سبحان الله وبحمده! كنتُ أنظر إلى أحوال هذا العالم وأحدّث نفسي: متى يَخلُص هذا العالم من الشرك والكفر بالله؟ متى يَخلُص من الفجور والفسق والظلم؟ متى يَخلُص أهل الإسلام من هذا الوهن، ومن آثار الملك الجبري، ومن غوائل النفاق والفساد؟ ومتى يجتمعون على قلب رجلٍ واحد كما كان الرعيل الأول من هذه الأمة؟ متى يأتي يوم الخلاص؟!

وبينما أنا أتأمل هذه التساؤلات، وقعت عيني على حديث النبي ﷺ، وكأني أجلس بين أصحابه وأسمع رسول الله ﷺ ينادي:

«يَوْمُ الخَلَاصِ، وَمَا يَوْمُ الخَلَاصِ؟ يَوْمُ الخَلَاصِ، وَمَا يَوْمُ الخَلَاصِ؟ يَوْمُ الخَلَاصِ، وَمَا يَوْمُ الخَلَاصِ؟»، فقالوا: وما يوم الخلاص يا رسول الله؟

قال ﷺ: «يَجِيءُ الدَّجَّالُ فَيَصْعَدُ أُحُدًا، فَيَنْظُرُ المَدِينَةَ، فَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: أَتَرَوْنَ هَذَا القَصْرَ الأَبْيَضَ؟ هَذَا مَسْجِدُ أَحْمَدَ. ثُمَّ يَأْتِي المَدِينَةَ فَيَجِدُ بِكُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَكًا مُصْلِتًا، فَيَأْتِي سَبْخَةَ الجُرُفِ فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ، وَلَا فَاسِقٌ وَلَا فَاسِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ يَوْمُ الخَلَاصِ».

تأملتُ هذا الحديث النبوي طويلاً، واستوقفني هذا الاسم العظيم: «يوم الخلاص»! يومٌ تَخلُص فيه المدينة النبوية من شوائب المنافقين والمنافقات، والفسّاق والفاسقات، فيخرجون سراعاً إلى الدجال، ويبقى أهل الإيمان الصادق راسخين على ثباتهم.

إن هذا المشهد المهيب يفتح أمام المتدبّر باباً واسعاً للتأمل في سنن الله في عباده، وفي حقيقة الإيمان الذي يثبت به صاحبه حين تعظم الفتن، وفي معنى النصر والفتح الذي ينتظره المسلمون. ولستُ أريد هنا الوقوف عند تفاصيل خروج الدجال وأشراط الساعة فحسب، بل أريد استنطاق المعاني التي يوقظها هذا الحديث في القلوب؛ فما أكثر ما ننشغل بالسؤال عن «موعد الفرج»، ونغفل عن السؤال الأهم: هل أعددنا أنفسنا للنجاة؟ وما حقيقة الإيمان الذي نرجو أن نثبت عليه إذا حلّت الفتن؟

من سنن الله تمحيصُ أهل الإيمان قبل الفتح

من السنن الإلهية المطّردة في كتاب الله أن الابتلاء يكشف خبايا القلوب، وأن طريق التمكين والنجاة لا يخلو من التمحيص والاختبار؛ قال الله تعالى:

﴿الم ۝ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.

وقد قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ﴿فَلَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيُعْلِمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (بضم الياء وكسر اللام في الفعلين: يُعْلِمَنَّ من الإِعلام؛ أي إنه سيكشف لكل إنسانٍ أمام نفسه أصادقٌ هو أم كاذب)، وهي قراءة شاذة تبيّن معنى جليلاً؛ فليست العبرة بمجرد الانتساب إلى الإيمان، ولا باجتماع الألسنة على الشعارات، ولا بتمنّي النصر والتمكين، بل لا بد أن يظهر أثر الإيمان في السرائر والأعمال، وأن يتميز الصادق من الدعيّ عند مواطن الامتحان.

وقد تجلّت هذه السُّنّة بوضوح في قصص الأنبياء مع أقوامهم؛ إذ كانت النجاة معقودةً بحقيقة الإيمان الباطن لا بمجرد الانتساب الظاهري أو القرابة:

ففي قصة نوح عليه السلام، قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾؛ فكانت النجاة خالصةً لأهل الإيمان على قلّتهم، وحقَّ الهلاكُ على أهل الكفر والنفاق وإن كانوا من أهله.

