بعد نحو تسع سنوات من موجة النزوح الكبرى التي دفعت مئات الآلاف من مسلمي الروهينجا إلى الفرار من ميانمار عام 2017م، الموافق 1438هـ، لم تعد مخيمات اللجوء في جنوب شرقي بنغلاديش مجرد محطة مؤقتة لضحايا أزمة عابرة، بل تحولت إلى عالم كامل يعيش فيه أكثر من مليون إنسان، معظمهم بلا جنسية، وتعتمد حياتهم اليومية إلى حد كبير على المساعدات الإنسانية.
ويعيش معظم الروهينجا في منطقة كوكس بازار، حيث تمتد تجمعات ضخمة من الملاجئ فوق تلال متلاصقة، فيما يقيم عشرات الآلاف أيضًا في جزيرة باسان تشار. وبحسب بيانات الحكومة البنغلاديشية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد الروهينجا المسجلين في بنغلاديش نحو 1.2 مليون شخص حتى منتصف 2026م، بينهم أكثر من 1.16 مليون في كوكس بازار وحدها.
خلف هذه الأرقام، تدور حياة يومية شديدة التعقيد: أسر تحاول تأمين الطعام بما توفره قسائم المساعدات، وأطفال يتجهون إلى مراكز تعليم مؤقتة، ونساء ينتظرن ساعات للحصول على الخدمات، وشباب يرون سنوات عمرهم تمضي وسط قيود شديدة على فرص العمل والتعليم، فيما تبقى العودة إلى ميانمار بعيدة بسبب استمرار الصراع وانعدام الظروف التي تسمح بعودة آمنة ومستدامة.
مدينة من الخيزران والبلاستيك

في كوكس بازار، لا تشبه المخيمات مدنًا تقليدية. آلاف الملاجئ الصغيرة، المصنوعة أساسًا من الخيزران والصفائح والمواد الخفيفة، متلاصقة على سفوح التلال، تفصل بينها ممرات ضيقة وطرق غير ممهدة في كثير من المناطق.
هذا الاكتظاظ لا يمثل مشكلة معيشية فقط، بل يجعل كل كارثة أكثر خطورة. ففي موسم الأمطار تتحول التلال إلى مناطق معرضة للانهيارات، وتصبح الممرات زلقة وصعبة العبور، فيما يمكن لحريق صغير أن ينتقل بسرعة بين الملاجئ المتقاربة.
وفي يوليو/تموز 2026 (صفر 1448هـ) قُتل ثمانية من لاجئي الروهينجا، بينهم نساء وأطفال، بعد أن تسببت الأمطار الموسمية الغزيرة في انهيارات أرضية داخل عدد من مخيمات كوكس بازار. وأشارت التقارير إلى أن الملاجئ المشيدة على منحدرات مجردة من الأشجار كانت شديدة الهشاشة أمام الأمطار، فيما نقلت السلطات نحو ألف لاجئ من المناطق الأكثر عرضة للخطر.
أما الحرائق، فهي تهديد آخر متكرر. وقد أظهرت كوارث سابقة مدى هشاشة المخيمات؛ ففي حريق كبير بمخيم بالوخالي عام 1444هـ (2023م) دُمرت أكثر من 3 آلاف مأوى وتشرد نحو 16 ألف شخص، إضافة إلى تضرر مرافق صحية وتعليمية وشبكات للمياه والصرف الصحي.
الطعام.. حساب كل وجبة

يظل الطعام أحد أكثر تفاصيل الحياة اليومية حساسية داخل المخيمات، لأن معظم اللاجئين لا يملكون مصدر دخل ثابتًا يسمح لهم بشراء احتياجاتهم بصورة مستقلة.
يقدم برنامج الأغذية العالمي المساعدات أساسًا من خلال قسائم إلكترونية يمكن استخدامها لشراء المواد الغذائية من المتاجر المخصصة داخل المخيمات. لكن أزمة التمويل الدولية أجبرت البرنامج في 2026 (1447هـ) على التحول إلى نظام يحدد قيمة المساعدة بحسب مستوى حاجة الأسرة.
