عادت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، إلى واجهة الحرب السودانية مع تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة التابعة لقوات الدعم السريع، رغم التقدم الذي أحرزه الجيش السوداني خلال الأسابيع الماضية وفكّه جزئيًا الحصار الذي طوق المدينة لفترة طويلة.
وبحسب تقرير ميداني نشره موقع «ميدل إيست آي» في 9 سبتمبر 2026، كان سكان الأبيض قد بدأوا يشعرون بقدر من التحسن بعد استعادة الجيش مناطق وطرقًا مهمة في شمال كردفان، بالتزامن مع موسم الأمطار وتحسن وصول بعض المواد الأساسية، قبل أن تعيد هجمات الدعم السريع بالطائرات المسيّرة المخاوف إلى المدينة.
ورصد مراسل الموقع في 12 أغسطس إسقاط الدفاعات الجوية التابعة للجيش ما لا يقل عن أربع طائرات مسيّرة فوق المدينة، وسط الشوارع والأسواق، فيما أصيبت شابة بشظايا إحدى المسيّرات بعد سقوطها ونُقلت إلى المستشفى. وجاء الهجوم بعد خسائر تعرضت لها قوات الدعم السريع في مدينة بارا، الواقعة على بعد نحو 60 كيلومترًا شمال الأبيض، ومناطق أخرى محيطة بها.
ولا تعد هجمات المسيّرات جديدة على الأبيض؛ إذ شهدت المدينة خلال السنوات الثلاث الماضية استهداف منشآت للكهرباء والوقود ومستشفيات وأسواق ومنازل، ولا تزال آثار القصف ظاهرة في عدد من أحيائها. ومع ذلك، استمرت الأسواق والمدارس والجامعات وبعض مظاهر الحياة اليومية في العمل وسط الوضع الأمني المضطرب.
لماذا أصبحت الأبيض بهذه الأهمية؟
تكتسب الأبيض أهمية عسكرية واستراتيجية كبيرة باعتبارها أكبر وأبرز مدينة في غرب السودان لا تزال خاضعة لسيطرة الجيش السوداني، كما أصبحت إحدى أهم نقاط التماس بين قواته وقوات الدعم السريع التي تسيطر على معظم دارفور غرب البلاد.
وترتبط المدينة حاليًا بالخرطوم عبر طريق يمر بولاية النيل الأبيض، بينما يسعى الجيش إلى تأمين «طريق الصادرات»، وهو الطريق التقليدي والاستراتيجي الذي يربط كردفان بالعاصمة وكان قبل الحرب شريانًا لنقل منتجات الإقليم، وعلى رأسها الصمغ العربي.
وحقق الجيش تحولًا مهمًا على هذه الجبهة عندما استعاد بارا ومناطق أخرى على امتداد الطريق في يوليو، ما أدى إلى تخفيف الضغط عن الأبيض وفتح مسارات أفضل لإيصال الإمدادات.
وأكد مصدر عسكري لـ«ميدل إيست آي» أن السيطرة على بارا أتاحت للجيش الاستيلاء على أسلحة ومركبات عسكرية وفتح الطريق أمام مزيد من الإمدادات إلى الأبيض. وأشار إلى أن القوات الحكومية تسعى بعد تثبيت مواقعها في شمال كردفان إلى التقدم غربًا باتجاه مناطق مثل النهود والمزروب والخوي وبابنوسة، بما قد يفتح في حال نجاحه طريقًا أوسع نحو دارفور.
تقدم جديد للجيش غرب وشمال الأبيض
ومن أحدث التطورات الميدانية، أعلنت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها في 6 سبتمبر السيطرة على بلدة حمرة الوز في شمال كردفان بعد طرد قوات الدعم السريع منها.
وتقع المنطقة ضمن شبكة الطرق التي تستخدمها القوات المتحاربة للتحرك بين غرب شمال كردفان ومحاور بارا وجبرة الشيخ، وقالت مصادر عسكرية إن السيطرة عليها توسع الحزام الدفاعي حول مواقع الجيش وتساعد على تأمين حركة المدنيين والإمدادات على الطرق المؤدية إلى الأبيض. كما تحدثت مصادر عن تحشيد للجيش استعدادًا للتقدم باتجاه سودري ومواقع أخرى تسيطر عليها قوات الدعم السريع غرب الولاية.
لكن التقدم البري للجيش لم يؤد إلى وقف قدرة الدعم السريع على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، وهو ما جعل المسيّرات أداة رئيسية لتعويض خسارة بعض المواقع البرية.
ضربة على محكمة أم روابة تقتل 13 مدنيًا
وجاء أحد أخطر التطورات الأخيرة، الثلاثاء 8 سبتمبر، عندما تعرض مقر قضائي في مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان لهجوم بطائرة مسيّرة نُسب إلى قوات الدعم السريع.
وأفادت شبكة أطباء السودان ومجموعة «محامو الطوارئ» بمقتل 13 شخصًا وإصابة 22 آخرين، بعدما أصابت المسيّرة محيط المحكمة في وقت كانت المنطقة مكتظة بالمدنيين الذين يراجعون المؤسسة لإنجاز معاملات قضائية وإدارية.
ولم تعلن قوات الدعم السريع مسؤوليتها عن الضربة في التقارير المتاحة، ولذلك فإن الأدق نسب المسؤولية إلى الجهات الطبية والحقوقية والشهود الذين اتهموها بتنفيذ الهجوم.
وأصبحت شمال كردفان واحدة من أكثر مناطق السودان تعرضًا لهجمات الطائرات المسيّرة؛ إذ أشار تقرير محلي يستند إلى بيانات أممية إلى تسجيل ما لا يقل عن 141 هجومًا بالمسيّرات في الولاية حتى 8 يوليو 2026.
المدنيون بين النزوح والبقاء

