في قلب أوروبا الجنوبية الشرقية، بين جبال البوسنة ووديانها ومدنها العثمانية القديمة، نشأ أحد أكثر الشعوب المسلمة خصوصية في التاريخ الأوروبي الحديث: البوشناق. فهم ليسوا جالية إسلامية حديثة وصلت إلى القارة مع موجات الهجرة في القرن العشرين، بل شعب سلافي جنوبي تشكلت هويته في البلقان عبر قرون طويلة، وأصبح الإسلام منذ العهد العثماني أحد أهم مكونات شخصيته التاريخية والثقافية.
قصة البوشناق ليست مجرد قصة دخول الإسلام إلى البوسنة، بل قصة شعب انتقل خلال خمسة قرون بين الإمبراطورية العثمانية والنمساوية المجرية، ثم المملكة اليوغوسلافية ويوغوسلافيا الشيوعية، قبل أن يجد نفسه في تسعينيات القرن الماضي أمام حرب استهدفت وجوده في مناطق واسعة من وطنه، وانتهت بأبشع فصولها في إبادة سربرنيتسا.
ورغم ذلك، بقي البوشناق في البوسنة والسنجق وغيرها من مناطق البلقان، محتفظين بلغتهم وتراثهم الإسلامي ومؤسساتهم الدينية، حتى غدت مآذن سراييفو وموستار وترافنيك ونوفي بازار شاهدًا على وجود إسلامي أوروبي يمتد عمره إلى قرون.
من هم البوشناق؟
البوشناق، باللغة البوسنية Bošnjaci ومفردها Bošnjak، هم شعب سلافي جنوبي موطنه التاريخي الرئيس البوسنة والهرسك، مع وجود تاريخي مهم في إقليم السنجق الممتد اليوم بين صربيا والجبل الأسود.
ومن الضروري التمييز بين كلمتين كثيرًا ما تختلطان في العربية: «البوسني» و«البوشناقي». فالبوسني وصف جغرافي أو مدني يمكن أن يطلق على أي مواطن من البوسنة والهرسك، سواء كان بوشناقيًا أو صربيًا أو كرواتيًا أو من جماعة أخرى. أما «البوشناقي» فهو انتماء قومي إثني محدد. ولهذا يمكن أن يكون المرء بوسنيًا صربيًا أو بوسنيًا كرواتيًا من دون أن يكون بوشناقيًا، كما يوجد بوشناق خارج دولة البوسنة والهرسك أصلًا.
أما لفظ «البوشناق» المتداول عربيًا فقد وصل في جانب كبير منه عبر الصيغة العثمانية والتركية «Boşnak»، التي كانت تستخدم للدلالة على أهل البوسنة. لكن الهوية البوشناقية بمعناها القومي الحديث تطورت عبر مراحل طويلة، ولم تكن الحدود بين الانتماء الجغرافي والديني والقومي في القرون الماضية مماثلة لما نعرفه اليوم.
والإسلام هو دين الغالبية الساحقة من البوشناق تاريخيًا، لكنه لا يعني أن «بوشناقي» مرادف حرفي لـ«مسلم». فالبوشناقية اليوم هوية قومية وثقافية أيضًا، ويمكن أن يوجد بوشناق غير متدينين أو علمانيون، مثلما أن مسلمي البلقان لا ينتمون جميعًا إلى القومية البوشناقية؛ فهناك الألبان والأتراك والغوراني وغيرهم.
قبل الإسلام.. البوسنة في العصور الوسطى

كانت البوسنة موجودة ككيان جغرافي وسياسي قبل وصول العثمانيين بقرون. وبعد استقرار الشعوب السلافية في البلقان في العصور الوسطى المبكرة، تطور كيان سياسي بوسني بين القوى المحيطة به، وظهرت دولة بوسنية في العصور الوسطى بلغت أوجها في عهد الملك تفرتكو الأول، الذي تُوِّج ملكًا عام 779هـ/1377م.
وكان المجتمع البوسني قبل الفتح العثماني متعدد الانتماءات النصرانية، ففيه الكاثوليك والأرثوذكس، إلى جانب «الكنيسة البوسنية» التي أثارت طبيعتها العقائدية جدلًا واسعًا بين المؤرخين.
وهنا تظهر إحدى أكثر الروايات شيوعًا عن أصل مسلمي البوسنة: الرواية التي تقول إن أتباع الكنيسة البوسنية كانوا «بوغوميل» مضطهدين، ولذلك اعتنقوا الإسلام جماعيًا بمجرد وصول العثمانيين. غير أن الدراسات الحديثة لا تقبل هذه الرواية المبسطة بوصفها تفسيرًا كاملًا لأسلمة البوسنة؛ فالتحول الديني كان أطول وأكثر تعقيدًا، واشتركت فيه عوامل اجتماعية واقتصادية وحضرية ودينية وسياسية متعددة.
