ماذا بقي من الهوية الإسلامية في تركستان الشرقية؟

pmGVn

في مدينة كاشغر القديمة، كانت مآذن المساجد والأذان والأسواق المحيطة بمسجد عيد كاه، واللغة الأويغورية المكتوبة بالحرف العربي، والملابس التقليدية، والمقابر الإسلامية، جزءًا من مشهد اجتماعي تشكل عبر قرون. وفي مدن الواحات الممتدة من ختن جنوبًا إلى أكسو وكاشغر غربًا، لم يكن الإسلام مجرد شعائر يؤديها السكان، بل أحد العناصر الأساسية التي صاغت هوية الأويغور وثقافتهم وحياتهم الأسرية.

لكن هذا المشهد تغير بصورة عميقة خلال العقد الأخير.

ففي الإقليم الذي تسميه الصين رسميًا «منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم»، ويسميه كثير من الأويغور «تركستان الشرقية»، تعرضت مظاهر واسعة من الحياة الإسلامية لقيود شديدة ضمن حملة تقول بكين إنها تستهدف «التطرف والإرهاب والانفصال»، بينما تقول الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إن نطاق الإجراءات تجاوز مكافحة العنف ليطال ممارسات دينية وثقافية عادية.

وفي تقييمها الشامل المنشور عام 2022م (1444هـ)، خلصت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن القيود المفروضة في المنطقة شملت الصلاة، والاحتفاظ بالمصاحف، والوصول إلى المساجد، وأن تعريف السلطات لـ«التطرف» كان واسعًا إلى درجة أدخلت ضمنه مظاهر مرتبطة بالحياة الإسلامية والثقافية العادية. كما قالت إن حجم الاعتقال التعسفي والتمييز قد يرقى إلى «جرائم ضد الإنسانية».

والسؤال اليوم لم يعد فقط: هل يستطيع الأويغور ممارسة الإسلام؟

بل أصبح أعمق من ذلك: ماذا بقي من الهوية الإسلامية بعد سنوات من إعادة تشكيل المساجد والتعليم والأسرة واللغة والفضاء العام؟

الإسلام في تركستان الشرقية.. أكثر من ألف عام

image 59

وصل الإسلام إلى مناطق تركستان الشرقية تدريجيًا منذ قرون، وترسخ بصورة خاصة مع اعتناق الدولة القراخانية الإسلام في القرن العاشر الميلادي، ثم أصبحت مدن مثل كاشغر وختن ويرقند مراكز مهمة للعلم والتجارة والثقافة الإسلامية في آسيا الوسطى.

ومن هذه البيئة خرج علماء وشخصيات تركية مسلمة بارزة، وفي مقدمتهم محمود الكاشغري، صاحب «ديوان لغات الترك»، ويوسف خاص حاجب، صاحب «قوتادغو بيليغ».

وعلى مدى القرون، امتزج الإسلام باللغة الأويغورية والعادات المحلية حتى أصبح من الصعب الفصل بين الهوية الدينية والهوية الثقافية للأويغور.

المسجد لم يكن مكانًا للصلاة فقط؛ والمقبرة لم تكن مجرد مكان للدفن؛ وشهر رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام؛ والأسماء الإسلامية لم تكن مجرد أسماء.

كل ذلك كان يشكل شبكة من الرموز والممارسات التي تنتقل بها الهوية من جيل إلى آخر.

ولهذا فإن تغيير هذه العناصر لا يعني فقط تغيير طريقة ممارسة الدين، وإنما يؤثر في الطريقة التي يعرف بها الأويغور أنفسهم.

نقطة التحول الكبرى

لم تبدأ القيود الدينية في عهد الرئيس شي جين بينغ، فقد وثقت منظمات حقوقية الرقابة على الإسلام في المنطقة منذ عقود.

ففي تقرير يعود إلى عام 2005م، الموافق 1426–1427هـ، وثقت هيومن رايتس ووتش نظامًا واسعًا لمراقبة المساجد والأئمة والتعليم الديني، ومنع القاصرين من المشاركة في الأنشطة الدينية، وربط بعض النشاط الديني بالانفصال السياسي.