ورغم الخطر المتواصل، يرفض بعض سكان الأبيض مغادرة المدينة. وينقل التقرير الميداني عن سكان قولهم إنهم تأقلموا مع هجمات المسيّرات، فيما يرى بعضهم أن النزوح قد لا يوفر لهم مكانًا أكثر أمنًا في ظل انتشار القتال في أنحاء كردفان ودارفور.
وفي المقابل، فر مئات الآلاف من مناطق مختلفة في الإقليم، بينما تحولت الأبيض نفسها إلى وجهة لنازحين من بلدات وقرى كردفان ودارفور، وانتشرت مخيمات النزوح في محيطها.
وفي أغسطس وحده أدت هجمات على قرى جنوب غربي الأبيض إلى موجات نزوح جديدة. وقالت مصادر محلية إن أكثر من ألف شخص من 215 أسرة وصلوا إلى المدينة سيرًا على الأقدام بعد هجمات على قريتي أم دريسة والشقلة، فيما كانت مخيمات المدينة تعاني أصلًا ضغطًا كبيرًا على الغذاء والخدمات.
جبهة جديدة في النيل الأزرق
ولا تقتصر التحولات العسكرية على كردفان. ففي ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، حققت قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو تقدمًا خلال الأسابيع الأخيرة، وسيطرتا على الكرمك وقيسان ومواقع عسكرية قرب الحدود الإثيوبية.
ودفع ذلك الجيش السوداني إلى إرسال تعزيزات من القوات المشتركة والحركات المسلحة المتحالفة معه إلى الدمازين، عاصمة الولاية، وسط معارك على المحاور المؤدية إليها.
وقال قيادي في الحركة الشعبية المتحالفة مع الدعم السريع إن السيطرة على الكرمك وقيسان وقاعدتي باكوري وسركم قرب الحدود منحت التحالف قدرة أكبر على الضغط باتجاه الدمازين، بينما أعلنت القوات الحكومية أنها صدت عددًا من الهجمات. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع ادعاءات الطرفين بشأن السيطرة والخسائر.
ويشير ذلك إلى أن الحرب لم تعد مركزة في دارفور وكردفان فحسب، بل تمتد الآن على قوس واسع من الحدود الإثيوبية في النيل الأزرق شرقًا إلى دارفور غربًا.
أزمة صحية تتفاقم بالتزامن مع القتال
وفي أحدث التطورات الإنسانية، حذرت منظمات إغاثة في 9 سبتمبر من أن خفض التمويل الدولي أجبر عشرات المرافق الصحية في السودان على الإغلاق.
وبحسب أسوشيتد برس، من المقرر إغلاق أو تعليق خدمات 36 عيادة صحية، ما يهدد بحرمان أكثر من 473 ألف شخص من الرعاية، فيما تشير تقديرات المنظمات الإنسانية إلى أن نحو 80% من المرافق الطبية في مناطق القتال أصبحت خارج الخدمة أو تعمل بقدرات محدودة للغاية.
ويتزامن انهيار الخدمات مع انتشار الملاريا والكوليرا والحصبة ونزوح ملايين السودانيين. وتشير تقديرات دولية حديثة إلى أن الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 أدت إلى نزوح نحو 13 مليون شخص، بينما تجاوز عدد القتلى الموثقين عشرات الآلاف، مع اعتقاد المنظمات الإنسانية بأن العدد الحقيقي أعلى بكثير.
وفي جنوب كردفان أيضًا، أفادت شبكة أطباء السودان مؤخرًا بمقتل ما لا يقل عن 21 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، خلال مواجهات بين الحركة الشعبية–شمال ومجموعة محلية من قبيلة الأوتورو في منطقة كاودا، في مؤشر إضافي على تشعب الصراعات المسلحة والمحلية داخل الإقليم.
كردفان.. المعركة التي قد تحدد المرحلة المقبلة

تظهر خريطة العمليات الحالية أن إقليم كردفان أصبح إحدى أهم ساحات الحرب السودانية. فالجيش يسعى إلى توسيع تقدمه غربًا بعد تأمين أجزاء من طريق الصادرات، وصولًا إلى غرب كردفان ثم حدود دارفور، بينما تحاول قوات الدعم السريع منع خسارة هذا الممر والإبقاء على الأبيض تحت ضغط عسكري مستمر.
ويرى خبير عسكري تحدث إلى «ميدل إيست آي» أن الطرفين يتعاملان مع كردفان باعتبارها ساحة حاسمة: الجيش يريد التقدم عبر الإقليم ليقترب من معاقل الدعم السريع في دارفور ومدينة نيالا، فيما تريد قوات الدعم السريع الاحتفاظ بقدرتها على تهديد الأبيض وحتى أم درمان. كما أن طرق كردفان حيوية لإمداد الطرفين بالمقاتلين والأسلحة.
وهكذا، فإن فك الحصار جزئيًا عن الأبيض لم يعنِ انتهاء الخطر على المدينة. فبينما تتغير خطوط السيطرة على الأرض لمصلحة الجيش في أجزاء من شمال كردفان، تواصل قوات الدعم السريع استخدام المسيّرات لضرب مدن ومنشآت تقع خلف خطوط القتال، في وقت تتسع فيه الحرب بالتوازي نحو النيل الأزرق وتزداد الأزمة الإنسانية عمقًا.
وحتى صباح الخميس 10 سبتمبر 2026، لا تظهر مؤشرات على قرب توقف المواجهات، بل تبدو كردفان، وخاصة محيط الأبيض وطرق الإمداد الممتدة غربًا نحو دارفور، مرشحة للبقاء مركز الثقل العسكري الأبرز في المرحلة المقبلة.





اترك تعليقاً