن يمروا على هذا الخطاب مرورًا عابرًا؛ فالمسألة أكبر من مجرد اسم لدولة أو شعار سياسي. إنها تكشف بوضوح عن منظومة كاملة من المعايير التي تُستخدم بطريقة مختلفة باختلاف هوية من يتحدث باسمه.
وهنا يحق للمسلم أن يطرح السؤال الذي يزعج كثيرين:
ماذا لو خرج زعيم مسلم وقال بوضوح: هذه دولة إسلامية، وهذه أرض إسلامية، وهذه هويتنا الإسلامية، ومن حقنا أن نحكمها بما نؤمن به ونحمي فيها عقيدتنا وحضارتنا؟
هل سيُستقبل الخطاب بالتصفيق نفسه؟
هل سيُنظر إليه باعتباره تعبيرًا طبيعيًا عن الهوية؟
أم ستُفتح فورًا قاموس الاتهامات: “التطرف”، “الأصولية”، “الراديكالية”، “الإرهاب”، “التهديد”، و”رفض الآخر”؟
هنا تحديدًا يسقط القناع.
حين تكون الهوية اليهودية “حقًا” والإسلام “أصولية”
المشكلة ليست في أن يعتز اليهود بهويتهم الدينية والتاريخية المزورة
المشكلة في أن يُطلب من المسلمين أن يتخلوا عن حقهم في هويتهم، بينما يُطلب منهم في الوقت نفسه أن يتعاملوا مع الهوية اليهودية للدولة باعتبارها أمرًا طبيعيًا لا يجوز الاعتراض عليه.
إذا كان من حق شعب أن يقول: هذه هويتي، وهذا ديني، وهذا تاريخي، فلماذا يُطلب من المسلمين أن يشعروا بالحرج عندما يقولون الشيء نفسه؟
لماذا يصبح الاعتزاز بالهوية اليهودية قومية مشروعة، بينما يتحول الاعتزاز بالهوية الإسلامية إلى تهمة جاهزة؟
لماذا يُسمح باستحضار الدين والتاريخ وتزويره والذاكرة حين يخدم ذلك الرواية الصهيونية، ثم يُطلب من المسلمين أن يدفنوا ذاكرتهم الدينية والحضارية حين يتعلق الأمر بفلسطين والقدس والأقصى؟
هذه ازدواجية معايير مكشوفة.
لو قال المسلمون: نريد دولة إسلامية
هذه أرض لنا فيها تاريخ وحضارة ومقدسات، وهذه هويتنا الإسلامية، ومن حقنا أن تكون دولتنا معبرة عن عقيدتنا وقيمنا، وأن تستمد تشريعاتها من شريعتنا.
ماذا كان سيحدث؟
لسارع كثيرون إلى تصوير الأمر باعتباره مشروعًا للعودة إلى “العصور الوسطى”، ولتحولت كلمة “الشريعة” إلى فزاعة، ولأصبح مجرد الحديث عن الدولة الإسلامية دليلًا مزعومًا على رفض الحضارة والتعددية وإرهابًا وتطرفًا يجب استئصاله.
لكن عندما يتعلق الأمر باليهودية، تتغير اللغة.
- يصبح الدين “هوية”.
- وتصبح العقيدة “تراثًا”.
- ويصبح الانتماء الديني “حقًا قوميًّا”.
- وتصبح الرواية الدينية المزورة “ذاكرة تاريخية”.
وهنا لا يحتاج المسلم إلى كثير من الفلسفة حتى يدرك حجم النفاق.
فلسطين ليست أرضًا بلا ذاكرة

فلسطين في الوعي الإسلامي ليست اسمًا على خريطة.
إنها أرض المسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثالث المساجد التي تُشد إليها الرحال، والأرض التي ارتبطت بالإسراء والمعراج.
والقدس ليست مدينة عادية في وجدان المسلم والمسجد الأقصى ليس مبنى يمكن أن يُختزل في نزاع عابر، إنه جزء من عقيدة أمة، ومن ذاكرتها، ومن تاريخها.