لكن التحول الأكبر وقع بعد 2014م، الموافق 1435–1436هـ، وبلغ ذروته منذ 2017م، الموافق 1438–1439هـ.

أطلقت السلطات حملات أمنية واسعة لمواجهة ما وصفته بـ«الإرهاب والتطرف»، وأنشأت شبكة من مراكز الاحتجاز وإعادة التعليم، إلى جانب نظام واسع للمراقبة الرقمية والأمنية.

وتقول بكين إن الإجراءات كانت ضرورية لمواجهة سلسلة من الهجمات العنيفة والتطرف، وإن مراكز «التعليم والتدريب المهني» هدفت إلى مكافحة التطرف وتعليم اللغة والمهارات المهنية.

لكن شهادات جمعتها الأمم المتحدة ومنظمات دولية تحدثت عن اعتقال تعسفي واسع، وعن أشخاص تعرضوا للاستجواب أو الاحتجاز بسبب أنشطة دينية وثقافية لم تتضمن عنفًا.

وتقول الأمم المتحدة إن البيئة القانونية التي نشأت سمحت بخلط ممارسة الدين والثقافة مع مفهوم «التطرف».

ومن هنا بدأ التحول من تنظيم الإسلام إلى محاولة إعادة تعريف الشكل المقبول منه.

«إسلام بخصائص صينية»

image 60

تستخدم الحكومة الصينية مفهوم «تصيين الأديان»، أي جعل الممارسة الدينية متوافقة مع الثقافة الصينية التي تحددها الدولة ومع النظام السياسي والحزب الشيوعي.

وفي حالة الإسلام، تؤكد بكين أنها لا تسعى إلى القضاء عليه، بل إلى ضمان أن يكون «متوافقًا مع المجتمع الاشتراكي» وأن يبقى بعيدًا عن التطرف والتأثيرات الأجنبية.

لكن اللوائح الدينية المعدلة الخاصة بتركستان الشرقية، والتي دخلت حيز التنفيذ في فبراير/شباط 2024،الموافق رجب 1445هـ، ذهبت أبعد في إلزام المؤسسات الدينية باتجاه «التصيّين».

وبحسب تحليل هيومن رايتس ووتش لهذه اللوائح، فإنها تعزز مطالبة أماكن العبادة والممارسة الدينية بإظهار «الخصائص الصينية»، وتزيد الرقابة الحكومية على التعليم الديني وإدارة المؤسسات والشعائر.

وهنا تكمن نقطة أساسية: الإسلام لم يختف رسميًا من تركستان الشرقية. المساجد ما تزال موجودة، وبعضها مفتوح، والدولة تعترف رسميًا بالإسلام ضمن الديانات المعترف بها في الصين.

لكن الإسلام الذي يستطيع الظهور علنًا أصبح خاضعًا بصورة شديدة لما تسمح به الدولة، ومن يمارسه، وأين يمارسه، وما الذي يمكن تدريسه باسمه.

الإسلام في الصين: صراع وجود لا يزال مستمرًا

أين ذهبت آلاف المساجد؟

ربما كان التحول في المساجد أكثر مظاهر التغيير وضوحًا. كانت المساجد جزءًا كثيفًا من النسيج العمراني لمدن وقرى الأويغور. لكن منذ 2017م (1438هـ) ظهرت أدلة عبر صور الأقمار الصناعية على هدم أو إتلاف أعداد كبيرة منها.

ويستند عدد من المنظمات الحقوقية إلى دراسة لمعهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي قدّرت أن نحو 16 ألف مسجد في المنطقة تعرضت للتدمير أو الضرر منذ 2017م (1438هـ)، أي ما يقارب ثلثي المساجد التي قدرت الدراسة وجودها سابقًا، وأن نحو نصفها هُدم بالكامل.

وهذه تقديرات بحثية وليست إحصاءات صادرة عن الحكومة الصينية، التي اعترضت على تقارير دولية بشأن تدمير المساجد وتقول إنها تحمي حرية الاعتقاد والمنشآت الدينية القانونية.

