في بلد يشكل المسلمون جزءًا كبيرًا من سكانه، ويُعترف فيه بالإسلام رسميًا، لا يعني الاعتراف القانوني بالضرورة حرية ممارسة الدين بعيدًا عن تدخل السلطة.
ففي إريتريا، الواقعة في القرن الأفريقي على ساحل البحر الأحمر، توثق تقارير حقوقية ودولية منذ سنوات اعتقالات طالت أئمة ومدرسين وطلابًا مسلمين، إلى جانب تدخل حكومي واسع في المؤسسات الدينية والتعليمية، ضمن منظومة سياسية تفرض قيودًا شديدة على الحريات الدينية والمدنية عمومًا.
وتقول لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية في تقريرها السنوي لعام 2026م (1447هـ) إن أوضاع الحرية الدينية في إريتريا ظلت «سيئة للغاية» خلال عام 2025، وإن الحكومة واصلت اضطهاد أشخاص بصورة منهجية بسبب معتقداتهم الدينية. ولا تعترف السلطات إلا بأربع جماعات دينية هي الإسلام على منهج أهل السنة، والكنيسة الأرثوذكسية الإريترية، والكنيسة الكاثوليكية، والكنيسة الإنجيلية اللوثرية.
لكن الاعتراف بالإسلام لم يوفر للمسلمين حصانة من تدخل الدولة. وتشير هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 إلى استمرار احتجاز مدرسين مسلمين وأئمة في البلاد، استنادًا إلى معلومات المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إريتريا.
مدرسة إسلامية تحولت إلى رمز للصدام

من أبرز الأمثلة على تدخل السلطات في الشؤون الإسلامية قضية مدرسة «الضياء» الإسلامية في العاصمة أسمرة.
ففي عام 2017م (1439هـ)، اندلعت احتجاجات على خلفية محاولات حكومية للتدخل في إدارة المدرسة وتنظيم شؤونها. وأوقفت السلطات مئات المسلمين، معظمهم من الطلاب، على صلة بالاحتجاجات.
وظل عدد كبير منهم في السجون لسنوات. ووفق تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الحرية الدينية، أفرجت السلطات في يوليو/تموز 2023م (محرم 1445هـ) عن 300 مسلم، معظمهم من طلاب مدرسة الضياء الذين اعتقلوا بعد احتجاجهم على تدخل الحكومة في المدرسة عام 2017، فيما أُفرج لاحقًا عن 16 آخرين، كان معظمهم من أعضاء مجلس إدارة المدرسة، بعد إكمال أحكامهم.
وتكشف القضية طبيعة المشكلة التي يواجهها المسلمون في إريتريا: فالإسلام دين معترف به، لكن الدولة تحتفظ بسلطات واسعة للتدخل في إدارة المؤسسات الدينية والتعليمية ومراقبة نشاطها.
أئمة ومدرسون خلف القضبان
ولا تقتصر القضية على أحداث مدرسة الضياء. فتقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2026 يؤكد، نقلًا عن المقرر الأممي الخاص، أن مدرسين مسلمين وأئمة لا يزالون بين المعتقلين لأسباب مرتبطة بالدين.
ويكتسب ذلك خطورة إضافية بسبب طبيعة منظومة الاعتقال في البلاد؛ إذ تشتهر إريتريا بالاحتجاز المطول دون محاكمة أو توجيه اتهامات، مع وجود معتقلين يختفون لسنوات أو عقود في أماكن احتجاز غير معلنة.
وتقول لجنة الحرية الدينية الأمريكية إن السلطات تحتجز سجناء دينيين في مراكز شرطة وسجون مدنية وعسكرية ومنشآت غير معلنة، وإن معتقلين بسبب الدين تعرضوا لانتهاكات تشمل الضرب والتعذيب والصعق الكهربائي والحرمان من العلاج، فضلًا عن منع الصلاة بصوت مرتفع والوعظ وحيازة الكتب الدينية. ولا تعني هذه المعلومات أن جميع ضحايا تلك الأساليب مسلمون؛ إذ تشمل منظومة القمع الديني أتباع ديانات وطوائف متعددة.
وتقدر اللجنة وجود نحو 10 آلاف سجين رأي ومعتقل من مختلف الفئات في أكثر من 300 منشأة احتجاز في أنحاء إريتريا، بينما أشارت هيومن رايتس ووتش في يونيو/حزيران 2026م إلى تقدير أممي مماثل يتجاوز عشرة آلاف معتقل تعسفيًا.
المسلمون جزء أساسي من المجتمع الإريتري

لا تتوفر إحصاءات سكانية ودينية حديثة وموثوقة بصورة كاملة في إريتريا بسبب انغلاق البلاد وصعوبة جمع البيانات المستقلة.
وتشير تقديرات أوردتها وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن المسلمين ربما يشكلون نحو نصف السكان، وغالبيتهم الساحقة من أهل السنة. وينتشر المسلمون بصورة خاصة في شمال البلاد ومناطقها الساحلية والمنخفضة، وتنتمي غالبية مجموعات التجري والساهو والعفر والبِلين والهدارب والنارا والرشايدة إلى الإسلام.
وعلى المستوى المجتمعي، لا تشير التقارير الدولية إلى وجود صراع طائفي واسع بين المسلمين والنصارى؛ بل سجلت تقارير سابقة وجود قدر كبير من التعايش بينهما، ووجود المساجد والكنائس بالقرب من بعضها في عدد من المناطق. ولذلك فإن المشكلة الأساسية التي توثقها المصادر الحقوقية هي قمع الدولة للحريات الدينية والمدنية، وليس نزاعًا شعبيًا بين المسلمين والنصارى.
دولة تراقب الدين والسياسة معًا

وتتجاوز أزمة المسلمين ملف الحرية الدينية إلى طبيعة النظام السياسي نفسه.
فالرئيس أسياس أفورقي يحكم البلاد منذ استقلالها عام 1993م (1414هـ)، ولم تشهد إريتريا انتخابات وطنية منذ الاستقلال، كما لم تجتمع السلطة التشريعية منذ عام 2010م (1431هـ)، ولا يسمح بوجود أحزاب سياسية منافسة للحزب الحاكم.
وتوثق منظمات حقوقية الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري واستهداف الصحفيين والمعارضين والقيادات الدينية، إلى جانب نظام الخدمة الوطنية والعسكرية غير محددة المدة الذي دفع أعدادًا كبيرة من الإريتريين إلى مغادرة البلاد.
وفي يونيو/حزيران 2026م، قالت هيومن رايتس ووتش أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن الحكومة لا تزال تحتجز قيادات دينية وصحفيين ومن تعتبرهم معارضين دون إجراءات قضائية سليمة، وإن بعضهم أمضى سنوات أو حتى عقودًا رهن الاحتجاز، مع تقارير عن التعذيب وغيره من أشكال المعاملة المهينة.
واشنطن ترفع العقوبات عن الجيش والحزب الحاكم

ويأتي استمرار الانتقادات الحقوقية لأوضاع الحريات في إريتريا بالتزامن مع تحول لافت في علاقة أسمرة بواشنطن؛ إذ رفعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة 18 سبتمبر/أيلول 2026م (7 ربيع الآخر 1448هـ)، العقوبات الأمريكية عن قوات الدفاع الإريترية والحزب الحاكم وعدد من المسؤولين والكيانات المرتبطة به.
وأكد مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية إزالة قوات الدفاع الإريترية و«الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة»، الحزب الوحيد المسموح به في البلاد، إلى جانب «مؤسسة البحر الأحمر التجارية» و«صندوق هدري» وعدد من المسؤولين، من قائمة الأشخاص والكيانات الخاضعة للعقوبات.
وكانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن قد فرضت هذه العقوبات عام 2021م (1443هـ) على خلفية دور القوات الإريترية في حرب إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، وسط اتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة خلال النزاع. ولذلك لم تكن العقوبات مرتبطة تحديدًا بملف اضطهاد المسلمين أو القيود على الحرية الدينية داخل إريتريا.
وجاء رفع العقوبات مع انتهاء حالة الطوارئ الأمريكية المتعلقة بالأزمة في إثيوبيا، في وقت أشارت فيه تقارير إلى إمكانية أن تسهم الخطوة في تحسين العلاقات بين واشنطن وأسمرة، خاصة مع الأهمية الاستراتيجية لإريتريا على البحر الأحمر وقرب سواحلها وميناء عصب من مضيق باب المندب.
ورحبت الحكومة الإريترية بالقرار، وقال وزير الإعلام يماني قبرمسقل إن العقوبات كانت، من وجهة نظر حكومته، غير مبررة وألحقت أضرارًا بالبلاد، مرحبًا بما وصفه بالإجراءات التصحيحية التي اتخذتها إدارة ترامب.
اضطهاد ديني لا يقتصر على المسلمين
ومن المهم لفهم المشهد الإريتري كاملًا أن القمع الديني لا يستهدف المسلمين وحدهم.
فالحكومة تعترف بثلاث كنائس نصرانية إلى جانب الإسلام، لكنها اعتقلت كذلك مئات النصارى، واستهدفت بصورة خاصة أتباع الكنائس الإنجيلية والخمسينية وشهود يهوه والجماعات الدينية غير المسجلة. وحتى بعض أتباع الديانات المعترف بها رسميًا تعرضوا للاعتقال والعقوبات بسبب ممارساتهم الدينية.
ولهذا أوصت لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية مجددًا في تقريرها لعام 2026 بتصنيف إريتريا «دولة مثيرة لقلق خاص» بسبب ما تعتبره انتهاكات منهجية ومستمرة وجسيمة للحرية الدينية.
وبالنسبة إلى المسلمين الإريتريين، تكشف قضية مدرسة الضياء واستمرار الحديث الأممي عن أئمة ومدرسين مسلمين معتقلين عن مفارقة واضحة: الإسلام معترف به رسميًا، لكن المجال الديني نفسه يظل خاضعًا لرقابة دولة لا تسمح للمؤسسات الدينية بالعمل باستقلال كامل عنها.
وفي بلد يصعب فيه عمل الصحافة والمنظمات الحقوقية المستقلة، تبقى معرفة العدد الحقيقي للمسلمين المعتقلين حاليًا، وأسمائهم، وظروف احتجازهم، مهمة شديدة الصعوبة؛ وهو ما يجعل جزءًا من ملف مسلمي إريتريا بعيدًا عن التغطية الإعلامية رغم استمرار التقارير الدولية عن الانتهاكات.





اترك تعليقاً