وصل للأخبار | مقال رأي يعبر عن كاتبه وليس الموقع، بعنوان: إعلام “سايكس بيكو” وصناعة التفاهة الممنهجة
المقدمة
لا يعيش العقل العربي اليوم حالة “غيبوبة عابرة” أو قصورًا معرفيًا يمكن تداركه بجرعات وعظية، بل يتعرض لعملية “إبادة وجودية منظمة” تُدار بآلات إعلامية جهنمية تجاوزت في فجاجتها كل حدود الابتذال. إننا نقف أمام مشهد جنائزي بامتياز، يُحتفى فيه بجثة الوعي على أنغام “الترند”، وتُقام فيه مجالس العزاء للقيم الإنسانية برعاية رسمية وتمويل يسيل له لعاب العواصم التي قامت وظيفتها السياسية على حراسة التخلف.
يواجه المجتمع العربي منذ عقود تدفقًا إعلاميًا يكرس التفاهة، بدءًا من المسلسلات العربية والأجنبية ولا سيما التركية المدبلجة والمترجمة التي تهدم القيم الإسلامية وتساهم في تفكيك الأسرة، وصولًا إلى أعمال الأنمي الياباني الموجهة للأطفال، والتي تغرس في عقولهم مفاهيم تتعارض مع الهوية العربية والإسلامية.
ورغم الجهود التاريخية التي بذلتها قناة “سبيستون” لرقابة المحتوى، وحذف المشاهد المخالفة، وتعديل القصص لتناسب البيئة المحلية، فإن الانفتاح الرقمي المعاصر أتاح لهذا الجيل مشاهدة تلك الأعمال بنسخها الأصلية دون قيود. هذا التحول الرقمي دفع الكثيرين إلى مراجعة دور القناة، حيث يرى البعض أنها ساهمت- دون قصد- في تهيئة أجيال ارتبطت بهذه الثقافة الغريبة منذ الصغر، مما سهل انجذابها للمحتوى الأصلي لاحقًا.
تمييع الأخلاق وهدم المحرمات
تحت لافتات “التحرر” و”الحداثة”، يُمارس الإعلام العربي هتكًا مستمرًا للمنظومة القيمية. يجري تفكيك مفهوم الأسرة، وتمييع الفوارق الفطرية بين الجنسين، وتشريع السيولة الأخلاقية عبر مسلسلات وبرامج “واقعية” مدفوعة الأجر، تُصوّر الخيانة كـ”وجهة نظر”، والانحلال كـ”حرية شخصية”، والالتزام القيمي كـ”عقدة نفسية وظلامية”.
من سايكس بيكو الجغرافية إلى سايكس بيكو الإعلامية
اتفاقية سايكس بيكو ليست مجرد خطوط هندسية رُسمت بأقلام رصاص فرنسية وبريطانية على خارطة التراب العربي، بل هي عقيدة سياسية وبنية نفسية صُممت لتدوم. لقد ولدت كيانات ما بعد الاستعمار مشلولة وظيفيًا، محكومة بعقدة النقص، ومكلّفة بمهمة واحدة: منع قيام أي كتلة حضارية عربية إسلامية متماسكة بعقيدتها الربانية.
ومع تحول أدوات الصراع من الاستعمار العسكري المباشر (الجيوش والدبابات) إلى الاستعمار الناعم المتمثل في الغزو الثقافي والإعلامي، كان لا بد للأنظمة الوظيفية المنبثقة عن تلك الاتفاقية أن تطور أدوات حراستها. من هنا نبعت “سايكس بيكو الإعلامية”.
اقرأ أيضًا: الحرب الناعمة.. عندما تكون الكلمة والصورة أقوى من الرصاص
إن هذا الغثاء البصري والسمعي والرقمي الذي يتدفق في عروق الشعوب العربية عبر الإعلام والفضائيات ليس عشوائيًا، ولا هو وليد صدفة تكنولوجية أو نتاجًا بريئًا لـ”ذوق الجماهير”. إنه الهندسة العكسية للشعوب، محاولة دؤوبة لتفكيك كينونتها وسلخها من عمقها التاريخي، وتحويلها من كائن مستخلف في الأرض يحمل همًا ورسالة إلى مجرد وحدة استهلاكية بائسة، منزوعة الإرادة، ومسكونة بشهوات ومخاوف لا تتجاوز حدود الغريزة.
تأليه اللاشيء وصناعة المشاهير
صناعة نجومية زائفة لمؤثرين ومشاهير لا يملكون في كثير من الأحيان رصيدًا علميًا أو فكريًا حقيقيًا، مع تقديمهم بوصفهم قدوات للأجيال الجديدة على حساب العلماء والمفكرين والمصلحين.
وتتمثل الرسالة الضمنية التي يتلقاها الشباب في أن الشهرة السريعة والثروة يمكن تحقيقهما دون علم أو إنجاز حقيقي، مما يؤدي إلى اختلال منظومة القيم المرتبطة بالنجاح والعمل والمعرفة.