لكن صور الأقمار الصناعية والتوثيق المستقل أظهرا نمطًا آخر أيضًا: ليس كل مسجد أُزيل بالكامل.

ففي بعض الحالات بقي المبنى، لكن اختفت منه القبة أو المئذنة أو الهلال أو البوابة ذات الطابع الإسلامي. وهذا التفصيل مهم للغاية لفهم ما يحدث للهوية.

فالمسجد قد يبقى قائمًا من الناحية المادية، لكن ملامحه التي تربطه بالتاريخ الإسلامي للمنطقة تتغير.

مسجد عيد كاه.. الرمز الذي بقي

في قلب كاشغر ما يزال مسجد عيد كاه قائمًا. وهو أشهر مساجد الأويغور وأحد أهم الرموز الإسلامية في آسيا الوسطى، ويعود تاريخ الموقع إلى قرون.

وجوده يسمح لبكين بالإشارة إلى استمرار المساجد والنشاط الديني في المنطقة، ويظهر المسجد في الزيارات الرسمية والجولات الإعلامية.

لكن بقاء مسجد كبير ومشهور لا يجيب وحده عن السؤال المتعلق بالحياة الدينية اليومية.

فالهوية الإسلامية لم تكن تعتمد تاريخيًا على مسجد مركزي واحد، وإنما على شبكة كبيرة من المساجد المحلية الصغيرة، والأئمة، وتعليم القرآن، والعلاقات بين الأسر، والمقابر والعادات المنزلية.

ولهذا فإن المقياس الحقيقي لبقاء الإسلام ليس عدد المساجد الشهيرة التي بقيت مفتوحة فحسب، وإنما مدى قدرة الأسرة على نقل دينها بصورة طبيعية إلى الطفل. وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.

الطفل الذي لا يدخل المسجد

من أكثر السياسات تأثيرًا على مستقبل الهوية الدينية القيود المتعلقة بالأطفال.

وثقت الأمم المتحدة أن اللوائح في المنطقة تمنع القاصرين من المشاركة في الأنشطة الدينية، كما تخضع التربية والتعليم لرقابة الدولة.

وهذا يضرب إحدى أهم آليات استمرار أي هوية دينية: انتقالها بين الأجيال.

فالطفل يتعلم الدين عادة من ثلاثة أماكن: المنزل، والمسجد، والمجتمع المحيط.

وعندما تصبح الأنشطة الدينية للأطفال مقيدة، ويخضع المسجد لرقابة شديدة، وتصبح ممارسة الدين داخل الأسرة نفسها مصدرًا محتملًا للخوف، تصبح عملية نقل الهوية أكثر صعوبة.

وبذلك قد يبقى الجد مسلمًا متدينًا، ويعرف الأب القرآن والشعائر، بينما ينشأ الابن في بيئة يكون فيها احتكاكه المنظم بالدين أقل بكثير.

وهذا ربما يكون أخطر من هدم مبنى مسجد، لأن المسجد يمكن إعادة بنائه، أما انقطاع المعرفة بين جيلين فمن الصعب تعويضه.

القرآن داخل المنزل

أخبر أشخاص قابلتهم مفوضية الأمم المتحدة عن تشديد القيود منذ 2015م (1436هـ)، بما في ذلك الصلاة والاحتفاظ بالمصاحف والوصول إلى المساجد.

كما وثقت هيومن رايتس ووتش في شهادات سابقة مصادرة سجاجيد الصلاة والمصاحف ومواد دينية، وقال بعض من قابلتهم المنظمة إن الناس توقفوا عن الصلاة خوفًا من العواقب.

وهنا انتقلت الرقابة من المجال العام إلى المجال الخاص. فالمسألة لم تعد فقط من يخطب في المسجد، بل ماذا يحتفظ الإنسان في بيته، وكيف يصلي، وما المواد الدينية التي يقرأها أو يشاركها.

وقد أسهمت المراقبة الرقمية الواسعة التي وثقتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية في زيادة هذا الشعور؛ إذ أصبح الهاتف والاتصال بالأقارب في الخارج والمواد الرقمية الدينية عوامل يمكن أن تخضع للتدقيق الأمني.

