لم يكن عبد الرزوق يتوقع أن تتحول رحلة فراره من الحرب في ميانمار بحثًا عن الأمان إلى مأساة جديدة داخل مخيمات اللاجئين في بنغلاديش. ففي خضم الأمطار الموسمية الغزيرة التي ضربت مخيمات الروهينجا في كوكس بازار، انزلق طين من أحد التلال نحو مأوى أسرته المصنوع من الخيزران، بينما كانت النساء والأطفال نائمين. وأسفرت الكارثة عن مقتل اثنتين من بناته واثنين من أحفاده.
تختصر مأساة الرزوق، بحسب تقرير Inter Press Service (IPS) للصحفي محمد زونيد، المفارقة القاسية التي يعيشها الروهينجا في بنغلاديش: أشخاص فروا من الاضطهاد والعنف في ميانمار بحثًا عن الحماية، ليجد بعضهم أنفسهم أمام مخاطر جديدة داخل مخيمات مكتظة ومقامة على منحدرات معرضة للانهيارات والفيضانات.
مخيمات مكتظة أمام موسم أمطار قاسٍ
تستضيف بنغلاديش نحو 1.2 مليون من الروهينجا والنازحين قسرًا من ميانمار، يعيش معظمهم في 33 مخيمًا شديد الاكتظاظ في منطقة كوكس بازار. وقد أقيمت هذه المخيمات أصلًا باعتبارها تجمعات طارئة، لكنها تحولت عمليًا إلى أماكن إقامة طويلة الأمد بعد سنوات من استمرار أزمة النزوح.
وتزداد هشاشة الوضع بسبب طبيعة المخيمات نفسها؛ إذ تنتشر مساكن مصنوعة من الخيزران والأغطية البلاستيكية على منحدرات شديدة الانحدار وفي مناطق بيئية هشة. ومع استمرار النزوح، أصبح الاكتظاظ، وضعف شبكات التصريف، وهشاشة المساكن، ونقص التمويل عوامل تزيد من آثار الكوارث الطبيعية.
وخلال الفترة بين 4 و9 يوليو/تموز 2026، سجلت المخيمات مئات الحوادث المرتبطة بالطقس، فيما تسببت الانهيارات الأرضية في نزوح آلاف اللاجئين وتضرر المساكن والطرق والجسور ودورات المياه ومرافق المياه ومراكز التعليم. وبحسب التقرير، قُتل 17 شخصًا على الأقل ونزح أكثر من 3 آلاف آخرين خلال انهيارات يوليو/تموز والحوادث المرتبطة بالطقس.
وحاولت السلطات البنغلاديشية نقل أكثر من ألف لاجئ بعيدًا عن المناطق شديدة الخطورة، إلا أن عملية الإجلاء واجهت مشكلة أساسية: محدودية البدائل الآمنة، فضلًا عن افتقار بعض مواقع النقل إلى المساكن والخدمات الأساسية.
موجات جديدة من الفرار
تعود جذور أزمة الروهينجا في بنغلاديش إلى موجات متعاقبة من الفرار من ميانمار. وبعد الحملة العسكرية الواسعة عام 2017، وصل أكثر من 700 ألف لاجئ إلى بنغلاديش، ما أدى إلى تشكل واحدة من أكبر تجمعات اللاجئين في العالم.
لكن المخيمات لم تتوقف عن استقبال الفارين. فمنذ تصاعد القتال في ميانمار، دخل نحو 152 ألفًا إلى 153,640 من الروهينجا إلى بنغلاديش، وفق اختلاف تاريخ الإحصاء وطريقة احتساب الأعداد. وتواجه هذه الفئة الجديدة وضعًا أكثر هشاشة، إذ لم يحصل كثير من الوافدين الجدد على مساكن رسمية، واضطر بعضهم إلى استئجار أماكن أو إقامة مساكن مؤقتة على منحدرات غير مستقرة.
وهكذا، يجد القادمون الجدد أنفسهم أمام مشكلة مزدوجة: الفرار من الصراع في ميانمار، ثم محاولة إيجاد مكان آمن داخل مخيمات تعاني أصلًا من محدودية الأرض والموارد.
رحلة هروب لا تنتهي عند الحدود
يسلط تقرير IPS الضوء على قصص عدد من الوافدين الجدد، بينهم أطفال وشباب فقدوا أفرادًا من أسرهم خلال الحرب أو بعد وصولهم إلى بنغلاديش.