تخدير الغضب وصناعة التريند
تعيش المنطقة العربية أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، لكن الاهتمام الإعلامي كثيرًا ما يتجه نحو صراعات “المشاهير” وخلافات “الفنانين” وتريندات مواقع التواصل الاجتماعي.
يُقاد الوعي الجمعي من فضيحة إلى أخرى، ومن تفاهة إلى أختها، بحيث لا يملك العقل وقتًا ليفكر في كوارثه الوجودية، مع توجيه الإعلام لصناعة “ترند” تافه وانشغال الجماهير بالجدل الهابط. وهكذا يؤدي هذا النمط الإعلامي وظيفة “امتصاص الصدمات” عبر إشغال الرأي العام بموضوعات سطحية تحول دون التفكير في القضايا المصيرية المرتبطة بالحرية والعدالة والسيادة.
اقرأ أيضًا: كأس العالم.. كرة القدم أفيون الشعوب
التلازم العضوي بين الاستبداد والبذاءة الرقمية
إن ارتباط هذا الإفساد بأنظمة ما بعد “سايكس بيكو” ليس ارتباطًا عارضًا، بل هو شرط بقاء. فالعلاقة هنا تبادلية ونفعية بامتياز، الأنظمة تبحث عن “رعية” مغيبة لا تسأل عن الحقوق، ولا تحاسب على الثروات، ولا تعنيها الكرامة.
وفي المقابل، تضخ هذه الأنظمة ميزانيات مرعبة لتمويل القنوات التي تبث المحتوى الهابط، ومسابقات التفاهة، ومنصات المحتوى السطحي، لتضمن بقاء الجماهير في حالة “سُكر جماهيري مستدام” برعاية “الترند”.
إنهم يخافون الشاب القارئ الذي يبحث في أسباب تخلف أمته، لكنهم يبسطون السجاد الأحمر ويغدقون الأموال على من يسهم في تغييب وعيه وسلخه من وقاره الفكري والأخلاقي.
يأخذون من الغرب قشور انحلاله ليحشوا بها عقول شبابنا، ومن الشرق خنوعه ليثبتوا به عروشهم، والنتيجة هي مسخ مشوه: لا هو شرقي أصيل يحتفظ بقيمه وكرامته، ولا هو غربي حديث يمتلك أدوات القوة والعلم.
المال والإعلام وصناعة السيطرة الناعمة
هذا التوحش الإعلامي ليس عملًا تطوعيًا، بل صناعة موجهة تدعمها مليارات الدولارات المتدفقة من تحالفات ونخب مالية وسياسية وريثة لأنظمة “سايكس بيكو”. إنه تحالف عضوي يجمع بين “المال النفطي الفاسد”، و”الأجهزة الأمنية للأنظمة”، و”شبكات الترفيه العالمية”.
لذلك لا تخضع القنوات والمنصات الممولة بأموال سيادية عربية لمنطق الربح والخسارة التجاريين، فرغم خسائرها المادية الفادحة سنويًا، فإنها تحقق عوائد باهظة في ميزان السياسة وتثبيت التوجهات العامة للشعوب. إن الربح الحقيقي المستهدف هنا هو إبقاء الشعوب تحت السيطرة الفكرية التامة. إن مواجهة هذا الطوفان العبثي الممنهج لم تعد ترفًا نخبويًا، بل معركة مصيرية لحماية الهوية الإسلامية في منطقتنا.
نحو انتفاضة الوعي
إن الخطوة الأولى في مشروع التحرر العربي لا تبدأ من صناديق الاقتراع، ولا من جبهات القتال، بل تبدأ من “ثورة الوعي العصي على التدجين”.
إن ما يمارسه الإعلام العربي اليوم هو خيانة وجريمة مكتملة الأركان ضد الوعي والتاريخ. إنهم يحاولون إقناعنا بأن قدر هذه الأمة هو العيش على هامش التاريخ، مستهلكين للقمامة الفكرية التي تُلقى إلينا.
لكن الرهان يبقى على بقايا الوعي العصي على التدجين. إن مقاطعة هذا العبث، وتعرية القائمين عليه، وإعادة الاعتبار لقيمنا الأصيلة وعقولنا الحرة، هي الخطوة الأولى في طريق الاستعادة.
الخاتمة: استرداد العقل قبل استرداد الأرض
لقد أسقطت شعوبنا عروشًا في لحظات تاريخية فارقة، وعليها اليوم أن تسقط “عروش الوهم البصري” التي تبث السموم من غرف الأخبار والأستوديوهات الباذخة.
إن استرداد العقل العربي هو أول خطوة نحو استرداد الأرض، والكرامة، والتاريخ.
الجمعة 4 محرم 1448هـ
الموافق 19 حزيران/يونيو 2026م





اترك تعليقاً