فالعائلات المصنفة ضمن الأكثر معاناة من انعدام الأمن الغذائي تحصل على 12 دولارًا للفرد شهريًا في كوكس بازار، فيما تحصل فئات أخرى على 10 أو 7 دولارات للفرد بحسب تقييم وضعها الغذائي. ويقول برنامج الأغذية العالمي إن جميع أسر الروهينجا تعاني بدرجات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي.
وهذا يعني عمليًا أن الأسرة مضطرة إلى توزيع مبلغ محدود للغاية على طعام شهر كامل، ما يجعل الأرز والعدس والزيت والخضراوات والمواد الأساسية في قلب الحساب اليومي، ويحد من القدرة على شراء غذاء أكثر تنوعًا، خصوصًا للأسر الكبيرة.
وكان برنامج الأغذية العالمي قد حذر في مطلع 2026م (1447هـ) من عجز تمويلي يصل إلى 147 مليون دولار في برامج الغذاء والتغذية المخصصة للروهينجا، في وقت بلغ عدد المستفيدين نحو 1.2 مليون شخص، بينهم عشرات الآلاف من الوافدين الجدد من ميانمار خلال عامي 2024 و2025م. (1445 و1446هـ.)
أطفال المخيمات.. جيل وُلد في اللجوء

من أكثر جوانب الأزمة قسوة أن عددًا كبيرًا من أطفال الروهينجا لا يعرفون حياة خارج المخيم.
أكثر من نصف السكان من الأطفال، وبحلول مطلع 2026 (1447هـ) قدّرت اليونيسف أن أكثر من 235 ألف طفل من الروهينجا بين الخامسة والسابعة عشرة كانوا خارج المدرسة. وتقول المنظمة إن غياب التعليم يزيد خطر عمالة الأطفال والزواج المبكر والاتجار والاستغلال.
وتوجد داخل المخيمات مراكز تعليم تديرها وكالات دولية وشركاؤها، كما يجري استخدام مناهج مرتبطة بالمنهج الميانماري في محاولة للحفاظ على إمكانية عودة الأطفال إلى نظام التعليم في وطنهم مستقبلًا.
لكن البنية التعليمية نفسها تعاني من أزمة. ففي منتصف 2026م (1448هـ) قالت اليونيسف إن تقييمًا شمل 2,051 منشأة تعليمية كشف عن احتياجات واسعة للصيانة وإعادة البناء؛ وكان 286 مركزًا بحاجة إلى إعادة بناء كاملة بسبب الانهيار أو انعدام السلامة الهيكلية، فيما بقيت مئات المنشآت الأخرى من دون تمويل كافٍ للإصلاح.
وتزداد المشكلة حدة لدى المراهقين والشباب، إذ إن فرص التعليم الثانوي والجامعي والتدريب المهني محدودة مقارنة بحجم السكان، ما يجعل سنوات اللجوء الطويلة تتحول بالنسبة لكثيرين إلى سنوات انتظار بلا مسار واضح للمستقبل.
المرض ينتشر أسرع في الأماكن المكتظة
الاكتظاظ السكاني، وسوء ظروف المأوى، ومحدودية المياه والصرف الصحي، وسوء التغذية، كلها عوامل تجعل المخيمات بيئة شديدة الحساسية أمام تفشي الأمراض.
وخلال 2026 (1447هـ) واجهت بنغلاديش موجة واسعة من الحصبة امتدت إلى مخيمات الروهينجا. وبحلول منتصف مايو/أيار، كانت منظمة الصحة العالمية قد سجلت 60 إصابة مؤكدة مخبريًا بالحصبة داخل المخيمات، مع خمس وفيات مرتبطة بها، ما دفع السلطات والمنظمات الدولية إلى تنفيذ حملة تطعيم واسعة شملت أكثر من 166 ألف طفل من الروهينجا دون الخامسة.
كما أظهرت بيانات اليونيسف أن نحو 169,700 طفل دون الخامسة خضعوا للفحص للكشف عن الهزال خلال النصف الأول من 2026م (1447هـ)، وتلقى نحو 6,800 طفل يعانون سوء تغذية حادًا وخيمًا العلاج المنقذ للحياة.
وتشمل التحديات الصحية أيضًا أمراض الجلد والجرب، والتهابات الجهاز التنفسي والإسهال، إضافة إلى الحاجة المستمرة لخدمات الأمومة والصحة النفسية ورعاية أصحاب الأمراض المزمنة.
لكن المشكلة الأشد خطورة الآن هي التمويل. فقد حذرت منظمة الصحة العالمية من أن نقص التمويل قد يؤدي اعتبارًا من خريف 2026 (1448هـ) إلى تعطيل الخدمات في 13 مركزًا للرعاية الصحية الأولية ومستشفى ميداني وأربع نقاط صحية، ما قد يؤثر على الوصول إلى الرعاية لنحو 400 ألف شخص.
الخوف لا ينتهي بانتهاء رحلة الهروب
إذا كان الروهينجا قد فروا إلى بنغلاديش هربًا من العنف في ميانمار، فإن المخيمات نفسها لم تبق بعيدة عن العنف والجريمة.
خلال السنوات الأخيرة ظهرت داخل المخيمات جماعات مسلحة وشبكات تهريب وعصابات، ووقعت عمليات قتل وخطف وابتزاز وصراعات بين مجموعات مختلفة.
وفي سبتمبر/أيلول 2026م (ربيع الأول وربيع الثاني 1448هـ.) أفادت بيانات شرطة الكتيبة المسلحة البنغلاديشية بأن المخيمات سجلت منذ عام 2021م (1443هـ) نحو 787 حادثة اختطاف شملت 935 ضحية، فيما لم يُفتح سوى 99 ملفًا قضائيًا بشأنها. وفي يوليو/تموز وحده خُطف طفل في الخامسة من عمره من مخيم 11، وطالب الخاطفون بفدية قبل إطلاقه بعد دفع جزء منها، وفق مصادر نقلتها صحيفة «ديلي ستار».
وتقول الصحيفة إن إطلاق النار عاد ليسمع في بعض المخيمات خلال الأسابيع الأخيرة بعد فترة من الهدوء النسبي، فيما تحدث سكان عن خوف متزايد من الخروج ليلًا.
ويتحول الأمن بذلك إلى جزء من الحياة اليومية: الأسرة لا تفكر فقط في الطعام والتعليم، وإنما في سلامة أطفالها ومن يتحرك ليلًا ومن يسيطر على بعض المناطق، وسط واقع يصعب فيه فرض النظام داخل تجمعات بشرية ضخمة ومكتظة.
الشباب بين البطالة والفراغ
من أكثر الفئات التي تدفع ثمن طول الأزمة الشباب الذين وصلوا أطفالًا إلى بنغلاديش وأصبحوا اليوم في العشرينات من أعمارهم.
فرص العمل النظامي داخل المخيمات محدودة جدًا، كما تعتمد غالبية فرص الكسب المتاحة على برامج المنظمات الإنسانية والأعمال التطوعية أو المؤقتة.
وتوفر بعض الوكالات فرصًا صغيرة مدفوعة مقابل أعمال مثل إصلاح الطرق والممرات وتثبيت المنحدرات وصيانة المرافق، لكن تخفيض التمويل الإنساني أدى إلى تقليص هذه البرامج بصورة كبيرة. وقالت المفوضية إن بعض المشروعات التي كانت تشغّل بين 30 و40 لاجئًا أصبحت قادرة على تشغيل سبعة أو ثمانية فقط.
وغياب العمل لا يعني فقدان الدخل فحسب، بل ينتج أيضًا شعورًا عميقًا بالعجز، خصوصًا لدى الشباب الذين لا يستطيعون بناء حياة مستقلة أو التخطيط للزواج أو الدراسة أو المهنة.
النساء.. عبء الحياة اليومية ومخاطر إضافية
تتحمل النساء داخل المخيمات جانبًا كبيرًا من أعباء الأسرة: إعداد الطعام، وجلب المياه، ورعاية الأطفال والمرضى، ومتابعة المساعدات، في بيئة تفتقر إلى الخصوصية والمساحة.
وتحذر وكالات إنسانية باستمرار من ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال والاتجار بالبشر، خصوصًا مع ازدياد الفقر وانعدام الأمان.
المسلمون الروهينجا: تاريخ مثقل بالمجازر وحاضر يتكرر فيه الخذلان
الماء والصرف الصحي.. خدمة لا يلاحظها العالم إلا حين تتعطل

خلف كل مأوى في المخيم تقريبًا توجد شبكة معقدة من الآبار والخزانات والمراحيض وقنوات التصريف تديرها الجهات الإنسانية.
وفي مساحة يعيش فيها مئات الآلاف على مقربة شديدة من بعضهم، يمكن لأي خلل في مياه الشرب أو الصرف الصحي أن يتحول سريعًا إلى أزمة صحية.
ومع الأمطار الموسمية، تتلوث مصادر المياه أحيانًا أو تتضرر المرافق، بينما تزيد الفيضانات من خطر الأمراض المنقولة بالمياه. ولهذا تبقى حملات مكافحة الكوليرا والاستعداد للأوبئة جزءًا دائمًا من العمل الصحي داخل المخيمات.
تكمن إحدى أخطر التحولات في أن أزمة الروهينجا أصبحت أزمة «منسية» نسبيًا بعد مرور سنوات طويلة عليها، بينما تحولت أموال المانحين إلى أزمات أخرى حول العالم.
وفي 2026م (1447هـ) أطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها نداءً للحصول على 710.5 ملايين دولار لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية للروهينجا والمجتمعات البنغلاديشية المضيفة، وهو مبلغ أقل بنحو 26% من خطة العام السابق بسبب تقليص البرامج وتركيزها على المساعدات الأكثر إلحاحًا.
وهذا النقص لا يظهر في بند واحد؛ بل يمتد إلى الطعام والتعليم والصحة وإصلاح الملاجئ والصرف الصحي وبرامج الحماية وفرص العمل المؤقتة.
ومع كل تخفيض، تضطر الأسرة إلى تعويض ما فقدته بطريقة ما: تقليل الطعام، تأجيل العلاج، إخراج طفل من التعليم، البحث عن عمل غير رسمي، الاقتراض، أو المخاطرة بالسفر خارج المخيم.
مخيمات مؤقتة أصبحت حياة كاملة
كانت المخيمات عند إنشائها جزءًا من استجابة طارئة لنزوح جماعي، لكن الأطفال الذين وُلدوا عام 2017م (1438هـ) أصبحوا اليوم في سن المدرسة، والشباب الذين وصلوا مراهقين أصبحوا بالغين، وعائلات كاملة أمضت قرابة عقد من حياتها داخل مساحة كان يفترض أن تكون مؤقتة.
هذه هي المفارقة المركزية في حياة الروهينجا في بنغلاديش: كل شيء في المخيم مصمم ليكون مؤقتًا، لكن الزمن نفسه أصبح طويلًا.
المأوى مؤقت، والتعليم محدود، والعمل غير مستقر، والمساعدات تعتمد على المانحين، والعودة إلى الوطن مؤجلة إلى موعد لا يعرفه أحد.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن العودة الجماعية إلى ميانمار قريبة. فما تزال ولاية راخين تعاني من الصراع، فيما تؤكد المفوضية أن الظروف اللازمة لعودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة لم تتوافر بعد.
بين البقاء والعودة
بالنسبة لكثير من الروهينجا، لا تمثل بنغلاديش وطنًا بديلًا بقدر ما تمثل مكان نجاة. فقد منحتهم الهروب من القتل والاضطهاد، لكن حياتهم فيها لا تزال محكومة باللجوء.
ومع مرور السنوات، يتغير السؤال الذي يواجه العائلات.
لم يعد فقط: متى نستطيع العودة؟ بل أصبح أيضًا: ماذا سيحدث لأطفالنا إن لم نعد؟
وما مستقبل جيل يولد بلا جنسية، ويتعلم داخل مخيم، ويعيش على المساعدات، ويكبر وهو يسمع عن وطن لم يره إلا في روايات والديه؟
لهذا لا تختصر أزمة الروهينجا اليوم في صفوف اللاجئين أو أكياس الغذاء. إنها أزمة جيل كامل يعيش بين وطن حُرم منه، ومخيم لم يكن من المفترض أن يصبح وطنًا، وعالم تتراجع فيه المساعدات كلما طال عمر القضية.





اترك تعليقاً