ومن بينهم محمد كايس، البالغ 13 عامًا، الذي كان يدرس في بلدة بوثيدونغ شمال ولاية راخين عندما اشتد القتال بين الجيش الميانماري وجيش أراكان. أُغلقت المدارس، وشح الغذاء، وتراجعت الخدمات الطبية، قبل أن تضطر أسرته إلى الفرار عبر الغابات والقرى في رحلة استمرت سبعة أيام للوصول إلى الحدود البنغلاديشية.
وخلال الرحلة، قال كايس إن أفرادًا من جيش أراكان احتجزوا أسرته عدة أيام، ثم أُطلق سراحهم، قبل أن يُقتاد والده لاحقًا للاستجواب ولم يعد بعد ذلك.
وبعد الوصول إلى بنغلاديش، واجهت الأسرة مأساة أخرى؛ إذ توفيت والدته بعد أشهر من المرض بسبب ورم في المعدة، رغم محاولات الحصول على العلاج.
وبات كايس يساعد في رعاية إخوته الأصغر سنًا ويعيش مع جدته. ورغم حصول الأسرة على حصص غذائية، فإن فقدان والدته جعلها غير مؤهلة للحصول على أسطوانة غاز للطهي. ومع ذلك، ما يزال الطفل متمسكًا بحلمه في الدراسة والعمل مدرسًا مستقبلًا.
وتتكرر القصة لدى شباب آخرين. فـسوفوان، البالغ 17 عامًا، كان يحلم بالعمل لدى الأمم المتحدة، لكن القتال الذي وصل إلى قريته في بوثيدونغ أدى إلى إغلاق المدارس. وقال إن أصوات إطلاق النار كانت تُسمع بصورة شبه يومية، فيما اضطر رجال أسرته إلى الفرار خشية التجنيد القسري من جانب جيش أراكان.
ومع معاناة والدته المصابة بالسكري من صعوبة الحصول على الدواء، قررت الأسرة الفرار. وبعد محاولتين لإعادتها من الحدود البنغلاديشية، تمكنت من دخول البلاد في المحاولة الثالثة، ثم اجتمعت بأقارب لها داخل المخيمات.
لكن الوصول إلى بنغلاديش لم ينهِ معاناة الأسرة؛ إذ تضطر عدة أسر إلى تقاسم مأوى واحد مصنوع من الخيزران والأغطية البلاستيكية. يقول سوفوان إنه يشعر بالأمان أكثر هنا، لكنه يضيف أن الحياة لا تزال شديدة الصعوبة.
صراع مستمر داخل ميانمار
وتأتي هذه الموجات الجديدة من النزوح في ظل استمرار الصراع داخل ولاية راخين، حيث يسيطر جيش أراكان على معظم الولاية، بينما لا تزال مدينة سيتوي خارج سيطرته.
ويتهم ناجون وجماعات حقوقية جيش أراكان بارتكاب انتهاكات ضد الروهينجا، تشمل التجنيد القسري والقتل الجماعي والاعتقالات التعسفية وحرق القرى وهجمات بطائرات مسيرة على أشخاص تجمعوا قرب الحدود. وينفي جيش أراكان مسؤوليته عن مذبحة قرية هويار سيري التي وقعت في مايو/أيار 2024.
وفي الوقت نفسه، تستمر الغارات الجوية التي يشنها الجيش الميانماري، ما يواصل دفع المدنيين إلى النزوح داخل الولاية وخارجها.
ولا يقتصر الخطر على البر؛ فالروهينجا الفارون من العنف تعرض بعضهم للصد عند الحدود البنغلاديشية، بينما لقي مئات آخرون حتفهم أثناء محاولات عبور بحرية خطرة، أو وقعوا ضحايا للمتاجرين بالبشر.








سياسة مؤقتة أمام أزمة طويلة الأمد
تواجه بنغلاديش معضلة متزايدة التعقيد. فمن جهة، تستضيف أكثر من مليون لاجئ وتتعامل مع تدفق جديد مستمر، ومن جهة أخرى، تحاول منع تحول المخيمات إلى مستوطنات دائمة.
وبحسب التقرير، بلغ عدد الروهينجا والنازحين قسرًا في بنغلاديش نحو 1.2 مليون شخص في يونيو/حزيران 2026، بينهم أكثر من 1.16 مليون في كوكس بازار ونحو 33,800 في جزيرة بهاسان شار.
لكن حركة النزوح لا تزال مستمرة. ونقل التقرير عن مفوض إغاثة اللاجئين وإعادتهم إلى الوطن، ميزانور رحمن، قوله إن نحو 50 إلى 60 من الروهينجا يدخلون بنغلاديش أسبوعيًا.
ويشير التقرير إلى أن هذا الوضع يضع السلطات أمام أزمتين في الوقت نفسه: إدارة تجمع سكاني ضخم مستقر منذ سنوات، والاستجابة لموجات نزوح جديدة من ميانمار.