وهذا مهم لفهم البوشناق: فهم في الأساس امتداد لسكان البوسنة المحليين الذين مر جزء كبير منهم بعملية تحول ديني وثقافي تدريجي خلال العصر العثماني، وليسوا شعبًا تركيًا هاجر إلى البوسنة واستوطنها.
1463.. بداية التحول الكبير
دخلت معظم البوسنة تحت الحكم العثماني سنة 867هـ/1463م، ثم اكتمل إخضاع مناطق الهرسك في العقود التالية. ومن هنا بدأ فصلٌ استمر قرابة أربعة قرون، من 867هـ/1463م إلى 1295هـ/1878م، وأعاد تشكيل البوسنة سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا.
لكن الإسلام لم يصبح دين جزء كبير من السكان في ليلة سقوط المملكة.
تشير الدراسات المعتمدة على سجلات الضرائب العثمانية إلى أن اعتناق الإسلام كان عملية تدريجية امتدت طوال القرنين الخامس عشر والسادس عشر ووصلت إلى ذروتها تقريبًا عند الانتقال إلى القرن السابع عشر. وتقدّر دراسة اقتصادية تاريخية حديثة أن المسلمين ربما شكّلوا نحو 70% من سكان البوسنة في تلك المرحلة، مع التنبيه إلى أن الأرقام القديمة تقريبية بسبب تغير الحدود وطبيعة السجلات.
ولم يكن هناك سبب واحد للتحول إلى الإسلام. فقد ازدهرت المدن في ظل الدولة العثمانية، وارتبطت الوظائف الإدارية والعسكرية والقضائية بمؤسسات الدولة الإسلامية، كما لعبت الطرق الصوفية دورًا في نشر الإسلام. وكانت هناك كذلك حوافز اجتماعية واقتصادية وقانونية للانضمام إلى الجماعة المسلمة، في مجتمع كانت فيه المكانة والضرائب والوظائف تتأثر بالانتماء الديني.
ولهذا فإن تصوير أسلمة البوسنة إما باعتبارها «تحولًا قسريًا جماعيًا»، أو باعتبارها حادثة بسيطة حدثت دفعة واحدة، لا يطابق ما تظهره الدراسات التاريخية. كانت عملية ممتدة عبر أجيال، وبحلول القرن السابع عشر كان قد تشكل مجتمع مسلم بوسني محلي راسخ.
إسلام بوسني بلسان سلافي
لم يؤد اعتناق الإسلام إلى تحول مسلمي البوسنة إلى أتراك من حيث اللغة والقومية. ظل السكان يتحدثون لغتهم السلافية المحلية، بينما أصبحت التركية العثمانية والعربية والفارسية لغات مهمة في الإدارة والعلوم الدينية والأدب.
ومن هذا التفاعل نشأت ثقافة إسلامية بوسنية مميزة. فقد استُخدمت الحروف العربية أيضًا لكتابة اللغة البوسنية في شكل عرف باسم «أريبيكا»، وظهر أدب بوسني مكتوب بالحرف العربي يُدرج ضمن تقاليد الأدب «الألخميادو» في أوروبا الإسلامية.
وفي العقيدة والفقه، استقرت التقاليد التي جاءت مع الدولة العثمانية؛ فالبوشناق تاريخيًا من أهل السنة، يغلب عليهم المذهب الحنفي في الفقه والعقيدة الماتريدية، مع حضور قديم للطرق الصوفية. وما تزال الجماعة الإسلامية في البوسنة والهرسك تنص في إطارها المؤسسي على الحنفية والماتريدية بوصفهما المرجعية التقليدية في تفسير الشؤون الدينية.
وهذه إحدى السمات المهمة للبوشناق: الإسلام الذي تشكل بينهم لم يكن ظاهرة وافدة مؤقتة، بل أصبح منظومة من المؤسسات والعادات والأوقاف والتعليم والعمران استمرت قرونًا.
المساجد والمدارس والأوقاف.. كيف تغير وجه البوسنة؟

مع العهد العثماني تحولت سراييفو وموستار وترافنيك وبانيا لوكا ومدن أخرى إلى مراكز تجارية وعلمية ذات طابع إسلامي واضح. وانتشرت المساجد والمدارس والكتاتيب والخانات والحمامات والأسواق والجسور والأوقاف.
وكان الوقف من أهم المؤسسات التي صنعت المدينة البوسنية المسلمة.
ويبرز هنا غازي خسرو بك، والي البوسنة وأحد أهم الشخصيات في تاريخ سراييفو. فقد أقام فيها في القرن السادس عشر، في سنة 944هـ/1537م، مسجدًا ومدرسةً ومنشآتٍ خيريةً وتجاريةً، وأسّس مكتبته الشهيرة التي يعود تاريخ إنشائها إلى العام نفسه.

ولا تزال مكتبة غازي خسرو بك في سراييفو قائمة حتى اليوم، وتحتفظ بعشرات الآلاف من الكتب والوثائق وآلاف المخطوطات، بينها أعمال بالعربية والتركية والفارسية والبوسنية، ما يجعلها شاهدًا ماديًا على عمق الحياة العلمية الإسلامية في أوروبا البلقانية.
ولم تكن العمارة مجرد أثر عثماني خارجي؛ فقد أصبحت جزءًا من الهوية المحلية. ومن هنا تظهر الصورة الخاصة لمدن البوسنة القديمة: السوق الحجري، والجسر، والسبيل، والمقهى، والمنزل البوسني، والمقبرة الإسلامية، والمسجد ذو المئذنة الرفيعة، في مشهد أوروبي جغرافيًا وإسلامي حضاريًا في الوقت ذاته.
البوسنة.. ثغر عثماني في مواجهة أوروبا
كانت البوسنة إحدى أهم الولايات الحدودية الغربية للإمبراطورية العثمانية. فعلى مدى قرون وقعت على خطوط المواجهة مع هابسبورغ والبندقية وممالك وسط أوروبا.
وأدى ذلك إلى تطور طبقة عسكرية محلية ونظام من القادة والأعيان والأسر النافذة، ونشأ لدى مسلمي البوسنة شعور قوي بخصوصية بلادهم داخل الدولة العثمانية.
ومع ضعف الإمبراطورية وبدء الإصلاحات المركزية في القرن التاسع عشر، اصطدمت الدولة العثمانية بالنخب البوسنية التي خشيت فقدان امتيازاتها واستقلالها المحلي.
وتفجّر ذلك في حركة حسين كابتان غراداششيفيتش عام 1247هـ/1831م، المعروف في الذاكرة البوسنية بلقب «تنين البوسنة». قاد غراداششيفيتش حركةً طالبت بحكمٍ ذاتي للبوسنة، واعترضت على بعض إصلاحات السلطان محمود الثاني، واستطاعت قواته تحقيق انتصارات قبل أن تهزمها الدولة العثمانية عام 1248هـ/1832م. وفي ذي الحجة 1247هـ/سبتمبر 1831م اختير غراداششيفيتش واليًا للبوسنة من قبل أنصاره، لكن السلطنة لم تعترف به.
ورغم فشل الحركة، بقي غراداششيفيتش في الذاكرة القومية البوشناقية رمزًا مبكرًا لفكرة الدفاع عن خصوصية البوسنة السياسية.
1878.. الصدمة الكبرى
جاء التحول الأكثر قسوة في حياة مسلمي البوسنة في القرن التاسع عشر بعد مؤتمر برلين سنة 1295هـ/1878م، عندما حصلت الإمبراطورية النمساوية المجرية على حق احتلال البوسنة والهرسك وإدارتها، رغم بقاء السيادة العثمانية الاسمية لفترة.
قاوم جزءٌ كبير من السكان الاحتلال بالسلاح، وكان المسلمون في مقدمة صفوف المقاومة، واضطرت فيينا إلى إرسال قواتٍ ضخمة للسيطرة على البلاد. وفي 1326هـ/1908م ضمّت النمسا والمجر البوسنة والهرسك رسميًا.
بالنسبة إلى مسلمي البوسنة، لم يكن ذلك مجرد تبديل عَلَم بآخر. بعد قرون من العيش داخل دولة إسلامية واسعة أصبحوا فجأة مسلمين تحت حكم إمبراطورية أوروبية مسيحية.
نشأت أسئلة لم يسبق للمجتمع البوسني المسلم أن اضطر إلى التعامل معها بهذه الصورة: هل يجوز البقاء في بلد يحكمه غير المسلمين؟ هل يهاجرون إلى الأراضي العثمانية؟ كيف يحافظون على أوقافهم ومدارسهم وقضاء أحوالهم الشخصية؟ وما علاقة علمائهم بشيخ الإسلام في إسطنبول؟
وغادر عشرات الآلاف من مسلمي البوسنة باتجاه أراضي الدولة العثمانية، خصوصًا الأناضول، في موجاتٍ متتابعة استمرت حتى الحرب العالمية الأولى. وتختلف التقديرات حول العدد الإجمالي، لكن مصادر أكاديمية بوسنية تضعه عند نحو 150 ألف مهاجر بين 1295هـ/1878م و1336هـ/1918م، بينما تؤكد دراسات أحدث أن أسباب الهجرة جمعت بين الدين والاقتصاد والتجنيد الإجباري والتحولات القانونية والاجتماعية.
ومن هنا أيضًا تشكلت جاليات كبيرة من ذوي الأصول البوشناقية في تركيا.
مأساة منسية لمسلمي السنجق.. ماذا حدث للبوشناق في حاجيت؟
مؤسسة «رئيس العلماء».. الإسلام يتكيف مع أوروبا الجديدة

أفرز سقوط الحكم العثماني تطورًا بالغ الأهمية ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم.
ففي عام 1299هـ/1882م تأسست قيادةٌ دينية مستقلة لمسلمي البوسنة والهرسك، وعُيّن مصطفى حلمي أفندي عمرُوفيتش أول «رئيس العلماء» (Reisu-l-ulema).
كان إنشاء هذا المنصب محاولة لتنظيم حياة المسلمين في واقع سياسي جديد بعد الانفصال الإداري عن الدولة العثمانية. ومع مرور الوقت تطورت «الجماعة الإسلامية في البوسنة والهرسك» إلى المؤسسة المركزية التي تدير المساجد والتعليم الديني والأوقاف والإفتاء والشؤون الإسلامية.
وتكمن أهمية التجربة في أنها صنعت نموذجًا إسلاميًا مؤسسيًا أوروبيًا مبكرًا: مسلمون يعيشون في دولة غير إسلامية، لكن لديهم قيادة دينية وطنية ومؤسسات مستقلة نسبيًا وتقاليد فقهية وتعليمية راسخة.
البوشناق داخل المملكة اليوغوسلافية
بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية النمساوية المجرية عام 1336هـ/1918م، دخلت البوسنة والهرسك ضمن مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين، التي أصبحت لاحقًا مملكة يوغوسلافيا.
وكان البوشناق مرة أخرى أمام دولة جديدة، هذه المرة يهيمن على مركزها السياسي العنصر الصربي.
أدت إصلاحات الأراضي التي بدأت عام 1337هـ/1919م إلى تفكيك جانب كبير من النظام الزراعي القديم، وتضررت منها بشدة طبقة ملاك الأراضي المسلمين التي كانت ذات وزن كبير في البوسنة. وكان تحرير الفلاحين من العلاقات الإقطاعية مطلبًا اجتماعيًا حقيقيًا، لكن طريقة تطبيق الإصلاح أصبحت أيضًا مصدرًا لصراع سياسي وقومي، خصوصًا أن نسبة كبيرة جدًا من كبار الملاك كانت مسلمة.
وفي هذا المناخ تأسست «المنظمة الإسلامية اليوغوسلافية» عام 1337هـ/1919م، وأصبحت بقيادة محمد سباهو القوة السياسية الرئيسية لمسلمي البوسنة، مطالبة بحماية مؤسساتهم وأملاكهم وبالحفاظ على خصوصية البوسنة السياسية داخل الدولة.
لكن المشكلة الأساسية ظلت قائمة: من هم مسلمو البوسنة قوميًا؟
فالدولة والمشروعات القومية المحيطة كانت تميل إلى التعامل معهم أحيانًا باعتبارهم صربًا اعتنقوا الإسلام، وأحيانًا باعتبارهم كروات مسلمين، بينما تطورت بينهم تدريجيًا هوية مستقلة لا تريد الذوبان في أي من المشروعين.
الحرب العالمية الثانية.. بين قوى متصارعة
عندما اجتاحت قوات المحور يوغوسلافيا عام 1360هـ/1941م، أُلحقت البوسنة والهرسك بـ«دولة كرواتيا المستقلة» الفاشية التابعة لقوى المحور.
وجد مسلمو البوسنة أنفسهم وسط حرب شديدة التعقيد: نظام أوستاشي فاشي ارتكب مذابح بحق الصرب واليهود والغجر، وقوات تشيتنيك صربية ارتكبت بدورها مذابح واسعة بحق المسلمين والكروات، وحركة الأنصار الشيوعية التي قادها جوزيف بروز تيتو وقاتلت الاحتلال وقوات المحور والمتعاونين معها.
ولم يتخذ البوشناق موقفًا واحدًا؛ فانضم أفراد منهم إلى تشكيلات مختلفة، كما شارك عدد كبير منهم لاحقًا في حركة الأنصار.
ومن الصفحات اللافتة في تلك الحقبة صدور ما عُرف بـ«القرارات الإسلامية» في مدن بوسنية خلال 1360–1361هـ/1941–1942م، والتي وقعها علماء ووجهاء مسلمون وأدانت الاعتداءات على المدنيين، ولا سيما الصرب واليهود والغجر، ورفضت تحميل المسلمين جماعيًا مسؤولية الجرائم التي ارتكبها أفراد أو قوات موالية للنظام.
وفي المقابل، تعرضت مجتمعات مسلمة كاملة في شرقي البوسنة ومناطق أخرى لمذابح خلال الحرب، وهي صفحة بقيت لاحقًا أقل حضورًا في الذاكرة العامة ليوغوسلافيا الاشتراكية. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن عددًا من مواقع قتل المدنيين المسلمين في الحرب العالمية الثانية بقي بلا علامات أو نصب تذكارية حتى عقود لاحقة.
يوغوسلافيا الشيوعية.. شعب بلا اسم واضح
بعد انتصار تيتو عام 1364هـ/1945م، أصبحت البوسنة والهرسك واحدةً من الجمهوريات الست المكوِّنة ليوغوسلافيا الاشتراكية.
لكن السلطات الشيوعية لم تعترف في البداية بمسلمي البوسنة باعتبارهم قومية مستقلة. وكان يُفترض سياسيًا في السنوات الأولى أن يختار كثير منهم هوية صربية أو كرواتية أو يوغوسلافية، بينما ظل الإسلام بالنسبة إلى الدولة في الأساس تصنيفًا دينيًا.
وفي الوقت نفسه تعرضت المؤسسات الإسلامية لتغييرات قاسية: أممت ممتلكات وأوقاف، وأغلقت مدارس وكتاتيب دينية عديدة، ولم تبقَ إلا مؤسسات محدودة، من بينها مدرسة غازي خسرو بك. ومع ذلك نجحت الجماعة الإسلامية في الاستمرار، ثم استعادت شيئًا فشيئًا مساحات للعمل الديني والتعليمي.
وخلال الستينيات حدث تحول مهم في سياسة الدولة. فقد بدأت القيادة اليوغوسلافية تعترف بأن مسلمي البوسنة ليسوا مجرد طائفة دينية يمكن تقسيمها قوميًّا بين الصرب والكروات.
وفي أواخر الستينيات جرى الاعتراف بهم كأمة، وظهر في تعداد 1391هـ/1971م التصنيف القومي «مسلمون» بمعنى قومي، لا مجرد الانتماء الديني. وتؤكد الدراسات الأكاديمية أن هذا الاعتراف كان حصيلة عملية سياسية وفكرية طويلة خلال الستينيات، قبل أن يتكرس وضعهم كأحد شعوب يوغوسلافيا.
ومن مفارقات تلك المرحلة أن شعبًا مسلمًا أوروبيًا أصبح يحمل رسميًا اسم دينه بوصفه اسمًا قوميًّا: «المسلمون».
العودة إلى اسم «البوشناق»
مع تفكك يوغوسلافيا واندلاع حرب البوسنة، عادت مسألة الاسم بقوة.
وفي 11–12 ربيع الأول 1414هـ/27–28 سبتمبر 1993م، وفي ذروة الحرب، انعقد في سراييفو «المؤتمر البوشناقي الأول»، واتُخذ قرار بإعادة اعتماد الاسم التاريخي «Bošnjak»؛ أي البوشناقي، بدل استخدام «مسلم» كاسم للقومية.
لم يكن المقصود التخلي عن الإسلام، بل الفصل بين الانتماء الديني والاسم القومي: الإسلام دين، والبوشناق شعب. وأصبح الاسم منذ ذلك الحين هو التعبير القومي الرسمي عن الجماعة التي كانت تعرف في الوثائق اليوغوسلافية باسم «المسلمين».
1992.. البوشناق أمام معركة البقاء
كان انهيار يوغوسلافيا أخطر لحظة في تاريخ البوشناق الحديث.
بعد إعلان البوسنة والهرسك استقلالها عام 1412هـ/1992م، رفضت القيادة القومية لصرب البوسنة قيام الدولة الجديدة، وبدأت قوات صرب البوسنة، بدعم كبير من الجيش اليوغوسلافي وصربيا، حملة للاستيلاء على مناطق واسعة وإخراج السكان غير الصرب منها.
ما حدث عُرف دوليًا باسم «التطهير العرقي»: القتل، والاعتقال، والتعذيب، والاغتصاب، وتدمير القرى والمساجد، وإنشاء المعتقلات، والطرد الجماعي للسكان.
وقد ارتكبت القوات البوشناقية والكرواتية أيضًا جرائم حرب بحق مدنيين من جماعات أخرى، كما اندلع في مرحلة من الحرب صراع مسلح بين القوات البوشناقية والكرواتية. لكن توثيق المحاكم والمؤسسات الدولية يُظهر أن حملة التطهير الأكثر اتساعًا وتنظيمًا في مناطق واسعة كانت تلك التي نفذتها قوات صرب البوسنة ضد السكان غير الصرب، وكان البوشناق أكبر المتضررين منها.
وتقدر حصيلة حرب البوسنة بنحو 100 ألف قتيل. ووفق متحف الهولوكوست الأمريكي، كان نحو 80% من المدنيين الذين قُتلوا خلال الحرب من البوشناق.
سراييفو.. مدينة تحت الحصار
من رمضان 1412هـ/أبريل 1992م وحتى أواخر 1415هـ/1995م، عاشت سراييفو واحدةً من أطول عمليات حصار مدينةٍ في التاريخ الحديث.
أُحيطت العاصمة بالقوات الصربية البوسنية المتمركزة في الجبال، وتعرض سكانها للقصف ونيران القناصة ونقص الكهرباء والمياه والغذاء.
استمر الحصار 44 شهرًا، أو نحو 1425 يومًا. وتشير بيانات مشروع توثيقي تابع لشبكة البلقان للتحقيقات إلى مقتل أكثر من 11 ألفًا من سكان المدينة خلال الحصار، بينهم نحو 1600 طفل.
وأصبحت سراييفو في تلك السنوات رمزًا لمفارقة البوسنة كلها: مدينة أوروبية متعددة الأديان، فيها المسجد والكنيسة الأرثوذكسية والكاتدرائية والكنيس، تتحول في نهاية القرن العشرين إلى مدينة يعيش أهلها تحت نيران المدفعية والقناصة.
التطهير العرقي للمسلمين في البوسنة ومجزرة سربرنيتشا
سربرنيتسا.. حين تحولت المذبحة إلى إبادة جماعية

بلغت المأساة ذروتها في محرّم 1416هـ/يوليو 1995م. كانت سربرنيتسا في شرقي البوسنة قد أعلنتها الأمم المتحدة «منطقة آمنة»، ولجأ إليها آلاف البوشناق هربًا من عمليات التطهير في القرى والبلدات المحيطة.
وفي 11 يوليو سيطرت عليها قوات جيش جمهورية صرب البوسنة بقيادة الجنرال راتكو ملاديتش.
خلال الأيام التالية فُصل الرجال والفتيان البوشناق عن النساء والأطفال، ثم اقتيد آلاف منهم إلى مواقع احتجاز وإعدام مختلفة وقتلوا بصورة منظمة. كما نُقل نحو 30 ألفًا من النساء والأطفال والمسنين قسرًا من المنطقة.
وتقدر المؤسسات الدولية عدد الرجال والفتيان الذين قتلوا أو فقدوا بأكثر من ثمانية آلاف. واستطاعت اللجنة الدولية لشؤون المفقودين تحديد هوية أكثر من سبعة آلاف ضحية اعتمادًا بصورة رئيسية على تحاليل الحمض النووي، بعد العثور على رفاتهم في مقابر جماعية أولية وثانوية وثالثية؛ إذ عمد الجناة إلى نقل الجثث لاحقًا في محاولة لإخفاء الأدلة.
وحسم القضاء الدولي توصيف الجريمة. فقد قررت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ثم محكمة العدل الدولية، أن ما وقع في سربرنيتسا يشكل «إبادة جماعية» بالمعنى القانوني للكلمة.
وفي عام 1445هـ/2024م اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة 11 يوليو يومًا دوليًا للتفكر وإحياء ذكرى إبادة سربرنيتسا، كما أدانت إنكار الإبادة وتمجيد المدانين بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة.
اتفاق دايتون.. نجاة الدولة ولكن بثمن

انتهت الحرب أواخر عام 1416هـ/1995م باتفاق دايتون. حافظ الاتفاق على البوسنة والهرسك دولة واحدة ذات سيادة، لكنه قسمها داخليًا إلى كيانين رئيسيين: «اتحاد البوسنة والهرسك»، الذي يتركز فيه البوشناق والكروات، و«جمهورية صرب البوسنة»، إلى جانب الوضع الخاص لمقاطعة برتشكو.
أوقف الاتفاق الحرب، لكنه ثبّت في الوقت نفسه نظامًا سياسيًا شديد التعقيد يقوم بدرجة كبيرة على التوازن بين البوشناق والصرب والكروات.
وبالنسبة إلى كثير من البوشناق كانت النتيجة مريرة: بقيت البوسنة موجودة، لكن مناطق في شرقي وشمالي البلاد كانت ذات مجتمعات بوشناقية كبيرة قبل الحرب أصبحت بعد التطهير العرقي جزءًا من كيان جمهورية صرب البوسنة. وأعطي اللاجئون حق العودة، لكن التركيبة السكانية لكثير من البلدات لم تعد إلى ما كانت عليه قبل 1412هـ/1992م.
أين يعيش البوشناق اليوم؟
البوسنة والهرسك هي موطنهم الرئيس. وفي آخر تعدادٍ سكاني شامل أُجري في البلاد، عام 1434هـ/2013م، عرّف 1,769,592 شخصًا أنفسهم بأنهم بوشناق، أي نحو 50.1% من السكان، ليكونوا أكبر المكونات القومية الثلاثة في البلاد. ولم يُجرَ تعدادٌ وطني جديد منذ ذلك الحين، ولذلك ينبغي الحذر من تقديم رقمٍ حديث دقيق لعددهم داخل البوسنة في 1448هـ/2026م.
ويعيش تجمع بوشناقي تاريخي كبير في «السنجق»، وهي منطقة مقسمة اليوم بين جنوب غربي صربيا وشمال شرقي الجبل الأسود، ومن أهم مدنها نوفي بازار وتوتين وسيينيتسا وروجايي وبييلو بوليي.
وفي تعداد صربيا لعام 2022 عرّف 153,801 شخصًا أنفسهم بأنهم بوشناق. أما في الجبل الأسود، فسجّل تعداد عام 1445هـ/2023م وجود 58,956 بوشناقيًا، يمثلون 9.45% من السكان. ومن اللافت أن التعدادين يسجلان أيضًا فئة منفصلة لأشخاص اختاروا «مسلم» هوية قومية بدل «بوشناقي»، وهو إرث مباشر للتصنيفات اليوغوسلافية القديمة.
وتوجد اليوم جاليات بوشناقية كبيرة في ألمانيا والنمسا والسويد وسويسرا وهولندا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا، إلى جانب أعداد كبيرة جدًا من المنحدرين من مهاجري البوسنة والسنجق في تركيا.
وهكذا أصبحت الأمة البوشناقية موزعة بين الوطن والشتات، لكن سراييفو بقيت مركزها الثقافي والسياسي الأبرز، كما بقي نوفي بازار مركزًا أساسيًا لبوشناق السنجق.
ماذا بقي من العهد العثماني؟
بعد أكثر من قرن على نهاية الحكم العثماني، لا تزال آثاره ظاهرة بوضوح في الحياة البوشناقية.
الأسماء الشخصية مثل مصطفى وأحمد ومحمد وأمينة وفاطمة تتجاور مع الألقاب السلافية المنتهية غالبًا بـ«يتش». الكلمات التركية والعربية والفارسية دخلت اللغة البوسنية. والمطبخ يحمل البوريك والتشيفابي والقهوة البوسنية والحلويات الشرقية. والمدن القديمة لا تزال تضم المساجد والأوقاف والجسور والأسواق.
لكن الهوية البوشناقية ليست عثمانية فقط. فقد مر الشعب أيضًا بأربعين عامًا من الحكم النمساوي المجري، ثم أكثر من سبعة عقود داخل الدول اليوغوسلافية، وعاش عصر الصناعة والتعليم الحديث والعلمانية والشيوعية والحرب والشتات.
ولهذا فإن البوشناقي المعاصر يمكن أن يكون في آن واحد مسلمًا، وسلافي اللغة، وأوروبي الثقافة والجغرافيا، مرتبطًا بالإرث العثماني، وحاملًا لتجربة تاريخية خاصة جدًا داخل البلقان.
ولا يوجد تناقض في ذلك؛ بل هذه التركيبة تحديدًا هي التي صنعت الشخصية البوشناقية.
الإسلام عند البوشناق.. دين وهوية وذاكرة

لعب الإسلام دورًا يتجاوز العبادات الفردية في تاريخ البوشناق، لأنه كان طوال فترات طويلة الإطار الذي حفظ تمايزهم عن المشاريع القومية الصربية الأرثوذكسية والكرواتية الكاثوليكية المحيطة بهم.
لكن ذلك لم يجعل المجتمع البوشناقي كتلة دينية واحدة. فمنذ القرن التاسع عشر ظهرت داخله تيارات إصلاحية ومحافظة وعلمانية، ثم أدى الحكم الشيوعي والهجرة إلى أوروبا الغربية إلى تنوع أكبر في أنماط التدين.
ورغم ذلك، بقيت المؤسسات الدينية شديدة الأهمية. ومقر «الجماعة الإسلامية في البوسنة والهرسك» في سراييفو، وعلى رأسها رئيس العلماء، وهي ترى نفسها إطارًا دينيًا لمسلمي البوسنة ومناطق الوطن التاريخية والشتات البوشناقي.
وتضمّن النموذج البوسني كذلك تجربته الطويلة في التعايش مع الدولة المدنية والقانون الأوروبي، وهي خبرة بدأت عمليًا منذ 1295هـ/1878م، أي قبل موجات الهجرة الإسلامية الكبرى إلى أوروبا الغربية بنحو قرن.
الذاكرة التي لم تُغلق بعد
انتهت حرب البوسنة عسكريًا قبل أكثر من ثلاثة عقود، لكن الصراع حول الذاكرة لم ينتهِ.
لا يزال إنكار إبادة سربرنيتسا أو التقليل منها قائمًا في بعض الأوساط القومية الصربية، كما يستمر الجدل حول تمجيد القادة المدانين بجرائم الحرب.
وفي ربيع الأول 1448هـ – سبتمبر 2026م ظهر ذلك بوضوح مرة أخرى بعد إقامة مراسم واسعة في صربيا لراتكو ملاديتش، الذي توفي وهو يقضي عقوبة السجن المؤبد بعد إدانته بالإبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. أثارت مراسم تكريمه انتقادات دولية وأزمة دبلوماسية جديدة مع البوسنة والهرسك.
وهذا يفسر لماذا لا ينظر البوشناق إلى سربرنيتسا باعتبارها مجرد حدث تاريخي بعيد. فبالنسبة إلى آلاف الأسر، ما زال البحث عن الرفات ودفن الضحايا وإثبات الحقيقة ومقاومة الإنكار جزءًا من الحاضر.
شعب بقي رغم كل التحولات
ربما تكون العبارة التي تختصر تاريخ البوشناق هي أنهم شعب اضطر مرارًا إلى إعادة تعريف موقعه من دون أن يغادر موطنه.
كانوا سكانًا لبوسنة العصور الوسطى، ثم أصبح قسم كبير منهم مسلمًا في ظل العثمانيين. وحين خرج العثمانيون وجدوا أنفسهم أقلية دينية داخل الإمبراطورية النمساوية المجرية. وبعد سقوطها دخلوا دولة يوغوسلافية لم تعترف طويلًا بقوميتهم. وفي النظام الشيوعي حصلوا في النهاية على اسم «المسلمين» كقومية، ثم استعادوا خلال حرب التسعينيات اسم «البوشناق».
وفي الوقت الذي كان فيه العالم يناقش نهاية الحرب الباردة وبناء «أوروبا الجديدة»، كانت بلداتهم تُطهّر عرقيًا، ومساجدهم تهدم، وسراييفو تحاصر، وينتهي آلاف رجالهم وفتيانهم في المقابر الجماعية حول سربرنيتسا.
ومع ذلك لم تختفِ البوسنة، ولم يختفِ البوشناق.

اليوم ما تزال صلاة الجمعة تقام في مسجد غازي خسرو بك الذي يعود إلى القرن السادس عشر، وما تزال مكتبته تحفظ مخطوطاتها، ويرفع الأذان من سراييفو وموستار وترافنيك ونوفي بازار، فيما تُدفن في كل عام رفات جديدة يتم التعرف إليها لضحايا حرب انتهت منذ عقود.
ولهذا فإن قصة البوشناق أكبر من أن تُختصر في حرب التسعينيات أو في إرث الدولة العثمانية وحده. إنها قصة تشكل إسلام أوروبي محلي، وقصة مجتمع حافظ على لغته السلافية ودينه ومؤسساته وسط تبدل الإمبراطوريات والحدود، وقصة شعب كانت هويته موضع إنكار أو إعادة تسمية أكثر من مرة، ثم وصل إلى نهاية القرن العشرين وهو يدافع ليس فقط عن دولة، بل عن حقه في أن يبقى موجودًا باسمه وعلى أرضه.
البوشناق، بهذا المعنى، ليسوا «مسلمين في أوروبا» فحسب؛ إنهم جزء من تاريخ أوروبا نفسها، وشاهد حي على أن الإسلام في القارة ليس ظاهرة حديثة أو وافدة، بل يمتلك في قلب البلقان ذاكرة مدن ومؤسسات وأوقاف ومقابر ومساجد وشعبًا يمتد وجوده عبر قرون.





اترك تعليقاً