وفي قصة لوط عليه السلام، تبلغ هذه اللطيفة القرآنية ذروتها حين غاير السياق بين الوصفين في قوله سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۝ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ فلمّا تحدّث عن النجاة والإخراج قيّدها بـ «المؤمنين»، دلالةً على أن النجاة يوم الفصل لا ينالها إلا من خَلُص إيمانُه في الباطن. ولمّا تحدّث عن الوجود الظاهري في القرية قال: «بيتٍ من المسلمين»؛ لأن البيت في مظهره العام كان بيتَ إسلامٍ وانقياد، غير أنه كان يضم بين جدرانه امرأة لوطٍ التي نافقت فأظهرت الإسلام معهم وأسرّت الكفر في قلبها، فدخلت في عداد البيت المسلم ظاهراً، وخرجت من ركب المؤمنين الناجين باطناً وحكماً.

وفي قصة ثمود، يُتوَّج هذا المعنى بقوله سبحانه: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾؛ فتأمل هذا الاطّراد القرآني العجيب في بيان قلة أهل الحق في مواطن الابتلاء، وربطِ النجاة بوثاق الإيمان والتقوى؛ لتستقر في النفوس حقيقةٌ كبرى: أن العبرة عند الله ليست بكثرة المنتسبين ولا بالمظاهر المجرّدة، وإنما بحقيقة ما قام في القلوب من إيمان، وما ظهر على الجوارح من تقوى وعمل.

وليس المقصود أن كل فتحٍ لا بد أن يسبقه ابتلاءٌ بالصورة نفسها، وإنما المقصود أن التمحيص سُنّةٌ إلهيةٌ ماضية، وأن الفتن كاشفةٌ لصدق الإيمان من زيف الادعاء. ومن هنا نفهم عظمة «يوم الخلاص»؛ فهو المشهد الذي يظهر فيه أثر التمحيص التام، وتتمايز فيه معادن الناس عند أعظم فتن الدنيا.

حقيقة الإيمان الذي يقع به الثبات والاصطفاء

وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الإيمان الذي نحتاج إلى تحقيقه حتى نكون من أهل الثبات والنجاة؟ أهو مجرد المعرفة الذهنية بأن الله موجود وأنه الخالق الرازق؟ إن هذا التصور القاصر لا يحيط بحقيقة الإيمان الذي بُعثت به الرسل، ولا بحقيقة الكلمة العظيمة التي خُلق الخلق لأجلها.

لقد جعل الله العلم بالتوحيد أصلاً للنجاة عند اقتراب الساعة، فقال سبحانه: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ۝ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾.

تأمل موضع هذه الآية؛ فلما كانت أزمنة الفتن وأشراط الساعة تكثر فيها الشبهات والاضطرابات التي تزلزل العقائد —كما في الحديث: «يُصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً»— لخّصت الآية الكريمة مفتاح النجاة الكامل في ركنين متلازمين هما: تصحيح الأصل، وتطهير الفرع:

  • تصحيح الأصل (العقيدة): بقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وصدّر الأمر بـ ﴿فَاعْلَمْ﴾ لأن التوحيد القائم على التقليد أو العادة قد يتهاوى أمام عواصف الفتن، بينما التوحيد المبني على العلم واليقين الراسخ هو رأس الأمر وطوق النجاة الوحيد الذي يثبّت القلب حين تطيش العقول.
  • تطهير الفرع (العمل): بقوله سبحانه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾؛ لمحو آثار الفتن والذنوب التي قد تعترض السائر إلى الله.

إن «لا إله إلا الله» ليست مجرد إقرارٍ بأن الله هو الخالق، بل هي إقرارٌ واعتقادٌ وعملٌ بأنه لا معبودَ بحقٍّ إلا الله، وأن العبادة حقٌّ خالصٌ له سبحانه؛ ومن مقتضياتها: إخلاص الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله، وإخلاص التوكل والخوف والرجاء، وكمال المحبة التعبدية، وإفراده بالركوع والسجود وسائر القربات، مع الانقياد التام لأمر الله ورسوله ﷺ. فالتوحيد ليس تَرَفاً نظرياً لا أثر له في الواقع، بل هو قولٌ وعملٌ واعتقاد يظهر مقتضاه في القلب واللسان والجوارح؛ وهذا هو الأصل الذي يجب أن نفيء إليه كلما تحدثنا عن النجاة والتمكين والفتح.

شُعَب الإيمان.. من ذروة التوحيد إلى إماطة الأذى

لقد بيّن لنا النبي ﷺ شمولية هذا البناء الإيماني بقوله:

«الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ —أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ— شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».

فالإيمان ليس كلمةً عابرة ينطق بها اللسان دون أثرٍ في الحياة، بل هو شُعَبٌ متكاملة تنتظم عقائد القلوب وأعمالها، وأقوال الألسنة وأفعال الجوارح:

فمن أعلاها وأعظمها: تحقيق التوحيد الخالص لله عز وجل.

ومنه: محبة الرسول ﷺ وتقديمها على محبة الخلق أجمعين؛ كما قال ﷺ:

«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، والانقياد لحكمه والرضا بقضائه؛ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

ومن شُعَبه الأخلاقية والاجتماعية: محبة الخير للمسلمين؛ لقوله ﷺ:

«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، وحفظ اللسان وإكرام الجار والضيف؛ لقوله ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ».

فانظر كيف امتدت شُعَب الإيمان من أعظم أصول الاعتقاد إلى أدق تفاصيل السلوك اليومي! وهنا حريٌّ بكل واحدٍ منا أن يحاسب نفسه: كم فرّطنا في شُعَب الإيمان؟ وكم تساهلنا في حقوق الله وحقوق عباده؟ وكم من أصولٍ عظيمة نجهل حقيقتها ومقتضاها؟ إن من يبتغي الثبات عند الفتن لا يصحّ أن يرجئ بناء إيمانه إلى ساعة الامتحان، ولا أن يتوهم أن النجاة تُدرك بمجرد استقصاء أخبار الدجال وأوصافه؛ فكم من متحدثٍ بليغٍ عن النصر والتمكين لم يشرع بعدُ في إصلاح ما بينه وبين الله! وكم من متمنٍّ لمقام الثبات لم يجتهد في معرفة الإيمان الذي يريد الثبات عليه!

لا نصرَ مع تهميش الإيمان

ومن هنا يشتد العجب من أقوامٍ يتصدرون للإصلاح، ويلهجون بذكر الفتح القريب، واجتماع الأمة، وعودة العز والتمكين، ثم لا يجعلون تحقيق الإيمان والتوحيد في طليعة دعوتهم! تجد أحدهم يدعو إلى جمع الكلمة وتوسيع دائرة الاجتماع، لكنه يتحاشى الحديث عن الأصول العقدية التي يجب أن يجتمع الناس عليها؛ بل ربما عدَّ بيان الحق من الباطل تفريقاً للصف، وجعل التمييز بين التوحيد والشرك، والسنة والبدعة، والطاعة والمعصية، قضايا مؤجلةً حتى تتوحد الصفوف! فأيُّ اجتماعٍ هذا الذي يُبنى على غير أصلٍ بيّن؟ وأيُّ وحدةٍ تلك التي يكون ثمنها تهميشَ الغاية التي بُعثت لأجلها الرسل؟!

ليس المراد بهذا أن يكون المسلم داعيةَ خصومةٍ وشقاق، أو مشتغلاً بتتبع الزلات وإثارة النزاعات فيما لا طائل تحته؛ وإنما المراد أن ندرك أن وحدة الأمة لا تقوم على هدم أصول الدين، وأن إصلاح الصف لا يكون بكتمان الحق، وأن الدعوة إلى الاجتماع لا يجوز أن تستحيل ذريعةً للتفريط في التوحيد والسنة. لقد كان إخلاص العبادة لله هو حجر الزاوية في دعوة الأنبياء جميعاً؛ فكيف نلتمس من الله نصراً وتمكيناً ونحن نُهمل الشرط الذي علّق الله به وعده الصادق في قوله:

﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾

فتأمل تقييد الوعد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ليتبين أن النصر معقودٌ بحقائق الإيمان لا بمجرد الانتساب والشعارات. ولا يعني ذلك أن كل تأخرٍ للنصر دليلٌ على فساد إيمان جميع المنتسبين إلى الأمة، ولا أن كل نازلةٍ بالمسلمين مردّها إلى سبب واحد؛ فلله في خلقه سننٌ وحِكَمٌ بالغة، وإنما المقصود ألا نطلب ثمرات الإيمان مع تضييع أصوله، وألا نجعل التمكين غايةً منفصلةً عن العبودية التي خُلقنا لتحقيقها.

فقه الملك الجبري.. ماذا نفعل في زمن الفتن؟

من المهمات التي ينبغي أن يفقهها المسلم: إدراكُ طبيعة الزمن الذي يعيش فيه، ومعرفةُ ما يطلبه الله منه عند اضطراب الأحوال وتلاطم الفتن. فقد روى النعمان بن بشير عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهم، أن النبي ﷺ ذكر أطواراً تمرّ بها الأمة، فقال:

«تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».

ويشهد لهذا المعنى ما رواه الطبراني عن صالح بن أبي مريم (أبي الخليل) أو غيره مرفوعاً في ذكر تعاقب الخلفاء ثم الأمراء ثم الملوك ثم الجبابرة، قبل أن يأذن الله بعودة العدل.

إن هذا التسلسل النبوي يفتح باباً عميقاً للتأمل في تقلبات أحوال الأمة، ويؤكد ضرورة «فقه المرحلة» وكيفية التعامل الشرعي مع كل طور؛ فقد يُفني الإنسان عمره في محاولة تغيير واقعٍ كلّي لم يُقدّر له تغييره، في حين أن المقدور له والمطلوب منه في مرحلته هو الصبر، والاستعداد، والإصلاح في دائرة وسعه. وبهذا الخلط قد يضيّع العبد واجباته العينية التي يقدر عليها، وينشغل باستقصاء الأحداث والصراعات، وينسى أن الله إنما تعبّده بما يستطيع، وأن عليه أن يعرف واجب وقته في كل حال.

وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى نموذجين من خير الناس عند الفتن، فقال:

«خَيْرُ النَّاسِ فِي الفِتَنِ رَجُلٌ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ خَلْفَ أَعْدَاءِ اللَّهِ، يُخِيفُهُمْ وَيُخِيفُونَهُ، أَوْ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي بَادِيَةٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ».

فتأمل هذين النموذجين:

النموذج الأول: يعتزل الفتن بالاشتغال بجهاد أعداء الله الخُلّص. وليس معنى هذا الحديث فتح باب المبادرات الفردية غير المنضبطة في القتال؛ وإنما يُفهم في إطار أحكام الشرع وضوابطه الكلية، إذ لا تستقل الأهواء ولا الآحاد بتقرير ما يكون من واجبات المواجهة وأحكامها العامة.

النموذج الثاني: يعتزل الفتن المشتبهة، ويُقبل على أداء حق الله الذي عليه من العبادة والطاعة؛ فلم تشغله الفتن عن حق ربه، ولم تجعل اضطراباتُ الناسِ عبادتَه وطاعتَه عرضةً للضياع.

والجامع بين هذين النموذجين أنهما لم يجعلا الفتن غايةً تقطعهما عن عبودية الله، بل قام كلٌّ منهما بما يلزمه بحسب حاله ومقدرته. وهنا يتجلّى فضل العلم؛ فكيف يعرف الإنسان ما يجب عليه في زمن الفتن بلا علم؟ وكيف يميّز موطن الإقدام والعمل من موطن الإحجام والكفّ، وموطن الواجب الشرعي من موطن الاندفاع العاطفي، وهو لم يتعلم دينه ولم يفقه أحكامه؟ إن من أعظم الخلل أن يستغرق الإنسان في كل حدث، ويتصدّر لكل قضية، وليس له حظٌّ من العلم الذي يضبط حماسته، ولا نصيبٌ من العمل الصالح الذي يُصلح قلبه.

فتنة الدجال.. لا تؤجّل إصلاح إيمانك!

ثم نعود إلى فتنة الدجال؛ تلك الفتنة الكبرى التي طالما حذّر النبي ﷺ أمته منها، واستعاذ بالله من شرها، وأرشد أصحابه إلى ما يعصمهم الله به عند وقوعها. روى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

«مَن حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ».

وهذا التوجيه النبوي من أعظم ما يستوقف المتأمل؛ إذ جعل الله في كتابه العزيز حصناً يعصم المؤمن من أعظم فتنة تمر على وجه الأرض. فإذا نظرنا في مقاصد سورة الكهف، وجدناها تدور حول أركان العصمة الكبرى: تقرير التوحيد، والثبات على الحق، والتحذير من الاغترار بزينة الدنيا، وبيان حقيقة العمل الصالح والإخلاص لله. فمن تأمل قصة الفتية أصحاب الكهف، رأى نموذجاً لأناسٍ آمنوا بربهم، ورسخوا على توحيدهم، ولم يحملهم الخوف من مخالفة قومهم على مداهنة الباطل أو التنازل عن دينهم، بل صدعوا بالحق قائلين:

﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾؛ ثم جاءت خاتمة السورة لتجمع معيار القبول في أصلين متلازمين هما: العمل الصالح، وإخلاص العبادة لله، في قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

غير أن «الحفظ» الوارد في الحديث لا ينبغي أن يُختزل في المفهوم الشائع اليوم، وهو حفظ الحروف مع تضييع الحدود؛ فالمؤمن الحق يجمع بين استظهار الآيات، وتدبّر معانيها، والعمل بمحكمها، والاستقامة على هديها. وليس المراد بذلك أن الحديث اشترط تفسيراً بعينه لحصول العصمة، وإنما هي حقيقة الانتفاع بالوحي عموماً: أن يتلقاه العبد علماً، واعتقاداً، وعملاً.

المبادرة قبل هجوم الفتن

وهنا تتجلى قاعدةٌ نبويةٌ حاسمة في قوله ﷺ:

«بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».

إن هذا التحذير النبوي يقطع دابر التسويف؛ فالعاقل لا ينتظر حلول الفتن ليشرع في تعلم التوحيد وتحقيق الإيمان وإفراد الله بالعبادة. إن لحظة خروج الدجال وتلاطم الفتن ليست وقتاً مناسباً للبدء في البحث عن أصول العقيدة، أو مراجعة المسلّمات، أو اكتشاف حقيقة الإيمان؛ بل الواجب أن يُعدّ المسلم عُدّته قبل هجوم البلاء.

فالفتن إذا أقبلت لم تترك للإنسان فسحةً للمراجعة كتلك التي كانت متاحةً له في زمن العافية؛ إذ تعصف بالقلوب من الشبهات والشهوات، والمصالح والضغوط، ما يفضح دخائل النفوس ويكشف حقيقة ما استقر فيها:

فمن الناس من يستأثر بالمصلحة الدنيوية فيقدمها على الحق.

ومنهم من يغلو في الصالحين أو المتبوعين حتى يبرر لهم الباطل.

ومنهم من يذوب في شعاراتٍ عامة تزيّن له التنازل عن أصول الدين.

ومنهم من يُقدّم هواه المجرّد على حكم الله ورسوله ﷺ.

وليس المقصود من ذكر هذه المزالق إصدارَ الأحكام على أعيان الناس أو الجزم بمصائرهم، وإنما الحذر من أمراض القلوب التي يجب علاجها اليوم قبل أن تستفحل الفتن غداً. فمن لم يتعلم التوحيد في الرخاء، ولم يفقه حقيقة العبادة، ولم يروّض نفسه على الانقياد للوحي ولزوم الحق؛ فبأيّ شيءٍ يرجو الثبات إذا اشتدّت العواصف؟! ألا إن من أعظم الخذلان أن يستقصي المرء أخبار الدجال، ويحفظ تفاصيل أوصافه، ثم يغفل عن إصلاح ما بينه وبين الله!

الطوفان قادم.. فأين سفينة النجاة؟

إن الفتن إذا تتابعت وأظلمت، ماج بعضها في بعض، فاختلطت الأمور على الناس، وعَظُم البلاء، ولم يثبت حينئذٍ إلا من ثبّته الله. ولعلّ أبلغَ صورةٍ تقرّب هذا المعنى إلى الأذهان هي «صورة الطوفان».

فحين جاء طوفان نوح عليه السلام، لم تكن النجاة بالأماني العريضة، ولا بمجرد الانتساب الظاهري إلى أهل الحق، وإنما كانت برحمة الله أولاً، ثم بالاستجابة لأمره وركوب السفينة التي شُيّدت على عين الله ووحيه. وكذلك النجاة من طوفان الفتن؛ لا تُنال بالتمني، ولا بكثرة الكلام عن النصر، ولا بمجرد الشغف بأخبار آخر الزمان، وإنما تُنال بالاعتصام بالله، وتحقيق التوحيد، واتباع الوحي، والعمل بشرائع الدين.

إننا اليوم بحاجةٍ ماسّة إلى سفينة التوحيد والإيمان، سفينةِ الاعتصام بالكتاب والسنة، لا سفينة الأماني والشعارات الجوفاء. نحتاج إلى أن نغرس في نفوسنا وفي أبنائنا حقيقة الإيمان، وإخلاص العبادة لله، ومحبة رسوله ﷺ، وتعظيم أوامره، والصبر على الحق، والعمل بشُعَب الإيمان كلها؛ فلا يصحّ أن نلتمس التمكين مع التفريط في التوحيد والسنة، ولا أن نستغرق في إصلاح أحوال الناس ونحن غافلون عن إصلاح ما بيننا وبين ربنا.

فمن أراد النجاة فليبادر إلى إصلاح سريرته، وليتفقه في دينه، وليعرض اعتقاده وعمله على ميزان الكتاب والسنة؛ فما وافقهما فبفضل الله ورحمته، وما خالفهما بادر بالتوبة والرجوع عنه، دون اغترارٍ بطول الأمل أو ركونٍ إلى سلامة الأيام. فالإنسان لا يدري متى تفاجئه الفتنة، ولا كيف يكون حال قلبه عند نزولها، وإنما الموفَّق من بادر بالتوبة والعمل الصالح قبل أن يُحال بينه وبين ما يشتهي، مستحضراً قول الله عز وجل في الحديث القدسي:

«يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».

فلا تنتظر حتى تموج الفتن فتبحثَ عن أصل الإيمان، ولا تنتظر حتى تشتد الشبهات فتطلبَ العلم، ولا تنتظر حتى ترى المتساقطين على الطريق فتسألَ عن أسباب الثبات.. فالبِدارَ البدارَ إلى تحقيق الإيمان، قولاً وعملاً واعتقاداً، قبل أن تأتي أيامٌ لا ينفع فيها الندم!

حقيقة الخلاص والفتح

إني كلما تأملتُ «حديث يوم الخلاص»، ازددتُ يقيناً بأن السؤال الذي ينبغي أن يقضّ مضاجعنا ليس مجرد: متى يأتي النصر؟ ومتى تتبدل أحوال الأمة؟ ومتى يزول الظلم والفساد؟ بل السؤال الأوْلى والأخطر هو: هل نحن من أهل الإيمان الذين يثبتون إذا حلّت الفتن؟ هل أصلحنا ما بيننا وبين الله؟ هل حققنا التوحيد الذي خُلقنا لأجله، واتبعنا رسولنا ﷺ في الاعتقاد والعمل؟

إن أعظم «خلاص» هو أن تَخلُص القلوب لله، وأن يَخلُص الناس من عبودية ما سواه، فتصحّ عبودية العباد لربهم. وإن أعظم «فتح» ليس مجرد تبدّل الأحوال السياسية، ولا انتقال السلطان، ولا اجتماع الأجساد فحسب؛ وإنما الفتح الحقيقي أن يعود الناس إلى حقيقة الدين، وأن يُخلصوا العبادة لرب العالمين، وأن يثبت أهل الإيمان على الصراط المستقيم.

فهذا هو الخلاص الذي ينبغي أن ننشده، وهذا هو الفتح الذي يجب أن نعمل له.فاللهم اجعلنا من أهل التوحيد والإيمان، وثبّت قلوبنا على دينك، ولا تفتنّا في ديننا، وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واستعملنا في طاعتك ونصرة دينك، وارزقنا الثبات حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.

بقلم: ابن الأثيل.