وتكمن المفارقة في أن سياسة احتواء المخيمات ومنع تحولها إلى تجمعات دائمة تتزامن مع غياب الظروف التي تسمح بعودة آمنة للروهينغا إلى ميانمار. وبذلك، تظل المساكن مؤقتة، بينما تستمر أزمة النزوح نفسها لسنوات.
نقص التمويل يضاعف الخطر
ولا تنفصل أزمة المخيمات عن تراجع التمويل الإنساني الدولي. فبحسب المقال، تعاني الاستجابة الخاصة بالمساكن وإدارة المخيمات من نقص كبير في التمويل، كما تواجه برامج الحد من مخاطر الكوارث فجوة إضافية تؤثر في صيانة الطرق وشبكات التصريف والسدود ومواقع نقل اللاجئين.
وتنعكس هذه التخفيضات على قطاعات تتجاوز الغذاء والمساعدات المنزلية، لتصل إلى الصحة والتعليم وتوزيع الوقود وبرامج الغذاء، فضلًا عن أعمال صيانة الطرق والجسور والممرات ونقاط المياه والمرافق الصحية التي كانت تعتمد جزئيًا على مبادرات مجتمعية.
ويشير التقرير إلى أن النداء الإنساني لعام 2026 طلب نحو 710.5 ملايين دولار لمساعدة قرابة 1.6 مليون شخص، بمن فيهم اللاجئون الروهينجا والمجتمعات البنغلاديشية المضيفة، إلا أن قيمة النداء كانت أقل بنحو 26% من طلب العام السابق، في وقت تتزايد فيه مخاطر النزوح والظروف البيئية.
وهنا يبرز أحد أهم جوانب الأزمة: نقص الأموال لا يعني فقط تقليص المساعدات المباشرة، بل يحد كذلك من القدرة على الوقاية من الكوارث؛ كتنظيف المصارف، وتقوية السدود، وتثبيت المنحدرات، وإصلاح الطرق، وإعداد مواقع آمنة لنقل الأسر قبل هطول الأمطار.
بين منع التوطين وتوفير الحماية
تستند سياسة بنغلاديش، بحسب التقرير، إلى مخاوف حقيقية من تحول المخيمات المؤقتة إلى تجمعات دائمة. وقد وافقت السلطات على نماذج أقوى للمساكن المؤقتة وشبه الدائمة، وناقشت إمكانية إنشاء مساكن من طابقين، كما وافقت من حيث المبدأ على إعادة بناء نحو 50 ألف مأوى، لكن الخطة توقفت لاحقًا بسبب نقص التمويل واعتراضات من مسؤولي الغابات وممثلين محليين وأجزاء من المجتمعات المضيفة.
ويرى التقرير أن هذه السياسة أوجدت وضعًا وسطًا غير آمن: المساكن القائمة ليست متينة بما يكفي لمواجهة الكوارث الموسمية المتكررة، وفي الوقت نفسه تحد القيود المفروضة على البناء الدائم من قدرة الجهات الإنسانية على إنشاء بنية تحتية أكثر حماية.
وتلخص هذه المعضلة سؤالًا أكبر: كيف يمكن التعامل مع أزمة نزوح طويلة الأمد بأدوات صُممت أصلًا لحالة طارئة مؤقتة؟
الحماية لا ينبغي أن تكون مؤقتة
يؤكد التقرير أن الدعوة إلى عودة الروهينجا إلى ميانمار لا تكفي وحدها لمعالجة وضعهم الحالي، إذ إن العودة المستدامة، بحسب التقرير، تتطلب أن تكون آمنة وطوعية وكريمة، مع ضمانات سياسية وقانونية حقيقية، بما يشمل قضايا الجنسية والأمن وحرية الحركة وحقوق الملكية والحماية من الاضطهاد.
وفي انتظار تحقق هذه الظروف، يلفت التقرير إلى ضرورة توفير الحماية الأساسية للاجئين داخل بنغلاديش، بما يشمل السكن الآمن والرعاية الصحية والمياه النظيفة والغذاء والصرف الصحي والحماية من المخاطر البيئية التي يمكن توقعها.
كما يشير إلى أن الوافدين الجدد الذين لا يحصلون على التسجيل أو المساعدات بصورة كافية يصبحون أكثر عرضة لنقص الغذاء والرعاية الصحية والاستغلال والاحتجاز والإعادة القسرية.
ليست كارثة طبيعية فقط
في ختام تحليله، يلفت التقرير إلى أن وصف ما حدث بأنه مجرد «كارثة طبيعية» قد يحجب العوامل البشرية والسياسات التي ساهمت في زيادة حجم الخطر.
فالأمطار والفيضانات والانهيارات الأرضية ظواهر طبيعية، لكن توزيع المساكن في مناطق خطرة، وإزالة الغابات، وضعف أنظمة التصريف، وهشاشة المساكن، ومحدودية القدرة على نقل السكان كلها عوامل ترتبط بالإدارة والسياسات.
وتنقل مقالة عن ميناكشي غانغولي، نائبة مديرة قسم آسيا في هيومن رايتس ووتش، أن تزايد خطورة موسم الأمطار على الروهينجا لا يمكن تفسيره بوصفه ظاهرة طبيعية فحسب، بل يرتبط أيضًا بسياسات تترك اللاجئين في مساكن معرضة للخطر، في ظل تراجع التمويل المخصص لتدعيم المخيمات.
فالانهيار الأرضي لا يدمر مأوى فقط؛ إذ يمكن أن يؤدي تضرر الطرق والجسور إلى تعطيل وصول المساعدات وتأخير العلاج، بينما قد يؤدي غمر المرافق الصحية إلى تلويث مصادر المياه، فتتحول العاصفة الواحدة إلى أزمة متشابكة تشمل الصحة والغذاء والحماية.
أزمة اللاجئين تطال المجتمعات المضيفة أيضًا
ولا يغفل التقرير الضغوط التي تتحملها المجتمعات البنغلاديشية المضيفة في كوكس بازار. فوجود هذا العدد الكبير من اللاجئين يفرض ضغوطًا على الأراضي والغابات والأسواق وفرص العمل والطرق والرعاية الصحية والخدمات العامة، فيما تتزايد المخاوف المحلية بشأن الآثار البيئية للتجمعات واسعة النطاق.
ويرى التقرير أن هذه المخاوف لا ينبغي تجاهلها، خصوصًا أن المجتمعات المضيفة تحملت منذ موجة 2017 أعباء اجتماعية واقتصادية وبيئية كبيرة.
لكن دعم المجتمعات المضيفة، وفق الطرح الذي تقدمه المقالة، لا ينبغي أن يأتي على حساب حماية اللاجئين؛ بل ينبغي أن يسير معها بالتوازي، عبر تمويل البنية التحتية المحلية، ومعالجة الأضرار البيئية، وتحسين شبكات التصريف وتثبيت المنحدرات، إلى جانب توفير مساكن أكثر أمانًا للاجئين.
الروهينجا أمام مفترق جديد
تكشف الكوارث الأخيرة في كوكس بازار عن أزمة تتجاوز موسم الأمطار. فبنغلاديش تستضيف واحدة من أكبر تجمعات اللاجئين في العالم، بينما يستمر النزوح من ميانمار، وتتراجع الموارد الدولية اللازمة لإدارة المخيمات، وتظل العودة الآمنة إلى الوطن بعيدة المنال.
ويرى التقرير أن الأولوية العاجلة تتمثل في تمويل تثبيت المنحدرات، وتحسين شبكات التصريف والسدود وطرق الوصول، وإعداد مواقع آمنة لنقل الأسر، مع ضمان توافر المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم والحماية في أي موقع جديد. كما يدعو إلى توفير تمويل متعدد السنوات بدل انتظار وقوع كارثة جديدة حتى يعود الاهتمام الدولي بالأزمة.
وفي المحصلة، تضع أزمة الروهينجا سياسة بنغلاديش أمام اختبار صعب: فالمخيمات التي كان يفترض أن تكون مؤقتة أصبحت واقعًا ممتدًا لسنوات، بينما لا يزال مستقبل العودة إلى ميانمار غير مضمون.
وبحسب خلاصة المقال، فإن منع تحول المخيمات إلى مستوطنات دائمة لا ينبغي أن يعني منع إجراءات الحماية المستدامة. فالمأوى الأكثر أمانًا والبنية التحتية المقاومة للكوارث لا يعنيان بالضرورة التخلي عن هدف العودة، بل حماية حياة اللاجئين إلى أن تتوافر الظروف التي تجعل تلك العودة آمنة وطوعية وكريمة.
وما كشفته أمطار 2026، وفق هذا الطرح، هو أن الخطر الذي يواجه الروهينجا لم يعد مقتصرًا على الحرب التي فروا منها؛ بل أصبح أيضًا مرتبطًا بالظروف الهشة التي يعيشون فيها، وبأزمة تمويل وسياسة إغاثة تواجه واقعًا طويل الأمد بأدوات صُممت لأزمة مؤقتة.





اترك تعليقاً