نساء يروين ليلة من الرعب بعد اشتباك مع قوات الأمن الكردية، وسط مطالبات بإعادتهم إلى بلدانهم
شهد مخيم روج في شمال شرقي سوريا ليلة من الخوف والهلع، بعدما أطلقت قوات أمنية يقودها الأكراد النار داخل المخيم، في أعقاب أيام من احتجاجات نساء محتجزات طالبن بتحسين أوضاعهن ووقف ما وصفنه بسوء المعاملة، إلى جانب السماح لهن بالعودة إلى بلدانهن.
وبحسب شهادات نقلها موقع ميدل إيست آي عن نساء داخل المخيم، اخترقت الرصاصات خيامًا تؤوي أطفالًا خلال المواجهة التي وقعت مساء الجمعة، فيما لم تُسجل، وفق المعلومات المتاحة، وفيات أو إصابات ناجمة عن إطلاق النار. إلا أن النساء وصفن ما حدث بأنه ليلة من الفوضى والرعب، تركت آثارًا نفسية عميقة عليهن وعلى أطفالهن.
ويضم مخيم روج نحو 2300 شخص، معظمهم من النساء والأطفال الأجانب، ممن تربط السلطات بعض أقاربهم بأعضاء مشتبه بانتمائهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية. ويقع المخيم في محافظة الحسكة قرب الحدود العراقية، وتديره الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، بينما تتولى قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية مهمة حراسته.
احتجاجات بدأت بعد مداهمات ليلية
وفق شهادات نساء تحدثن إلى الموقع، بدأت الاحتجاجات قبل أيام من حادثة إطلاق النار، بعدما تعرضت امرأة روسية للضرب خلال مداهمة ليلية، إثر رفضها تسليم أموالها وهاتفها الشخصي.
وقالت امرأة بوسنية محتجزة في المخيم، استخدم التقرير اسمًا مستعارًا لها لأسباب أمنية، إن الاعتداء كان نقطة تحول بالنسبة إلى النساء، خصوصًا بعد أشهر من اتهامات بتنفيذ مداهمات ليلية وضرب نساء ومصادرة ممتلكات شخصية.
وأضافت أن النساء خرجن للمرة الأولى بأعداد أكبر لمعرفة ما يحدث، ومنذ ذلك الحين، بحسب روايتها، رفضن السماح لقوات الأمن بدخول المخيم بالطريقة ذاتها.
وقالت المرأة إنها وصلت إلى سوريا عام 2015 بناءً على طلب زوجها الذي قُتل لاحقًا، وظلت عالقة في مناطق كانت خاضعة لتنظيم الدولة الإسلامية، قبل أن تتمكن من الخروج عام 2017، ثم احتجزتها القوات الكردية ونقلتها إلى مخيم روج، حيث بقيت هناك مع طفليها.
وأكدت أن مطلبها الأساسي هو العودة إلى بلدها، قائلة إنها لا تريد البقاء في سوريا.
رصاص يخترق الخيام ويقترب من الأطفال
بحسب شهادة هدى مثنى، إحدى النساء المحتجزات في المخيم، بدأت المواجهة قرابة السادسة مساءً، عندما دخل أفراد من قوات سوريا الديمقراطية إلى المخيم على متن مركبات مدرعة وأقاموا ما وصفته بأنه «درع بشري» على الطريق الرئيسي.
وقالت إن النساء تجمعن لمعرفة سبب وجود القوات، قبل أن يُطلب منهن العودة إلى خيامهن. ومع تصاعد التوتر، أُطلقت أعيرة نارية في الهواء، قبل أن تصيب رصاصة إحدى الخيام.
وأضافت مثنى أن الرصاص اخترق خيمة مجاورة لعائلة إندونيسية، ثم مر بالقرب من المكان الذي كان طفلها يحتمي فيه.
وقالت إن طفلها كان موجودًا في ذلك المكان منذ نحو نصف ساعة قبل إطلاق النار، وإن الخيام المصنوعة من القماش لا توفر مكانًا آمنًا للاختباء.
وبحسب روايتها، كادت إحدى الرصاصات أن تصيب طفلها، وهو ما جعلها عاجزة عن الحركة من شدة الخوف.
وقالت إن المواجهة استمرت نحو أربع ساعات، مضيفة أن عددًا من النساء القريبات من الحراس تعرضن للضرب خلال المواجهة.
أطفال يعيشون تحت الخوف

لم تقتصر تداعيات الحادث على النساء، بل انعكست بصورة مباشرة على الأطفال الذين يعيشون أصلًا في بيئة من الاحتجاز وعدم الاستقرار.
وقالت امرأة أخرى داخل المخيم، طلبت عدم الكشف عن هويتها لأسباب أمنية، إن كثيرًا من النساء اللواتي واجهن الحراس كن مريضات أو يعانين إصابات سابقة، ولم يحصل بعضهن على رعاية طبية لسنوات، مؤكدة أنهن كن غير مسلحات وأن تجمعهن كان، بحسب روايتها، بهدف حماية أطفالهن والتحدث مع الجنود.
وأضافت أن طفليها الصغيرين اعتقدا أنهما على وشك التعرض لإطلاق النار بعد اندلاع الرصاص داخل المخيم، مشيرة إلى أن الرصاص كان قد مر في وقت سابق عبر خيمة مجاورة.
وقالت إن ابنتها، البالغة من العمر سبع سنوات، ركضت واختبأت تحت كرسي بلاستيكي، بينما كان الأطفال يصرخون، معتبرة أن سنوات الاحتجاز تركت العائلات في حالة إنهاك نفسي وجسدي شديد.
ودعت المرأة إلى تحرك عاجل لإنهاء معاناة العائلات، مؤكدة أن الأطفال الذين يعيشون في المخيم لهم حقوق، وأن استمرار تعرضهم للخطر على مدى سنوات يستدعي إيجاد حل قبل فوات الأوان.
اتهامات بانتهاكات متزايدة
تأتي حادثة إطلاق النار في ظل انتقادات متزايدة لأوضاع المحتجزين في مخيم روج.
وكان موقع ميدل إيست آي قد ذكر في يونيو/حزيران أن الانتهاكات داخل المخيم ارتفعت بصورة «كبيرة في وتيرتها وشدتها» منذ يناير/كانون الثاني، استنادًا إلى تقرير لمنظمة Repatriate the Children السويدية، اعتمد على شهادات أكثر من 40 امرأة احتُجزن في المخيم بين يناير ومايو.
كما أوردت هيومن رايتس ووتش في فبراير/شباط شهادة امرأة من ترينيداد تحدثت عن حادثة مماثلة وقعت في 31 يناير/كانون الثاني، قالت فيها إن قوات الأمن وصلت إلى خيمتها وهي تطلق النار في الهواء، قبل أن تأمر النساء بالخروج إلى أجواء شديدة البرودة.
وتشير هذه الروايات إلى أن حادثة الجمعة لم تكن، بحسب شهادات المحتجزات، واقعة منفصلة، بل جاءت في سياق توترات متراكمة وشكاوى من المداهمات والضرب ومصادرة الممتلكات.
المحتجزات يطالبن بالعودة إلى بلدانهن
تتمثل إحدى أبرز مطالب النساء في مخيم روج في إعادتهن إلى بلدانهن، في ظل استمرار احتجازهن مع أطفالهن لسنوات.
وتقول هدى مثنى إن معظم النساء يأملن في أن تتولى الحكومة السورية مسؤولية المخيم، معتبرة أن ذلك قد يفتح الطريق أمام إنهاء احتجازهن والعودة إلى عائلاتهن وبلدانهن.
وتأتي هذه المطالب في مرحلة سياسية حساسة في سوريا، مع سعي السلطات في دمشق إلى توسيع نفوذها في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية من البلاد.
وترى بعض النساء داخل المخيم أن التوترات السياسية الأوسع بين القوات الكردية والتحالف والسلطات السورية الجديدة انعكست على أوضاعهن، فيما تتهم بعض المحتجزات قوات الأمن بمحاولة استفزازهن وإظهار ردود أفعالهن أمام الجهات الدولية بصورة سلبية. وهذه اتهامات نقلها التقرير عن المحتجزات، ولم تتضمن المادة ردًا من قوات سوريا الديمقراطية عليها.
تواصل موقع ميدل إيست آي مع قوات سوريا الديمقراطية للحصول على تعليق بشأن الاتهامات المتعلقة بإطلاق النار والانتهاكات داخل المخيم، لكنه أفاد بأنه لم يتلق ردًا حتى وقت نشر التقرير.
مخيم روج… ملف إنساني مؤجل
أصبح مخيم روج، بعد انهيار مخيم الهول الأكبر في يناير/كانون الثاني، آخر مخيم احتجاز رئيسي في سوريا يضم نساء وأطفالًا أجانب، معظمهم من أقارب أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بتنظيم الدولة الإسلامية.
وتسلط حادثة إطلاق النار الضوء مجددًا على المأزق الذي يواجه هؤلاء الأطفال والنساء: احتجاز طويل الأمد في ظروف أمنية وإنسانية صعبة، مقابل غياب حل دولي شامل يحدد مستقبلهم.
وبينما تؤكد النساء أنهن يريدن العودة إلى بلدانهن، تبقى عملية إعادة المواطنين من مخيمات شمال شرقي سوريا ملفًا معقدًا بالنسبة إلى الدول التي ينحدرون منها، خصوصًا في الحالات التي ترتبط باتهامات تتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية.
لكن ما جرى في روج يعيد طرح سؤال أساسي يتجاوز الخلافات السياسية والأمنية: إلى متى يمكن أن يبقى الأطفال في بيئة احتجاز تتعرض فيها خيامهم لإطلاق النار، بينما تنتظر عائلاتهم ودولهم حلًا لمصيرهم؟
فحتى في غياب قتلى أو جرحى معلنين في حادثة الجمعة، فإن وصول الرصاص إلى خيام الأطفال، والخوف الذي عاشته الأسر، والاتهامات المتكررة بسوء المعاملة، كلها مؤشرات على أزمة إنسانية لا يمكن اختزالها في مسألة أمنية فقط.





اترك تعليقاً