ولهذا فإن محاولة اقتلاع فلسطين من الذاكرة الإسلامية ليست مجرد تغيير في الخرائط؛ إنها محاولة لاقتلاع معنى متجذر في وجدان المسلمين.
لكن المشكلة أن المطلوب من المسلم، أن يتعامل مع كل ذلك وكأنه مجرد “حنين ديني” لا قيمة له، بينما تُستحضر الذاكرة الدينية والتاريخية بكل قوة عندما يتعلق الأمر باليهود
فأي عدل هذا؟
صحيفة المدينة (وثيقة المدينة) ليست مشروع إقصاء
تُواجه القراءات المعاصرة للفكر السياسي الإسلامي موجة حادة من الاختزال والتشويه، حيث تُسقَط الأحكام الجاهزة والصور النمطية دون نظرٍ منصف في الأصول التشريعية أو الوقائع التاريخية.
ولعل في مقدمة الشواهد التي تُفكك هذه السرديات تجربة المدينة المنورة؛ إذ من السذاجة اختزال التصور الإسلامي للدولة في الصورة التي يصنعها خصوم الإسلام ثم محاكمة الإسلام بناءً عليها.
لقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة مجتمعًا إسلاميًا سياسيًا ضم جماعات متعددة، ونظمت صحيفة المدينة العلاقة بين مكونات المجتمع في إطار من العهد والمسؤولية والحقوق.
وفي التصور الإسلامي، لا يصبح الإنسان بلا كرامة لمجرد اختلاف دينه، فالعدل أصل، وحفظ النفس والمال والعرض والدين من مقاصد الشريعة.
والتاريخ الإسلامي، بكل ما فيه من نجاحات وإخفاقات وتجارب بشرية، لا يمكن اختزاله في الصورة الكاريكاتورية التي تجعل كل حضور للإسلام في المجال العام مرادفًا للاضطهاد والإقصاء.
أما أن يُطلب من المسلمين التخلي عن هويتهم حتى يثبتوا أنهم “متسامحون”، بينما يُمنح غيرهم الحق في بناء هويته السياسية على أساس ديني وقومي، فذلك ليس تسامحًا، ذلك ابتزاز فكري.
من يملك حق استدعاء التاريخ؟ السؤال الأكثر إزعاجًا هو: من قال إن التاريخ ملك لطرف واحد؟
إذا كان من حق جماعة أن تستحضر آلاف السنين من الذاكرة الدينية لتثبت ارتباطها بالأرض، فمن حق الفلسطيني أن يستحضر أجيالًا متعاقبة عاشها في أرضه.
وإذا كان من حق اليهودي أن يتحدث عن القدس باعتبارها جزءًا من عقيدته، فمن حق المسلم أن يتحدث عن القدس المحتلة والأقصى باعتبارها جزءًا من عقيدته.
وإذا كانت الذاكرة الدينية معتبرة عندما تخدم رواية معينة، فلا يجوز تحويل الذاكرة الإسلامية إلى شيء يجب على أصحابها أن يخجلوا منه.
لا أحد يستطيع أن يطالب أمة كاملة بأن تنسى دينها حتى يشعر اليهود بالراحة.
أين اختفت كل الشعارات؟
سنوات طويلة من الخطاب السياسي والإعلامي جعلت العالم يسمع كلمات مثل “التسامح”، و”التعددية”، و”التعايش”، و”حقوق الإنسان”.
لكن عندما يصل الأمر إلى فلسطين، يبدو أن هذه الكلمات تفقد كثيرًا من بريقها.
عندها يصبح المطلوب من الفلسطيني أن ينسى، ومن المسلم أن يصمت، ومن صاحب الأرض أن يبرر وجوده، بينما يُطلب من الجميع احترام رواية اليهود وكأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال صريحًا:
هل المبادئ مبادئ فعلًا، أم أنها تصبح شعارات جميلة حين تخدم الأقوياء فقط؟
إذا كانت الهوية حقًا، فهي حقٌّ للجميع، وإذا كان التاريخ مهمًا، فهو مهمٌّ للجميع، وإذا كانت المقدسات تستحق الاحترام، فالمسجد الأقصى يستحق الاحترام، وإذا كان الإنسان يستحق الكرامة، فالفلسطيني يستحقها؛ ولا يمكن أن يكون الحق امتيازًا يُمنح لليهود ويُحرم منه المسلم.
لا نحتاج إلى إذن كي نعتز بالإسلام
لقد نجح الخطاب الغربي في إقناع كثيرًا من المسلمين بأن مجرد الحديث عن الإسلام بوصفه مصدرًا للهوية والتشريع والحضارة أمر ينبغي الاعتذار عنه.
وهذه واحدة من أخطر الهزائم الفكرية، فالمسلم لا يحتاج إلى إذن أحد حتى يحب دينه، ولا يحتاج إلى شهادة من أحد حتى يعتز بحضارته، ولا يحتاج إلى موافقة أحد حتى يعتبر القدس والمسجد الأقصى جزءًا من عقيدته وذاكرته.
الحقيقة التي لا يستطيع الخطاب السياسي دفنها
يمكن تغيير الأسماء، يمكن تغيير الشعارات، يمكن رسم الحدود، يمكن سنّ القوانين، يمكن أن تصمت وسائل الإعلام؛ لكن لا يمكن بسهولة محو ذاكرة أمة كاملة.
ففلسطين باقية في وجدان المسلمين، والقدس باقية، والمسجد الأقصى باقٍ، والارتباط العقدي والتاريخي بهذه الأرض لا يمكن أن يُمحى بقرار سياسي أو خطاب إعلامي
إن أخطر ما في ازدواجية المعايير ليس أنها تكشف انحيازًا سياسيًا فحسب، بل أنها تحاول إقناع المظلوم بأن المشكلة في تمسكه بهويته.
لكن المشكلة ليست في أن المسلم يعرف من هو. المشكلة في أن يُطلب منه أن ينسى من هو حتى يُقبل في عالم لا يعترض على هوية الآخرين.
ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة الوعي، ومعركة الذاكرة، ومعركة رفض الكيل بمكيالين.
فلسطين ليست صفحة قابلة للمحو، والقدس ليست تفصيلًا عابرًا، والمسجد الأقصى ليس قضية يمكن للمسلمين أن يتخلوا عنها كي يرضى عنهم اليهود والعالم المنافق.
ومن يطالبنا باحترام هوية غيرنا، فليتعلم أولًا أن يحترم هويتنا. ومن يرفع راية العدل، فليطبقها على الجميع. أما أن تكون الهوية حقًا لغيرنا وتهمة لنا، فذلك ليس عدلًا؛ بل هو عين النفاق وازدواجية المعايير.
النتيجة والحقيقة الثابتة
إن التاريخ يؤكد أن الدول التي تُبنى على التمييز العنصري والإقصاء العقدي تجاه أصحاب الأرض لا يمكن أن تستمر مهما بلغت قوتها العسكرية أو حجم الدعم الدولي المقدم لها.
إن “يهودية الدولة” التي يتبجح بها نتنياهو ليس دليل قوة، بل هو تعبير عن أزمة وجودية وخوف دائم من الحق التاريخي والعقدي للمسلمين وللأمة الإسلامية. ستبقى فلسطين والقدس جزءاً لا يتجزأ من عقيدة الأمة وهويتها، ولن يغير من هذه الحقيقة أي اعتراف دولي أو قوانين.
وإن البديل الحقيقي والوحيد للاستبداد الصهيوني هو عودة الحق لأهله، وإقامة نظام قائم على الشريعة الإسلامية التي عرفتها هذه الأرض المباركة في ظل الحضارة الإسلامية، حيث يُصان الحق وتُرد مظالم الغاصبين.
هذه عقيدتنا، وهذه مقدساتنا، وهذه ذاكرتنا، ولن نتخلى عنها لأن أحدًا قرر أن هويته أهم من هويتنا.
متابعونا الكرام، ليصلكم كل جديد تابعونا على تلغرام





اترك تعليقاً