دخل التصعيد المتسارع بين السعودية وجماعة الحوثي في اليمن مرحلة جديدة، مع ظهور احتمالات لتوسّع المواجهة إقليميًا ودخول باكستان على خط الأزمة، بالتزامن مع استمرار الغارات والهجمات الصاروخية واتساع المعارك البرية باتجاه الساحل الغربي وباب المندب.
ونقلت صحيفة «Türkiye Today» عن مصادر باكستانية، الأربعاء، أن إسلام آباد تدرس إمكانية تقديم دعم عسكري للسعودية ضد الحوثيين، وذهبت الصحيفة إلى القول إن تنفيذ ضربات جوية باكستانية ضد مواقع داخل اليمن بات احتمالًا مطروحًا في حال طلبت الرياض ذلك، مشيرة إلى أن أحد الأهداف المحتملة قد يكون محافظة صعدة، المعقل التاريخي للجماعة شمالي البلاد.
إلا أن معلومات نشرتها رويترز لاحقًا قدّمت صورة أكثر تحفظًا بشأن طبيعة التدخل الباكستاني المحتمل. ونقلت الوكالة عن مصدر باكستاني أن مسؤولين سعوديين اجتمعوا بممثلين عسكريين كبار من باكستان وتركيا في الرياض لتنسيق الموقف، وأن الدول الثلاث اتفقت على عدم إدخال قواتها إلى اليمن. كما أكد مصدر باكستاني ثانٍ أنه لم يُتخذ حتى الآن قرار بالمشاركة في الضربات الانتقامية، وأن اتفاق الدفاع مع السعودية ذو طبيعة دفاعية.
وبحسب المصدر نفسه، يمكن للقوات الباكستانية تقديم دعم عسكري أو تقني أو بري أو جوي داخل الأراضي السعودية، لكنها لن تشارك في عمليات قتالية على أراضٍ أجنبية، ما يعني أن الحديث عن تنفيذ إسلام آباد غارات مباشرة داخل اليمن لا يزال غير مؤكد رسميًا.

وجاءت هذه التطورات بعد تصريحات علنية لوزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، قال فيها إن الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية يمكن أن تؤدي إلى تفعيل اتفاق مكة المشترك الذي وقعته السعودية وباكستان وتركيا في أغسطس الماضي.
وقال آصف إن وقوع «عدوان غير مبرر» أو امتداد الحرب في اليمن إلى داخل الأراضي السعودية سيجعل الاتفاق «قيد التنفيذ»، مؤكدًا أن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعًا، وأن إسلام آباد ملتزمة ببنود الاتفاق.
وفي تحرك دبلوماسي موازٍ، كشفت رويترز أن باكستان نقلت إلى إيران رسالة سعودية تطالب طهران باستخدام نفوذها لكبح هجمات الحوثيين على المملكة. وأكد مسؤول إيراني كبير وصول الرسالة، لكنه قال إن رد طهران كان أن «إيران لا تسيطر على الحوثيين». وفي المقابل، نقلت الوكالة عن مصدرين إيرانيين قولهما إن طهران كانت قد شجعت الحوثيين الأسبوع الماضي على مهاجمة السعودية ووعدتهم بمزيد من التمويل والأسلحة، وهي معلومات لم تعلنها إيران رسميًا.
وتأتي التحركات الباكستانية عقب واحدة من أعنف موجات الهجمات الحوثية على السعودية خلال الفترة الأخيرة، إذ أعلنت الجماعة استهداف قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط ومنشآت نفطية ومواقع أخرى في جنوب المملكة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وقال التحالف الذي تقوده السعودية إن الهجمات أسفرت عن إصابة 73 شخصًا.
وفي المقابل، شهد اليمن موجة واسعة من الغارات الجوية. وقال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إن 54 غارة استهدفت خلال 12 ساعة محافظات عدة، بينها الجوف ومأرب وتعز والحديدة وصعدة والبيضاء. ولم تؤكد السعودية بصورة مستقلة العدد الذي أعلنته الجماعة.
وجاء التصعيد بعد الضربة الجوية التي استهدفت، الاثنين 7 سبتمبر، سجنًا في مدينة الحزم بمحافظة الجوف الخاضعة للحوثيين. وارتفعت حصيلة القتلى، وفق وكالة أسوشيتد برس، إلى ما لا يقل عن 23 شخصًا بينهم طفل، فيما كانت فرق الإنقاذ لا تزال تبحث عن سبعة مفقودين تحت الأنقاض.
واتهم الحوثيون السعودية بتنفيذ الضربة، وقال يحيى سريع إنها نُفذت بطائرة سعودية من طراز F-15SA انطلقت من قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط. كما قالت الجهات التابعة للحوثيين إنها عثرت على بقايا قنبلة أمريكية الصنع من طراز GBU-31 JDAM في الموقع. ولم ترد الحكومة السعودية على طلب أسوشيتد برس للتعليق على اتهامات الحوثيين بشأن الضربة.
المعارك تقترب من باب المندب
وميدانيًا، حمل صباح الخميس 10 سبتمبر تطورًا أكثر خطورة، إذ نقلت رويترز عن أربعة مصادر عسكرية في القوات الحكومية اليمنية أن الحوثيين يتقدمون باتجاه المخا وذُباب على ساحل البحر الأحمر، ويقتربون من توسيع سيطرتهم على مناطق مطلة مباشرة على مضيق باب المندب.
وقالت المصادر إن الجماعة تسعى للسيطرة على كامل الساحل اليمني للبحر الأحمر، وهو ما من شأنه منحها نفوذًا أكبر على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتزداد أهمية باب المندب في الوقت الراهن مع اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز نتيجة الحرب الأمريكية الإيرانية، ما يجعل أي تهديد جديد للممر اليمني ذا تداعيات مباشرة على صادرات الطاقة والتجارة العالمية.
وفي السعودية، أصدرت سلطات الدفاع المدني صباح الخميس إنذارًا جديدًا في خميس مشيط، هو الرابع خلال 24 ساعة بحسب رويترز، قبل أن تعلن لاحقًا زوال الخطر. وكان التحالف السعودي قد أعلن أن الحوثيين واصلوا، الأربعاء، مهاجمة منشآت وأهداف داخل المملكة لليوم الثاني على التوالي.
وبذلك يتجه الصراع اليمني، الذي بقيت جبهاته الرئيسية في حالة هدوء نسبي منذ هدنة 2022، نحو مرحلة شديدة الخطورة: معارك برية تتقدم نحو باب المندب، وهجمات متبادلة عبر الحدود، وغارات جوية متصاعدة، بالتوازي مع بحث السعودية وتركيا وباكستان آليات تفعيل اتفاقها الدفاعي الجديد.
ومع ذلك، لا يوجد حتى صباح 10 سبتمبر إعلان رسمي عن دخول باكستان الحرب أو تنفيذها ضربات داخل اليمن، بينما تشير أحدث المعلومات الموثوقة إلى أن إسلام آباد تحاول في الوقت نفسه استخدام قنواتها مع طهران لمنع التصعيد من الوصول إلى مرحلة تضطر فيها إلى التدخل العسكري المباشر إلى جانب السعودية.





اترك تعليقاً