كشفت دراسة استراتيجية جديدة لمنظمة «ACLED»، المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة، عن تصاعد العمليات التخريبية وأنشطة التجسس والمراقبة وانتهاكات المجال الجوي التي تُنسب أو يُشتبه في ارتباطها بروسيا داخل أوروبا، مع تزايد استهداف المنشآت الصناعية والعسكرية وشبكات النقل التي تدعم أوكرانيا، في تحول قد ينقل المواجهة الروسية الأوروبية إلى مستوى أشد خطورة، دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب مباشرة مع حلف شمال الأطلسي «الناتو».
وأوضحت الدراسة، التي نُشرت يوم الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعنوان «من التخريب إلى التصعيد: تنامي التهديدات الهجينة الروسية في أوروبا»، أن بولندا وألمانيا باتتا ضمن أبرز الدول التي تتعرض لضغوط أمنية متزايدة، بينما تشهد رومانيا ومولدوفا ودول البلطيق تكرارًا لانتهاكات المجال الجوي وحوادث المسيّرات.
وأعد الدراسة الباحثان كريستيان فلاس وماكسيم بيزنوسيوك، اعتمادًا على مراجعة حوادث موثقة خلال عامي 2025 و2026، مع تقديم سيناريوهات لما قد تشهده القارة خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة.
ما المقصود بالحرب الهجينة؟
تشير الحرب الهجينة إلى استخدام مجموعة من الوسائل العسكرية وغير العسكرية لإضعاف الخصم، بما يشمل التخريب والتجسس والهجمات الإلكترونية والتضليل وعمليات التأثير والضغط على البنية التحتية.
وتختلف هذه العمليات عن الحرب التقليدية في أنها قد تُنفذ بصورة سرية أو من خلال أشخاص لا ينتمون علنًا إلى القوات المسلحة، ما يجعل تحديد الجهة المسؤولة عنها وإثبات صلتها بدولة معينة أكثر تعقيدًا.
وترى الدراسة أن موسكو تستخدم هذه الوسائل لزيادة كلفة الدعم الأوروبي لأوكرانيا وإرباك سلاسل إمدادها العسكرية، مع تجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع دول الناتو.
لكن المنظمة تؤكد أن تصنيف حادثة ضمن الأنشطة الروسية المشتبه بها لا يُعد إثباتًا بأن موسكو نفذتها؛ إذ تدرج هذه الوقائع استنادًا إلى مصادر موثوقة تشير إلى احتمال وجود صلة روسية، وقد يتغير التصنيف مع ظهور نتائج التحقيقات.
مصانع المسيّرات ومنشآت الدفاع ضمن دائرة الاستهداف
ترصد الدراسة تحولًا في طبيعة المنشآت التي تتعرض لمحاولات التخريب أو المراقبة، بعد أن كانت الأنشطة السابقة أكثر تفرقًا وتشمل الممتلكات الداعمة لأوكرانيا ومرافق الاتصالات.
ففي أغسطس 2026، رصدت «ACLED» ما لا يقل عن عشر وقائع استهدفت منشآت صناعية عسكرية في أوروبا، وشملت محاولات تخريب أُحبطت، وحوادث اعتداء، وأنشطة مراقبة واستطلاع.
وفي سلوفاكيا، أحبطت السلطات محاولة لإضرام النار في منشأة تابعة لشركة «سكاييتون» الأوكرانية المتخصصة في صناعة المسيّرات.
أما في إستونيا، فقد فتحت السلطات تحقيقًا في حريق اندلع يوم 15 أغسطس داخل منشأة لشركة «ميلريم روبوتيكس»، التي تنتج مركبات أرضية غير مأهولة تُستخدم في دعم أوكرانيا.
وفي ألمانيا، عُثر خلال أغسطس على مسيّرة محملة بمتفجرات بالقرب من طائرة شحن أوكرانية من طراز أنتونوف في مطار لايبزيغ، وهو مركز مهم للشحن والخدمات اللوجستية.
وتعيد الدراسة التذكير بحادثة وقعت في المطار نفسه خلال يوليو 2024، عندما اشتعل طرد حارق داخل مركز لوجستي تابع لشركة «دي إتش إل»، في عملية اشتبه محققون بارتباطها بشبكات استخباراتية روسية.
وتكشف هذه الأمثلة، بحسب الباحثين، عن تزايد الاهتمام باستهداف المؤسسات التي تساعد أوكرانيا على إنتاج المعدات العسكرية أو نقلها أو صيانتها.
بولندا.. خطوط الإمداد العسكرية تحت الضغط
تولي الدراسة اهتمامًا خاصًا لبولندا، التي تمثل إحدى أهم بوابات نقل المعدات والمساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.
وسجلت المنظمة خلال عام 2026 ست حوادث استهدفت بنى عسكرية أو حيوية في بولندا، وتنوعت بين التخريب وإضرام الحرائق والتسلل والمراقبة بالمسيّرات.
وفي أغسطس، طالت حوادث حريق وتخريب مستودعات لقطع غيار الطائرات في لوبلين، ومنشأة مرتبطة بشركة «دبليو بي إلكترونيكس»، إحدى الشركات الأوروبية المنتجة للمسيّرات.
كما رصدت الدراسة استهداف بنية تحتية مرتبطة بخدمة «ستارلينك» في سبتمبر، إلى جانب أنشطة مراقبة قرب مواقع لوجستية تدعم حركة الإمدادات إلى أوكرانيا.
وتشير المنظمة إلى استخدام أشخاص يُستقطبون لتنفيذ مهام محدودة مقابل المال أو لأسباب أخرى، بدل الاعتماد على عناصر استخباراتية معلنة.
وتتيح هذه الطريقة، وفق التحليل، تقليل الروابط المباشرة بين منفذي العمليات والجهة التي يُشتبه في تكليفهم بها، ما يزيد صعوبة إثبات المسؤولية.
المسيّرات والبالونات تتحول إلى مصدر اضطراب أمني
لا تقتصر المخاطر على الحرائق ومحاولات التخريب؛ فقد وثقت الدراسة تكرار دخول طائرات مسيّرة وأجسام جوية غير مأهولة إلى مجالات جوية أوروبية.
وشهدت بولندا حوادث عبور لمسيّرات وبالونات جاءت من اتجاهات مختلفة، بينها بيلاروسيا ومقاطعة كالينينغراد الروسية، إضافة إلى أجسام وصلت من مناطق أوكرانية خلال الهجمات الجوية.
كما تزايدت حوادث سقوط المسيّرات أو اختراقها المجال الجوي في رومانيا ومولدوفا، خصوصًا قرب البحر الأسود ودلتا الدانوب.
وفي منطقة البلطيق، تواجه دول مثل لاتفيا وإستونيا وليتوانيا وفنلندا مخاطر مرتبطة بتداخل العمليات الجوية والحرب الإلكترونية والتشويش على أنظمة الملاحة.
وتوضح الدراسة أن الأثر الأمني لهذه الحوادث لا يُقاس فقط بحجم الدمار المباشر، بل كذلك بعمليات الإغلاق المؤقت للمطارات، ورفع مستوى الاستعداد العسكري، وتعطيل حركة النقل، وزيادة تكاليف المراقبة والحماية.
وتؤكد أن بعض الحوادث قد يكون عرضيًا أو ناتجًا عن اضطرابات الحرب المجاورة، وهو ما يجعل التحقيق المستقل في كل واقعة ضروريًا قبل تحديد المسؤولية عنها.
ألمانيا وبولندا ودول البلطيق أمام أشهر حساسة
تتوقع الدراسة استمرار الضغوط الهجينة على أوروبا خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة، مع تركيز خاص على الدول التي تقدم مساعدات عسكرية واقتصادية كبيرة لأوكرانيا.
ويرجح الباحثان أن تكون ألمانيا وبولندا ودول البلطيق بين أكثر المناطق تعرضًا لمحاولات استهداف منشآت الدفاع والنقل والاتصالات والطاقة.
كما يتوقعان استمرار المخاطر المرتبطة بالمسيّرات في رومانيا ومولدوفا، مع احتمال زيادة الضغوط على منشآت الملاحة البحرية والكابلات البحرية في منطقة بحر البلطيق.
وتحذر الدراسة من أن اتساع العمليات التخريبية قد يؤدي إلى اضطرابات متزامنة في قطاعات مترابطة، بحيث يؤدي تعطل منشأة لوجستية أو شبكة اتصالات إلى التأثير في حركة النقل أو الإنتاج العسكري في مواقع أخرى.
لكن هذه التوقعات تمثل سيناريوهات بحثية وليست معلومات عن عمليات مؤكدة يجري التحضير لها.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المواجهة
طرحت «ACLED» ثلاثة سيناريوهات رئيسية للأشهر المقبلة.
الأول، وهو الأكثر ترجيحًا في تقدير الباحثين، يتمثل في استمرار التخريب والضغط الأمني بصورة متصاعدة ولكن دون بلوغ مستوى يستدعي مواجهة عسكرية مباشرة مع الناتو.
أما الثاني فيتوقع اتساع استهداف المنشآت المدنية الحيوية، بما قد يؤدي إلى إغلاق مطارات ومصانع بصورة مؤقتة، أو تعطيل شبكات طاقة واتصالات وإمدادات عسكرية.
ويتمثل السيناريو الثالث في تصعيد أكبر يشمل استفزازات أمنية واسعة ومحاولات للتأثير في منشآت عسكرية ولوجستية حساسة داخل دول الناتو، لكنه يُعد الأقل ترجيحًا خلال الفترة التي تناولتها الدراسة.
ويرى الباحثان أن روسيا قد تستمر في هذه العمليات حتى إذا انخفضت شدة القتال داخل أوكرانيا، لأن أهداف الضغط على القدرات الدفاعية الأوروبية أوسع من المعارك الدائرة في الجبهات الأوكرانية وحدها.
أوروبا أمام مواجهة دون جبهات معلنة
تخلص الدراسة إلى أن المواجهة الروسية الأوروبية لم تعد محصورة في العقوبات الاقتصادية والدعم العسكري المقدم لأوكرانيا، بل باتت تشمل ما تصفه المنظمة بحرب استنزاف أمنية تستهدف قدرة الدول الأوروبية على نقل الأسلحة وإنتاجها وحماية منشآتها الحيوية.
وتكمن خطورة هذه العمليات في صعوبة تحديد المسؤولية عنها بسرعة، وفي قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية وأمنية حتى عندما لا تسفر عن خسائر بشرية كبيرة.
وبحسب قراءة «ACLED»، فإن احتمال استمرار التصعيد الهجين خلال الأشهر المقبلة يبدو مرتفعًا، مع بقاء خطر المواجهة العسكرية المباشرة أقل ترجيحًا من استمرار التخريب والتجسس وانتهاكات المجال الجوي.
وهكذا تصبح حماية المطارات والمصانع والسكك الحديدية والكابلات البحرية جزءًا متزايد الأهمية من الأمن الأوروبي، في مواجهة تقول الدراسة إنها قد تتوسع بعيدًا عن ساحات القتال التقليدية في أوكرانيا.