رمضان.. حين تصبح العبادة اختبارًا للولاء

رمضان من أكثر الأمثلة وضوحًا على التداخل بين الدين والرقابة.

أشار تقييم الأمم المتحدة إلى أن السلطات أدرجت ضمن مؤشرات «التطرف» في بعض السياسات سلوكيات مثل إغلاق المطاعم خلال رمضان، إلى جانب مظاهر دينية أخرى.

وعلى مدى سنوات، تحدثت تقارير وشهادات عن ضغوط تتعلق بالصيام، خصوصًا على الموظفين الحكوميين والطلاب وبعض الفئات الخاضعة لمؤسسات الدولة.

وفي المقابل، تنشر وسائل الإعلام الحكومية الصينية سنويًا صورًا لمسلمين يمارسون الشعائر، وتؤكد أن الصيام والعبادة مسموحان قانونيًا.

وهذه المفارقة تلخص المشهد: هناك إسلام رسمي يمكن رؤيته، لكن السؤال الحقوقي يدور حول المساحة المتاحة للإسلام المستقل عن إشراف الدولة.

اللحية والحجاب والاسم

من أكثر ما أثار انتقادات الأمم المتحدة اتساع تعريف «التطرف».

فقد أورد تقييم المفوضية أن القواعد والممارسات المرتبطة بمكافحة التطرف شملت في فترات مختلفة علامات مثل ارتداء بعض أشكال الحجاب، و«اللحية غير الطبيعية»، والتوسع في مفهوم الحلال، وإغلاق المطاعم خلال رمضان، وتعليم النصوص الدينية عبر الإنترنت، وحتى ما وصفته اللوائح باختيار أسماء «غير اعتيادية» للأطفال.

وتكمن خطورة ذلك في أن الحدود بين الهوية الإسلامية والتهمة الأمنية تصبح غير واضحة.

فإذا أصبحت المظاهر التي كانت في السابق جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية بحاجة إلى حساب سياسي وأمني، قد يلجأ الناس إلى إخفائها حتى دون وجود منع مباشر في كل حالة.

وهكذا يحدث التغيير الاجتماعي ليس بالقانون فقط، وإنما أيضًا بالخوف من القانون.

المقابر .. استهداف ذاكرة المكان

لم تتوقف التحولات عند المساجد. وثقت دراسات وتقارير إزالة أو إعادة تطوير مقابر أويغورية، وهي أماكن لها أهمية تتجاوز الدفن.

فالمقبرة تحفظ أسماء العائلات والأجداد، وبعضها يعود إلى مئات السنين.

وتشير دراسات حقوقية حديثة إلى إزالة أو تغيير عدد من هذه المواقع، بما في ذلك مقابر واسعة.

وهنا يصبح الأمر متعلقًا بالذاكرة نفسها. عندما يفقد مجتمع مسجد الحي، يمكن أن يفقد مكان عبادته.

وعندما يفقد المقبرة التاريخية، يمكن أن يفقد أيضًا الدليل المادي على أن أجداده عاشوا في هذا المكان.

اللغة الأويغورية.. الوعاء الآخر للهوية

لا يمكن الحديث عن الإسلام لدى الأويغور بمعزل عن لغتهم.

الأويغورية لغة تركية تُكتب اليوم أساسًا بأبجدية مشتقة من العربية، وتحمل داخل مفرداتها قدرًا كبيرًا من الإرث الإسلامي.

ومع تعزيز التعليم باللغة الصينية المندرينية وتراجع مساحة الأويغورية في بعض مجالات التعليم والحياة الرسمية، يخشى ناشطون وباحثون من أن يؤدي ذلك إلى إضعاف حلقة أخرى من حلقات انتقال الهوية.

فاللغة بالنسبة للأويغور ليست مجرد وسيلة للتواصل. من خلالها تنتقل القصص والأمثال والأشعار والمفردات الدينية وأسماء الأطعمة والمناسبات والذاكرة الأسرية. وعندما يضعف انتقال اللغة، يضعف معها جزء من الذاكرة الإسلامية المحلية، حتى لو بقي الانتماء إلى الإسلام في ذاته.

ماذا حدث للأئمة والعلماء؟

كانت طبقة الأئمة والعلماء حلقة مركزية في نقل المعرفة الدينية. لكن النظام الحالي يجعل النشاط الديني الرسمي مرتبطًا بمؤسسات معترف بها من الدولة، وبأئمة يخضعون للاعتماد والإدارة الرسمية.

وهذه ليست ظاهرة جديدة بالكامل؛ فقد وثقت هيومن رايتس ووتش منذ مطلع الألفية التدريب السياسي للأئمة والتفتيش المنتظم على المساجد ومراقبة الخطب. لكن حملة الاعتقالات الواسعة منذ 2017م (1438هـ) زادت المخاوف المتعلقة برجال الدين والمثقفين وحملة المعرفة التقليدية.

وهذا له أثر طويل المدى. فقد يبقى المصحف، لكن يقل من يستطيع تدريسه. وقد يبقى المسجد، لكن تتغير وظيفة الإمام. وقد تبقى الصلاة، لكن تنقطع حلقات التعليم التي كانت تنقل تفاصيل الدين من جيل إلى آخر.

الأسرة تحت الضغط

image 61

ربما يكون المنزل هو آخر حصون الهوية وأكثرها صعوبة في الرصد. فحتى عندما تختفي المظاهر الدينية من الشارع، تستطيع الأسرة نظريًا الاحتفاظ بذاكرتها داخل البيت: الطعام الحلال، الدعاء، أسماء الأجداد، القصص، رمضان، العيد، الزواج والدفن.

لكن سياسات الاحتجاز وانفصال الأطفال عن آبائهم والتعليم الداخلي ومؤسسات الرعاية الحكومية أثرت في هذا المجال أيضًا.

وتشير تقارير حقوقية حديثة إلى أن فصل الأطفال عن أسرهم وتعليمهم بعيدًا عن البيئة الأسرية التقليدية يمثل أحد مصادر القلق بشأن انتقال الهوية الأويغورية. كما يضع تقرير «مؤشر انتهاكات حقوق الإنسان في تركستان الشرقية 2025» القيود على الدين وحقوق الأطفال والمراقبة الرقمية ضمن أبرز الانتهاكات التي وثقها خلال العام.

ولهذا فإن المعركة على الهوية لا تدور فقط في المسجد. إنها تدور حول من يربي الطفل، وبأي لغة، وأي تاريخ يتعلمه، ومن يخبره من كان أجداده.

تركستان الشرقية والصراع مع الصين والإبادة العرقية

هل اختفى الإسلام إذن؟

في الواقع، ما يزال الأويغور شعبًا ذا هوية إسلامية راسخة، وما تزال مساجد قائمة، وما يزال مسلمون يؤدون شعائر ضمن المساحات المسموح بها، وما تزال أسماء وعادات وذاكرة إسلامية حاضرة.

لكن الأدلة التي جمعتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان تظهر أن المساحة التي يستطيع فيها الأويغور ممارسة الإسلام بصورة مستقلة تقلصت بشدة، وأن عناصر أساسية من البنية التي كانت تنقل الهوية الإسلامية تعرضت للتفكيك أو إعادة التشكيل.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: بقاء الإسلام كهوية، وبقاء المؤسسات التي تنقل الإسلام. الأول ما يزال قويًا، رغم محاولات محوه، خصوصًا في الذاكرة الجماعية للأويغور وفي الشتات. أما الثاني، فقد تعرض لضربات عميقة.

الشتات.. حين انتقلت الذاكرة إلى الخارج

في إسطنبول وكازاخستان وقرغيزستان وأوروبا وأمريكا وأستراليا، تعيش اليوم جاليات أويغورية أصبحت تحمل جزءًا متزايدًا من مسؤولية الحفاظ على الدين واللغة.

توجد مدارس أويغورية، ومراكز ثقافية، ومساجد، ومؤسسات تحفظ الكتب والتراث والتاريخ الشفهي.

وبالنسبة إلى أطفال أويغور وُلدوا خارج موطن آبائهم، أصبحت هذه المؤسسات وسيلة لتعلم لغة ربما لا يستطيع أقاربهم داخل المنطقة تعليمها بحرية بالقدر نفسه، والتعرف إلى تاريخ ديني وثقافي يخشى آباؤهم ضياعه.

لكن الشتات يواجه مفارقة مؤلمة أيضًا. فكلما ازدادت قدرته على الحفاظ على الهوية في الخارج، ازدادت المسافة بينه وبين المجتمع الموجود داخل تركستان الشرقية.

وتحدثت منظمات حقوقية عن «قمع عابر للحدود»، يشمل ضغوطًا وتهديدات مرتبطة بأقارب أفراد الشتات الموجودين داخل الصين، ما يزيد صعوبة التواصل بين العائلات.

الهوية التي انتقلت من العلن إلى الذاكرة

بعد سنوات من الحملات، يمكن رؤية تحول عميق في شكل الهوية الإسلامية للأويغور. كانت الهوية في السابق ظاهرة في المكان:

المئذنة، المسجد، السوق، المقبرة، المدرسة، اللباس، الاسم، رمضان، وصوت القرآن.

أما اليوم، فقد أصبح جزء متزايد منها يعيش في مساحة أقل وضوحًا:

داخل ذاكرة الأسرة، وفي اللغة، وفي قصص الأجداد، وفي مجتمعات الشتات، وفي محاولة الحفاظ على ما يمكن نقله إلى الجيل التالي.

وهذا ربما يكون أهم جواب عن سؤال: ماذا بقي؟

بقي الانتماء، وبقيت الذاكرة، وبقيت اللغة رغم الضغوط، وبقيت بعض المساجد والشعائر، وبقي شعب يرى الإسلام جزءًا من تعريفه التاريخي لنفسه. لكن كثيرًا من المؤسسات والفضاءات التي كانت تجعل هذا الانتماء قادرًا على إعادة إنتاج نفسه بصورة طبيعية من جيل إلى جيل تعرضت لتغيير جذري.

معركة الجيل القادم

قد يكون من السهل إعادة بناء مئذنة في المستقبل. وقد يكون من الممكن ترميم مسجد أو إعادة فتح مدرسة. لكن السؤال الأصعب هو ما إذا كان بالإمكان إعادة بناء سلسلة المعرفة إذا انقطعت.

فالطفل الذي لا يسمع القرآن من أبيه، ولا يدخل المسجد مع جده، ولا يتعلم لغته بصورة كاملة، ولا يعرف المقبرة التي دُفن فيها أجداده، قد يحتفظ باسمه الأويغوري وانتمائه إلى الإسلام، لكنه سيرث هوية مختلفة عن تلك التي ورثها أبوه.

ولهذا فإن أخطر ما يجري في تركستان الشرقية ليس فقط ما يمكن رؤيته في صور الأقمار الصناعية من مسجد اختفى أو مئذنة أزيلت. إنه ما لا تستطيع الأقمار الصناعية تصويره وهو المسافة التي تنشأ ببطء بين جيل وجيل.

فالمعركة على الهوية الإسلامية للأويغور لم تعد تتعلق فقط ببقاء المساجد، وإنما ببقاء القدرة على نقل معنى المسجد إلى الطفل؛ وليست فقط ببقاء المصحف، وإنما ببقاء من يستطيع أن يقرأه ويعلمه؛ وليست فقط ببقاء اسم مسلم في سجل الأسرة، وإنما ببقاء التاريخ الذي يجعل صاحبه يعرف لماذا حمل أجداده ذلك الاسم.

ومن هنا تبدو القضية أكبر من سؤال حرية العبادة وحدها.

إنها سؤال عن مستقبل شعب كامل: هل يستطيع الأويغور بعد عقود أخرى أن ينقلوا إلى أبنائهم الدين واللغة والذاكرة التي صنعتهم، أم سيبقى منها ما تسمح الدولة فقط بأن يبقى؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *