قاعة تُفرغ ومظاهرات في الخارج.. خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة يتحول إلى مشهد احتجاج دولي

19866931 092426 wabc netanyahu addresses mamdani video

تحول خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الخميس 24 سبتمبر/أيلول 2026 (13 ربيع الآخر 1448هـ)، إلى واحد من أبرز مشاهد العزلة والاحتجاج التي واجهها مسؤول إسرائيلي داخل المنظمة الدولية، بعدما غادرت عشرات الوفود القاعة بالتزامن مع صعوده إلى المنصة، بينما شهدت شوارع نيويورك احتجاجات انتهت باعتقال أكثر من 100 شخص.

وبينما كانت المقاعد تفرغ أمامه، رد نتنياهو بمهاجمة الدبلوماسيين المنسحبين ووصفهم بـ«الجبناء أخلاقيًا»، قبل أن يمضي في خطاب هجومي استهدف إيران وتركيا وقطر وعددًا من الحكومات الغربية وعمدة نيويورك زهران ممداني، كما استخدم وسائل بصرية أثارت جدلًا، من بينها جهاز «بيجر» وجهاز «ستارلينك» قال إنه سيتركه للوفد الإيراني.

انسحاب جماعي مع صعود نتنياهو

Snkq55wGDOM4okwEEoXBaZTA2i68c07DaJZ6VXPOhdKbungCfTGflM3fcAHJVZtuLDAUtWTEaWtt79LwgoFD71uW8Jr53kpxsSsZ byqvLi3gRYBU0VQ1xR9AWJX5E3ty7qH4WrQ0eJjtI 7RGiV L9jXxDHA6YLoxHhIJZ1u6wSy9 Qaa4Sl9Qxd93ao4Wz

بدأ المشهد قبل أن يلقي نتنياهو كلماته الأولى تقريبًا.

فمع الإعلان عن اسمه وتوجهه إلى منصة الجمعية العامة، أخذ دبلوماسيون من عشرات الدول يغادرون مقاعدهم بصورة جماعية، وسط صيحات من داخل القاعة، بينما وقف أفراد من الوفد الإسرائيلي ومؤيدون في الشرفة وصفقوا له ورددوا «عام يسرائيل حاي»؛ ما دفع رئيس الجلسة إلى المطالبة مرارًا بإعادة النظام.

وكانت البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة قد دعت الدول مسبقًا إلى إرسال أكبر عدد ممكن من دبلوماسييها إلى القاعة ثم الانسحاب جماعيًا عند الإعلان عن نتنياهو، معتبرة أن الخطوة ستبعث برسالة مفادها رفض المشاركة أو التواطؤ فيما وصفته بالإبادة وجرائم الحرب والاحتلال.

وأظهرت المشاهد المصورة أجزاء واسعة من قاعة الجمعية العامة وقد أصبحت شبه خالية بعد بدء الخطاب.

ولا يوجد حتى الآن كشف رسمي صادر عن الأمم المتحدة يصنف بدقة كل دولة بين «منسحبة احتجاجًا» و«غائبة أصلًا». ووفق مراجعة أجرتها وكالة الأناضول للمشاهد، فإن وفود قرابة 70 دولة انسحبت أو تركت مقاعدها خالية.

أما مراجعة إسرائيلية لاحقة فقالت إن مقاعد 77 دولة كانت خالية خلال الخطاب، لكنها أقرت بأن هذا الرقم لا يعني أن جميع الدول الـ77 شاركت في المقاطعة؛ إذ إن بعضها لم يكن حاضرًا في الجلسة أصلًا، بينما انسحبت وفود أخرى عمدًا عند بدء الخطاب.

من الدول التي شاركت في الاحتجاج؟

Yv7syMTMLfpnboCDrMoLOAIgsg yWasa7hsaSZ68vUSnik65lBqR P4wfTpXXLUTA quB2DxpdojAhg85X1u qwJImx76BeMA9YHj1P6 dJp3ShXPGUuAANTvGHn8hYZPumiAa FFkNRpwQ2zQypVUUDOsSMTxtLs4uOTYwoZQ55k7vUN4e4sdUqvxyN1wDv

من أبرز الدول التي ظهرت وفودها ضمن المقاطعة أو كانت مقاعدها خالية: فلسطين، تركيا، إيران، السعودية، قطر، الكويت، عُمان، العراق، اليمن، سوريا، لبنان، الجزائر، تونس، مصر، الأردن، ليبيا، السودان، الصومال، موريتانيا، ماليزيا، إندونيسيا، بنغلاديش، باكستان وأفغانستان.

وامتدت المقاطعة إلى دول من خارج العالم الإسلامي، بينها إسبانيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وتشيلي وبيرو وكولومبيا وكوبا وأيرلندا وسلوفينيا وبوليفيا وناميبيا وبوتسوانا ونيكاراغوا ودول أخرى.

لكن هناك تفصيلًا مهمًا: المراجعة الإسرائيلية قالت، على سبيل المثال، إن مصر والأردن لم تكونا جالستين في القاعة أصلًا عند بداية الخطاب، ولذلك لا يمكن إدراجهما بثقة ضمن الدول التي «نهضت وانسحبت» في اللحظة نفسها.

وفي حالة باكستان، قالت الرواية الإسرائيلية إن وفدها خرج احتجاجًا، لكنه وقف بعد ذلك على أطراف القاعة لمتابعة الخطاب.

في المقابل، بقيت داخل القاعة وفود الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا واليونان والمجر والتشيك وأوكرانيا، إلى جانب وفد الاتحاد الأوروبي.

كما بقي ممثلو الإمارات والبحرين، وهما الدولتان العربيتان اللتان أقامتا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ضمن اتفاقات أبراهام، في مقاعدهم أثناء الخطاب.

أما الصين، فبقي لها ممثل واحد داخل القاعة.

نتنياهو للمنسحبين: «جبناء أخلاقيًا»

19864806 092426 wabc netanyahu UN img

لم يتجاهل نتنياهو المشهد.

وبمجرد أن شاهد الدبلوماسيين وهم يغادرون، قال من المنصة:

«إذا كان هناك أي جبناء أخلاقيين آخرين لم يغادروا القاعة بعد، فتفضلوا بالمغادرة الآن».

ثم اتهم الدول المنسحبة بالنفاق، وقال إن “إسرائيل”، خلال قتالها، تدافع عن عدد من الدول التي خرج ممثلوها من القاعة.

وزعم أن عددًا من قادة هذه الدول «يشكروننا سرًا» على ضرب البرنامج النووي الإيراني.

وقال إن قرار مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية كان، بالنسبة إليه، «أحد أسهل القرارات» التي اتخذها بصفته رئيسًا للوزراء، مدعيًا أن عدم القيام بذلك كان سيعرض إسرائيل لخطر وجودي.

دبلوماسي إسرائيلي يتجول بين المقاعد ويدوّن ملاحظات

image 232

وبينما كان نتنياهو يتحدث، أثار مقطع آخر من داخل القاعة جدلًا واسعًا.

فقد ظهر دبلوماسي إسرائيلي وهو يتنقل بين صفوف المقاعد الخالية وينظر إلى أماكن الوفود ويدوّن ملاحظات على أوراق يحملها.

وانتشر المقطع على أنه يظهر الحكومة الإسرائيلية وهي «تسجل أسماء الدول التي انسحبت».

ولم يصدر توضيح إسرائيلي رسمي يؤكد أنه كان يسجل أسماء الدول التي انسحبت لمعاقبتها أو اتخاذ إجراء ضدها.

ومع ذلك، أجرت جهات إسرائيلية بالفعل بعد الخطاب إحصاءً للمقاعد الخالية، وانتهت المراجعة التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية إلى وجود 77 وفدًا غائبًا أو منسحبًا.

إيران تترك صورة سليماني على مقعدها

image 233

وكان أحد أكثر المشاهد رمزية في القاعة مقاعد الوفد الإيراني الخالية.

فبعد مغادرة الإيرانيين، بقيت على طاولتهم صورة مؤطرة لقائد «فيلق القدس» السابق قاسم سليماني، الذي قتلته الولايات المتحدة في غارة بطائرة مسيرة قرب مطار بغداد عام 2020.

والصورة ليست مجرد رواية متداولة على مواقع التواصل؛ إذ وثقت وكالة رويترز مقاعد الوفد الإيراني الخالية وصورة سليماني موضوعة عليها أثناء خطاب نتنياهو.

وجاء ذلك بينما خصص نتنياهو مساحة كبيرة من كلمته لمهاجمة النظام الإيراني، متوقعًا سقوطه، وقائلًا إن اليوم الذي يصبح فيه الإيرانيون «أحرارًا» سيأتي وإن إسرائيل ستحتفل بذلك.

«هدية» استفزازية للوفد الإيراني

image 235

لكن نتنياهو لم يكتف بمهاجمة طهران لفظيًا.

ففي نهاية حديثه عن إيران، رفع أمام الجمعية العامة جهاز اتصال عبر الأقمار الصناعية من شركة «ستارلينك»، وقال إن النظام الإيراني يخشى امتلاك شعبه مثل هذه الأجهزة.

ثم توجه إلى رئيس الجلسة وقال إنه سيترك الجهاز لديه كي يسلمه إلى الوفد الإيراني.

وأضاف ساخرًا أن ذلك سيتيح لأعضاء الوفد، «عندما ينشقون، كما سيفعلون حتمًا»، أن يرووا قصصهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكانت مقاعد الإيرانيين في ذلك الوقت خالية بعد انسحاب الوفد.

نتنياهو يرفع جهاز «بيجر»

image 231

وفي مشهد آخر أثار ردود فعل، أخرج نتنياهو من جيبه جهاز «بيجر» ورفعه أمام الجمعية العامة.

وقال: «هل تتذكرون أجهزة البيجر؟ حزب الله يتذكرها بالتأكيد».

وكان يشير إلى تفجيرات أجهزة الاتصال التي وقعت في لبنان في سبتمبر/أيلول 2024، عندما انفجرت بصورة متزامنة آلاف الأجهزة التي كان يستخدمها عناصر في حزب الله.

وأدت تلك العملية إلى مقتل وإصابة مدنيين أيضًا؛ إذ أسفرت الموجة الأولى من التفجيرات عن مقتل 12 شخصًا، بينهم طفلان، وإصابة أكثر من ثلاثة آلاف، وفق الحصيلة التي أوردتها تقارير دولية.

وبذلك استخدم نتنياهو على منصة الأمم المتحدة عملية عسكرية إسرائيلية سرية بوصفها رسالة تهديد واستعراض لقدرات الاستخبارات الإسرائيلية.

هجوم على تركيا وقطر

وامتدت هجمات نتنياهو إلى دولتين إقليميتين بارزتين.

فوصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه «طاغية»، ورد على حديثه بشأن القدس بالقول إن أردوغان لن يصبح حاكمًا لها، مضيفًا: «إنها بلادنا، ومدينتنا، وعاصمتنا الأبدية».

كما اتهم تركيا بأنها أصبحت من أبرز الجهات التي تنشر ما وصفه بـ«الأكاذيب المعادية للسامية».

أما قطر، فاتهمها بتمويل جامعات أمريكية ووسائل إعلام، وخص قناة الجزيرة بالاسم، زاعمًا أن ذلك يهدف إلى التأثير في عقول الشباب، كما هاجم استضافة الدوحة قيادات من حركة حماس.

هجوم على زهران ممداني

ولم يقتصر خطاب نتنياهو على الحكومات الأجنبية.

فقد خص عمدة نيويورك الشيعي زهران ممداني بهجوم مباشر، واصفًا إياه بـ«عمدة نيويورك المعادي للسامية».

واتهم ممداني بمحاولة منعه من القدوم إلى نيويورك وإسكاته، قبل أن يقول من المنصة: «لا يمكنك إسكاتي، ولا يمكنك إسكات الحقيقة».

كما رفض نتنياهو اتهامات ارتكاب إبادة جماعية في غزة، وقال إن «إسرائيل لم ترتكب إبادة، بل منعت إبادة».

ورد ممداني لاحقًا ببيان قال فيه إن نتنياهو استخدم خطابه لتكرار ما وصفها بـ«أكاذيب لا أساس لها تهدف إلى تبرئة الإبادة بحق الفلسطينيين»، وذكّر بأن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي.

خارج الأمم المتحدة.. احتجاجات واعتقالات جماعية

وفي الوقت الذي كانت فيه المقاعد تفرغ داخل مقر الأمم المتحدة، كانت مواجهة أخرى تجري في شوارع نيويورك.

فقد تجمع مئات المحتجين رفضًا لزيارة نتنياهو، وأغلق بعضهم طرقًا قرب مقر الأمم المتحدة، مرددين هتافات تطالب بوقف القصف والقتل وإنهاء الدعم والتسليح الأمريكي لإسرائيل.

ونظمت «الصوت اليهودي من أجل السلام» إلى جانب الاشتراكيين الديمقراطيين في نيويورك اعتصامًا شارك فيه، وفق المنظمين، أكثر من 400 شخص.

وقالت شرطة نيويورك إن عناصرها طلبوا من المحتجين إخلاء الطريق، قبل أن تبدأ عمليات الاعتقال بعد استمرار إغلاق الشوارع.

وبحسب الرقم الرسمي الذي قدمته الشرطة، اعتُقل 103 أشخاص بتهمة الإخلال بالنظام، ثم أُطلق سراحهم بعد تسليمهم مذكرات للمثول أمام المحكمة.

وكان من بين المعتقلين شخصيات عامة وسياسيون ومرشحون لمناصب منتخبة، إضافة إلى الممثلتين سوزان ساراندون وهانا أينبيندر.

وقال منظمو الاحتجاج إن تسعة من المعتقلين كانوا مسؤولين منتخبين أو مرشحين لمناصب عامة.

وقالت دارياليزا أفيلا شوفالييه، المرشحة الديمقراطية عن الدائرة الـ13 للكونغرس في نيويورك، بعد اعتقالها إن مكان نتنياهو ينبغي أن يكون «في لاهاي، لا في شوارع نيويورك ولا على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة».

تصفيق من جانب.. ومقاعد خالية من الجانب الآخر

Screenshot 2026 09 26 154633

داخل القاعة نفسها كان المشهد منقسمًا بصورة لافتة.

ففي الشرفة، وقف مؤيدون لنتنياهو وصفقوا له ورددوا شعارات مؤيدة لكيان “إسرائيل”، بينما كان عشرات الدبلوماسيين يغادرون من الأسفل.

واضطر رئيس الجلسة إلى مطالبة الحاضرين مرارًا بالتزام النظام.

وواصل نتنياهو خطابه رغم الانسحاب، مهاجمًا الدول المنتقدة لدولته، ومتهمًا حكومات غربية بالاستسلام لما وصفه بـ«الغوغاء المعادين للسامية»، بينما أشاد بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتباره أهم شركاء كيان “إسرائيل”.

77 مقعدًا خاليًا.. لكن ليس 77 دولة منسحبة

وبعد انتهاء الخطاب، بدأ الجدل بشأن حجم المقاطعة.

وأظهرت مراجعة إسرائيلية أن 77 وفدًا كانت مقاعدها خالية أثناء كلمة نتنياهو، وهو رقم ضخم بالنظر إلى أن الأمم المتحدة تضم 193 دولة عضوًا.

لكن من الخطأ صحفيًا القول إن «77 دولة انسحبت».

فالرقم الإسرائيلي يجمع بين من انسحب احتجاجًا عند صعود نتنياهو، ومن لم يحضر الجلسة أصلًا، ومن ترك ممثلًا واحدًا فقط أو تابع الخطاب من مكان آخر.

أما المراجعة المستقلة التي أجرتها وكالة الأناضول للمشاهد المصورة فتحدثت عن وفود من قرابة 70 دولة انسحبت أو تركت مقاعدها خالية.

وبغض النظر عن الخلاف على العدد الدقيق للمنسحبين، فإن الصور كانت واضحة: أجزاء واسعة من القاعة التي يفترض أن يخاطب منها رئيس الوزراء الإسرائيلي العالم أصبحت فارغة.

وهكذا لم تعد قصة خطاب نتنياهو مقتصرة على الكلمات التي ألقاها.

فداخل الأمم المتحدة، انسحبت عشرات الوفود، وترك الإيرانيون صورة قاسم سليماني على مقاعدهم، بينما رد نتنياهو بوصف المنسحبين بـ«الجبناء أخلاقيًا» واستعرض جهاز «بيجر» وترك «ستارلينك» للوفد الإيراني.

وخارجها، كان أكثر من مئة متظاهر يُعتقلون في شوارع نيويورك احتجاجًا على وجوده.

وبين المشهدين، بدا خطاب نتنياهو في الجمعية العامة هذا العام انعكاسًا واضحًا لاتساع المواجهة السياسية والدبلوماسية التي تحيط بدولة الاحتلال على خلفية حرب غزة، حتى في أكثر المنابر الدولية حضورًا.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *