هل تستعد بريطانيا للحرب؟ حقيقة دعوة السكان لتخزين الطعام والمياه

Screenshot 2026 09 19 130341

أثارت تقارير متداولة في بريطانيا، الجمعة 18 سبتمبر/أيلول 2026م (7 ربيع الآخر 1448هـ)، جدلًا واسعًا بعدما انتشرت منشورات تزعم أن الحكومة البريطانية طلبت من السكان تخزين المعلبات ومياه الشرب «استعدادًا لحرب محتملة».

لكن مراجعة ما أعلنته الحكومة البريطانية وما نشرته وسائل الإعلام تُظهر صورة أكثر تعقيدًا: بريطانيا ترفع بالفعل مستوى استعدادها لمواجهة الأزمات وحتى احتمالات الصراع، لكنها لم تصدر تحذيرًا بأن حربًا وشيكة، ولم تكن الدعوة إلى الاحتفاظ بالطعام والمياه أمرًا طارئًا صدر بسبب تهديد عسكري محدد.

من أين بدأت القصة؟

تجدد الجدل بعد نشر BBC، في 17 سبتمبر/أيلول، تقريرًا للصحفي ألان ليتل بعنوان يدور حول سؤال: هل نحن مستعدون نفسيًا إذا كانت الحرب قادمة؟

تناول التقرير تغير البيئة الأمنية في أوروبا، وتجارب دول مثل فنلندا في إشراك المجتمع بأكمله في الاستعداد للأزمات والحرب، كما نقل عن عسكريين بريطانيين نقاشًا حول قدرة بريطانيا على مواجهة حرب واسعة وما إذا كانت القوات المسلحة الحالية كافية لمثل هذا السيناريو.

لكن التقرير لم يكن إعلانًا حكوميًا بأن الحرب قادمة.

لاحقًا، انتشرت على مواقع التواصل صياغة أكثر إثارة تقول إن الحكومة البريطانية تحث المواطنين على تخزين الطعام المعلب والمياه «بينما تستعد لحرب محتملة»، ونُسبت هذه الصياغة إلى BBC. وتوضح مراجعات لاحقة أن العبارة جمعت بين ملفين حقيقيين — الاستعداد المدني وتصاعد المخاطر العسكرية — لكنها حولتهما إلى رسالة أكثر حدة مما أعلنته الحكومة.

نعم.. الحكومة تريد من البريطانيين الاستعداد

الجزء المتعلق باستعداد الأسر حقيقي. فالحكومة البريطانية تعمل على حملة وطنية لتشجيع المواطنين على الاستعداد لحالات «التعطل والطوارئ»، وأكد تقرير تنفيذ «خطة عمل المرونة» الصادر عن الحكومة في 14 يوليو/تموز 2026م أنها ستصدر إرشادات جديدة للأسر بشأن الخطوات البسيطة التي يمكن اتخاذها لزيادة قدرتها على الصمود عند وقوع الأزمات.

وتشمل التوجيهات الحكومية للاستعداد للطوارئ الاحتفاظ بمياه معبأة وأطعمة لا تحتاج إلى الطهي، إلى جانب أدوية ضرورية ومصباح يعمل بالبطاريات أو بالشحن اليدوي، وراديو وبطاريات إضافية وشواحن متنقلة ومواد للإسعافات الأولية وغيرها من الاحتياجات الأساسية. والهدف هو أن تتمكن الأسرة من تدبير شؤونها خلال الأيام الأولى من الأزمة عندما تكون خدمات الطوارئ منشغلة بالحالات الأكثر خطورة.

وفي مطلع سبتمبر/أيلول، دعت الوزيرة البريطانية أنجيلا إيغل السكان أيضًا إلى الاحتفاظ بإمدادات تكفيهم عدة أيام، في سياق الحديث عن مخاطر الطقس القاسي وظاهرة «إل نينيو» والطوارئ الوطنية عمومًا.

إذًا، الدعوة إلى وجود طعام ومياه في المنزل حقيقية، لكنها جزء من سياسة أوسع للاستعداد للطوارئ، وليست إعلانًا بأن الحرب ستندلع خلال أيام.

لكن بريطانيا تستعد أيضًا لاحتمال الحرب

وهنا يكمن السبب الذي جعل الخبر المتداول يبدو مقنعًا. فالوثائق الحكومية نفسها تستخدم لغة أكثر جدية مما اعتاد عليه البريطانيون خلال العقود الماضية.

وتقول استراتيجية الأمن القومي البريطانية إن البلاد، «للمرة الأولى منذ سنوات عديدة»، بات عليها الاستعداد لاحتمال تعرض الأراضي البريطانية لتهديد مباشر، بما في ذلك سيناريو حرب. وتربط الاستراتيجية ذلك بصورة خاصة بروسيا، إلى جانب الهجمات السيبرانية والتخريب والتهديدات للبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

كما أطلقت الحكومة برنامج Home Defence أو «الدفاع عن الوطن»، الذي يهدف إلى دمج الاستعدادات المدنية والعسكرية في حال وقوع أعمال عدائية دولية تؤثر في بريطانيا، ويشمل حماية البنية التحتية الحيوية والاستعداد للتخريب والأزمات الكبرى.

ومن أبرز الإجراءات إعادة تحديث خطط حكومية سرية تعرف تقليديًا باسم «War Books»، أو «كتب الحرب»، وهي خطط تحدد كيفية عمل الوزارات وأجهزة الدولة إذا تعرضت البلاد لصراع أو تهديد كبير. وكانت آخر عملية تحديث شاملة لها في عام 2004م.

وتخطط بريطانيا كذلك لتنفيذ أكبر تمرين للدفاع الداخلي منذ عقود خلال عام 2027م، بمشاركة وزراء ومئات المسؤولين والجهات الحكومية، لاختبار قدرة الدولة على مواجهة هجمات هجينة.

وتقول المراجعة الاستراتيجية للدفاع إن إعادة بناء «استعدادات وطنية موثوقة للحرب والدفاع عن الوطن والتعبئة الصناعية» أصبحت أولوية، وإن حربًا كبرى ستتطلب استجابة وقدرة على الصمود على مستوى المجتمع بأكمله.

روسيا والهجمات السيبرانية والطقس.. وليس الحرب وحدها

مع ذلك، فإن خطط الاستعداد المدني لا تبنى على سيناريو الحرب وحده.

الحكومة تتبنى ما تسميه نهج «جميع الأخطار»، بحيث تكون الاستعدادات نفسها مفيدة في مواجهة انقطاع الكهرباء والاتصالات، والهجمات السيبرانية، والطقس القاسي والفيضانات، والأوبئة، وتعطل سلاسل الإمداد، والهجمات أو أعمال التخريب التي تنفذها دول معادية، وصولًا إلى النزاعات العسكرية.

وهذا يفسر لماذا تطلب السلطات من الأسرة امتلاك طعام ومياه ومصباح وراديو وبطاريات: هذه المواد مفيدة سواء كان سبب انقطاع الخدمات عاصفة شديدة أو هجومًا إلكترونيًا أو أزمة عسكرية.

إذن.. هل تستعد بريطانيا للحرب؟

نعم، بمعنى محدد: الحكومة البريطانية أعادت احتمال الصراع الذي يمس أراضي المملكة المتحدة إلى خططها الأمنية، وتعمل على تحديث خطط الحرب والدفاع الداخلي، وحماية البنية التحتية، وإجراء تدريبات واسعة، ورفع قدرة المجتمع على الصمود. والوثائق الرسمية لا تخفي أن التهديد الروسي واحتمالات الصراع جزء من أسباب ذلك.

لكن لا يوجد في المصادر الرسمية التي راجعناها إعلان بأن حربًا وشيكة، ولا أمر طارئ صدر في 18 سبتمبر يطلب من السكان تخزين الطعام والمياه بسبب اقتراب الحرب.

ما حدث هو أن حملة حقيقية للاستعداد المدني تزامنت مع نقاش حقيقي ومتزايد بشأن استعداد بريطانيا للحرب، ثم جُمعت القصتان على مواقع التواصل في عنوان واحد أكثر إثارة: «بريطانيا تطلب من السكان تخزين الطعام استعدادًا للحرب».

والحقيقة أن بريطانيا توسع استعداداتها للأزمات واحتمالات الصراع، وتدعو الأسر للاحتفاظ بإمدادات أساسية لمواجهة أي تعطّل للخدمات، من الطقس القاسي والهجمات السيبرانية إلى الأزمات الأمنية، دون إعلان وجود حرب وشيكة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *