«راتكو ملاديتش» سيرة مجرم الحرب الصربي

5 1788846878

ما بين عام 1992-1995، لما كان العالم العربي منشغلا بتداعيات حرب الخليج الثانية، وغزو الكويت، وإنشاء منظمة التجارة العالمية، كان الجيش الصربي يرتكب إبادة جماعية بحق مسلمي البوسنة والهرسك، ذهب ضحيتها ما يقارب 100 ألف قتيل، وتم اغتصاب ما بين 20 إلى 50 ألف امرأة بشكل ممنهج دون رادع يذكر.

والآن، وبعد مرور ما يقارب الـ31 عاماً على إبادة البوسنة والهرسك، يعود ذكر أحد أبرز قادة المجزرة “راتكو ملاديتش” إلى الساحة الإعلامية بعد وفاته أواخر الشهر الماضي (27 اغسطس) –12 صفر– في سجون الأمم المتحدة عن عمر ناهز الـ 84 عاما.

نشأة “راتكو ملاديتش”.

“راتكو ملاديتش” المشهور بلقب “جزار البوسنة” هو القائد العام لجيش صرب البوسنة خلال حرب البوسنة والهرسك ما بين عام 1992-1995.

ولد راتكو ملاديتش عام 1942م في جنوب شرق البوسنة، ليُقتل والده في 1945م في الحرب الكرواتية آنذاك.

نشأ “ملاديتش” على التعصب للقومية الصربية، ثم التحق بالجيش الشعبي اليوغسلافي، لينظم عام 1965م إلى شعبة الشيوعيين في يوغسلافيا.

وفي عام 1992م، تولى راتكو القيادة العامة لجيش صرب البوسنة في حرب البوسنة والهرسك، وقاد التطهير العرقي بحق البوسناق المسلمين، لتوجه له المحكمة الجنائية الدولية اليوغسلافية عدة تهم ضد “الإنسانية”.

التهم الموجهة إلى “ملاديتش” وقرار المحكمة.

وجهت المحكمة الجنائية الدولية اليوغسلافية (ICTY) 11 تهمة رئيسية إلى ملاديتش: تهمتان بالإبادة الجماعية، –حصل على براءة في أحدهما– وخمس جرائم ضد الإنسانية، وأربع أخرى تحت بند “انتهاك قوانين وأعراف الحرب”.

وأصدرت المحكمة عام 2017م حكما بإدانته بجميع التهم الموجهة إليه –سوى جريمة الإبادة الجماعية في البوسنة– ليصدر في حقه حكم بالسجن لمدى الحياة.

لماذا لم يحكم عليه بالإعدام؟

حكم على ملاديتش بالسجن المؤبد، لأن المحكمة الجنائية الدولية اليوغسلافية (ICTY) التابعة لـ”الأمم المتحدة” تحظر عقوبة الإعدام تبعا لما تسمى “المواثيق الدولية لحقوق الإنسان”، التي ترفض العقوبات الإعدامية وتحدد السجن المؤبد كحد أقصى للعقوبة.

رحلة القبض على ملاديتش

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية اليوغسلافية (ICTY) مذكرتي اعتقال بحق ملاديتش عام 1995م بتهم “الإبادة الجماعية”، وفي عام 1996م أصدرت المحكمة مذكرة اعتقال دولية، وذلك بعد رفض صربيا تسليمه للمحاكمة.

مرحلة البطل القومي

حظي ملاديتش منذ عام 1995م إلى 2003 تقريباً بتقدير وحماية خاصة من النظام الصربي وفرها له الرئيس الصربي آنذاك (سلوبودان ميلوشيفيتش)، فكانت تحركاته تتم بحراسة عسكرية خاصة، وكان يتردد لحضور المباريات والمشاركة في الفعاليات باعتباره بطلا قوميا.

مرحلة الهروب والاختباء

بعد سقوط الرئيس الصربي (ميلوشيفيتش) عام 2000م، وإحداث تغييرات مفصلية في الأجهزة الأمنية الصربية، أجبر ملاديتش على قطع اتصاله بالحكومة الصربية والتواري عن الأنظار.

انتقل ملاديتش بعدها للعيش مختبئا في المناطق الريفية محاطا ببعض الضباط السابقين وبعض أفراد عائلته.

انقلاب موقف الحكومة الصربية على “ميلاديتش”

تغير الموقف الصربي تجاه ملاديتش بعد سقوط الرئيس الصربي السابق وتولي حكومة مؤيدة للاتحاد الأوروبي زمام السلطة.

واشترط الاتحاد الأوروبي تسليم ملاديتش وكارادزيتش (رئيس جمهورية صرب البوسنة في عام 1995م)، لفتح باب المفاوضات حول انضمام صربيا للاتحاد الأوروبي.

لحظة الاعتقال

بعد 16 سنة من الهروب والاختباء، ألقت القوات الصربية القبض على ملاديتش في مداهمة لمنزل ابن عمه “برانكو ملاديتش”، وكان عمره آنذاك 69 سنة، ليتم اقتياده إلى مقر محاكمة الجرائم الحربية في بلغراد.

وفاته أثناء الاعتقال

جاءت وفاة ملاديتش نتيجة تدهور وضعه الصحي وإصابته بعدة جلطات دماغية بشكل متكرر ومشاكل في القلب والكلى (كان يعاني من معظمها قبل الاعتقال)، لتعلن المحكمة الجنائية الدولية في 27 أغسطس من عام 2026م وفاته في مستشفى السجن التابع للأمم المتحدة في مدينة لاهاي الهولندية.

رسالة الختام

إن المتأمل في قصة حياة “راتكو ملاديتش” يجدها قد تكون ثقيلة على القلب، خاصة وأنه عاش حياة توصف بأنها “رغيدة” بعد كل جرائمه.

ولكن ينبغي على المؤمن أن يستحضر دائما حقيقة أن الدنيا دار اختبار وبلاء وليست دار حساب وجزاء، قال تعالى: “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ” سورة النحل

وقال صلى الله عليه وسلم: “لَو كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِندَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةِ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءِ”. رواه الترمذي وقال حديث صحيح غريب من هذا الوجه.

وينبغي أيضا على المؤمن، أن لا ينتظر الحكم العادل من المحاكم الغربية، فلا عدل إلا بما قرره الله عز وجل، وإن كانت المحكمة قد حكمت على “ملاديتش” بالسجن المؤبد حكما عادلا –بزعمهم– فهناك ألف ملاديتش حر طليق بلا حساب أو مذكرة اتهام.

هذا والله اعلى واعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *