من سوريا إلى بلوشستان.. من هم مقاتلو فاطميون وزينبيون ولماذا يظهرون الآن شرقي إيران؟

xvvMPaI9TLhMXAWizj6wgiCjzSLNuJ 7s0cGrU1B80rBs6T73XTJsuqH0uS6vsNGBOroMQOBruvtUzvkfL yeLvBzGTcwYGY33T8idHREVwGAMZaCicyGLwJrq5XS9PNEOsTyx HgBF8TcgSVpubojlc3doqSLgqgqt8r6WBllzqwBrbRMQu4CRjox8aP bA

أثارت تقارير عن نشر الحرس الثوري الإيراني أعدادًا كبيرة من مقاتلي «لواء فاطميون» الأفغاني و«لواء زينبيون» الباكستاني في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي إيران، تساؤلات بشأن الدور الجديد الذي تسنده طهران إلى جماعتين ارتبط اسمهما خلال العقد الماضي بصورة أساسية بالحرب في سوريا.

وتكتسب هذه التحركات حساسية خاصة بسبب طبيعة المحافظة نفسها؛ فسيستان وبلوشستان منطقة حدودية مضطربة، يشكل البلوش السنة جزءًا أساسيًا من سكانها، وشهدت خلال السنوات الماضية احتجاجات دامية ومواجهات متكررة بين القوات الإيرانية وجماعات بلوشية مسلحة.

وبحسب موقع «حال‌وش» المتخصص في متابعة أخبار بلوشستان إيران، نشر الحرس الثوري خلال الأشهر الأخيرة مئات العناصر من «فاطميون» في مناطق متعددة، بينها زاهدان وميرجاوه وراسك وسراوان وزابل وتشابهار وكنارك وإيرانشهر، إضافة إلى نشر عناصر من «زينبيون» في أجزاء من جنوب المحافظة.

وقال الموقع، نقلًا عن مصادر محلية، إن بعض قواعد الباسيج المحلية سُلّمت إلى عناصر من فاطميون. ولم تعلن السلطات الإيرانية رسميًا حجم هذه القوات أو طبيعة مهمتها، كما لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل الانتشار.

غير أن وجود عناصر من فاطميون في المحافظة تعزز بتطور ميداني جديد؛ إذ أفادت تقارير بمقتل أربعة من عناصر اللواء بعدما تعرضت مركبتهم لإطلاق نار في منطقة رودماهي قرب زاهدان، في حادث وقع في 11 سبتمبر/أيلول 2026م (30 ربيع الأول 1448هـ تقريبًا)، ونُشرت لاحقًا صور ومقاطع للمركبة المحترقة.

من هم «فاطميون»؟

image 156

«لواء فاطميون» تشكيل مسلح يتكون في الأساس من شيعة أفغان، وبرز بشكله الحالي خلال الحرب السورية عندما جندت إيران آلاف الأفغان للقتال إلى جانب قوات نظام بشار الأسد النصيري.

لكن جذور التشكيل أقدم من الحرب السورية؛ إذ ترتبط بجماعات من الشيعة الأفغان قاتلت إلى جانب إيران خلال الحرب الإيرانية العراقية، ثم شارك بعض أفرادها لاحقًا في صراعات أفغانستان.

ومع اندلاع الحرب السورية أعادت إيران تنظيم المقاتلين الأفغان في تشكيل عسكري أصبح يعرف باسم «لواء فاطميون»، قبل أن يتوسع ويُشار إليه لاحقًا باسم «فرقة فاطميون».

وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إن التشكيل كان يقاد من «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري، وإن عناصره جُندوا بصورة رئيسية من المهاجرين واللاجئين الأفغان الموجودين في إيران.

واتهمت واشنطن الحرس الثوري والباسيج باستغلال الوضع الهش لبعض الأفغان، وقالت إن شهادات لمقاتلين سابقين تحدثت عن عرض خيارات مثل السجن أو الترحيل أو الالتحاق بالقتال في سوريا، مقابل وعود بالحصول على إقامة قانونية. كما وثقت منظمات حقوقية تجنيد قاصرين أفغان في صفوف التشكيل.

وفي سوريا، شارك مقاتلو فاطميون في عدد من أكثر جبهات الحرب ضراوة، واستخدمتهم إيران ضمن شبكة القوات المحلية والأجنبية التي دعمت نظام الأسد.

وفي يناير/كانون الثاني 2019م (جمادى الأولى 1440هـ)، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على فاطميون، ووصفتها بأنها ميليشيا يقودها فيلق القدس التابع للحرس الثوري.

وماذا عن «زينبيون»؟

3604246 1394806311

يشبه «لواء زينبيون» فاطميون من حيث البنية والدور، لكن عناصره من الشيعة الباكستانيين بدلًا من الأفغان.

وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إن الحرس الثوري جند مقاتلي زينبيون بصورة أساسية من الباكستانيين الشيعة، ومن بينهم مهاجرون فقراء أو غير موثقين كانوا يعيشون في إيران، وأرسلهم للقتال في سوريا.

وظهر اسم اللواء بصورة أكبر منذ نحو عام 2013م، وشارك إلى جانب القوات الإيرانية وحلفائها في الحرب السورية، تحت مظلة فيلق القدس.

وفرضت الولايات المتحدة العقوبات على زينبيون في يناير/كانون الثاني 2019م أيضًا، وقالت إن كلًا من فاطميون وزينبيون كان يقدم الدعم لفيلق القدس.

وهكذا بنت إيران خلال الحرب السورية نموذجًا يسمح لها باستخدام مقاتلين من جنسيات مختلفة ضمن شبكة عسكرية مرتبطة بالحرس الثوري: أفغان في «فاطميون»، وباكستانيون في «زينبيون»، إلى جانب جماعات عراقية ولبنانية وغيرها.

لماذا يظهرون الآن في سيستان وبلوشستان؟

الموثق حتى الآن هو وجود تقارير متعددة عن انتشار فاطميون وزينبيون في سيستان وبلوشستان، وتسليم بعض المواقع لهم بحسب المصادر المحلية، إلى جانب مقتل أربعة عناصر من فاطميون قرب زاهدان.

أما المهمة التي كلفوا بها رسميًا فلم تعلنها السلطات الإيرانية، لكن من خلال رصد السياسات الإيرانية فيبدو أن مهمتهم لقمع البلوش أو السنة تحديدًا.

لكن توقيت ومكان الانتشار يقدمان عدة مؤشرات تساعد على فهم الخطوة.

أولًا: تدهور الوضع الأمني في بلوشستان

شهدت سيستان وبلوشستان خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة مواجهات مسلحة بين قوات الحرس الثوري وجماعات مقاتلة معارضة لإيران تنشد استقلال بلوشستان.

وفي سراوان، شهدت منطقة بخشان في سبتمبر/أيلول مواجهة استمرت ساعات بين قوات حكومية ومقاتلين تابعين لـ«جبهة المقاتلين الشعبيين»، وفق روايات الطرفين، فيما وقعت اشتباكات أخرى في زاهدان ومناطق مختلفة من المحافظة.

وتعد المحافظة واحدة من أكثر مناطق إيران اضطرابًا أمنيًا، وتمتد على حدود طويلة مع باكستان وأفغانستان، ما يجعلها ذات أهمية خاصة للحرس الثوري.

ثانيًا: أزمة الثقة بين السلطات وقطاع من البلوش

يحمل الانتشار بعدًا أكثر حساسية بسبب العلاقة المتوترة بين الحكومة وقطاعات من السكان البلوش السنة.

فقد شهدت زاهدان في 30 سبتمبر/أيلول 2022م (4 ربيع الأول 1444هـ) أحداث «الجمعة الدامية»، عندما أطلقت قوات الأمن النار خلال احتجاجات أعقبت صلاة الجمعة، وسقط عشرات القتلى بحسب منظمات حقوقية.

ومنذ ذلك الوقت، تحولت خطب الجمعة في زاهدان بقيادة مولوي عبد الحميد إلى أحد أبرز المنابر المنتقدة لسياسات السلطات الإيرانية.

وفي أحدث تعليق له، قال مولوي عبد الحميد في خطبة الجمعة 18 سبتمبر/أيلول 2026م (7 ربيع الآخر 1448هـ) إنه يسمع عن إدخال «قوات أجنبية ونيابية» إلى البلاد والمحافظة، منتقدًا هذه السياسة، وداعيًا السلطات إلى الاعتماد على السكان وكسب ثقتهم بدلًا من القوات الخارجية.

ثالثًا: قوات مرتبطة مباشرة بالحرس الثوري

هناك عامل عملي أيضًا. ففاطميون وزينبيون ليسا قوتين أجنبيتين مستقلتين جاءت كل منهما إلى إيران بقرار منفرد، بل تشكيلان ارتبطا تاريخيًا بفيلق القدس والحرس الثوري.

وبالتالي، فإن استخدامهما داخل إيران يمكن فهمه باعتباره نقلًا لقوات سبق أن بنت طهران خبرتها القتالية وأطر قيادتها خلال الحرب السورية إلى مهمة أمنية جديدة داخل البلاد.

رابعًا: ما بعد سوريا

شكلت سوريا لسنوات الساحة الأساسية التي احتاجت فيها إيران إلى فاطميون وزينبيون.

ومع تغير المشهد السوري، أصبحت مسألة مستقبل آلاف المقاتلين الذين جندتهم إيران خلال سنوات الحرب مطروحة بصورة متزايدة.

فشبكة المقاتلين الأجانب والميليشيات الشيعية التي بنتها طهران لم تختفِ تلقائيًا بانتهاء مراحل رئيسية من الحرب السورية؛ ويمكن إعادة توزيع عناصر منها لحماية مصالح إيران أو تعزيز الأمن الداخلي أو الانتشار في مناطق حدودية.

لماذا يثير انتشارهم قلق البلوش؟

الحساسية لا تتعلق فقط بكون هؤلاء المقاتلين غير إيرانيين. فسيستان وبلوشستان ذات غالبية سنية في مناطقها البلوشية، بينما يتكون فاطميون وزينبيون من تشكيلات شيعية عقائدية نشأت تحت إشراف الحرس الثوري وخاضت حربًا طويلة في سوريا.

ولهذا أثارت أنباء نشرهم مخاوف محلية من إدخال قوات ذات خلفية طائفية وجرائم بحق أهل السنة إلى بيئة تعاني أصلًا من توتر بين السكان السنة وأجهزة الدولة.

وتقول مصادر بلوشية إن بعض السكان يخشون استخدام هذه الميليشيات في عمليات أمنية أو في مواجهة احتجاجات مستقبلية.

سجل يثير مخاوف البلوش السنة

ولا يأتي القلق من انتشار «فاطميون» و«زينبيون» في سيستان وبلوشستان من خلفيتهما الشيعية الحاقدة وحدها، بل من السمعة التي ارتبطت بالتشكيلات المسلحة المدعومة من إيران خلال الحرب السورية.
فقد قاتل اللواءان تحت إشراف فيلق القدس إلى جانب قوات نظام بشار الأسد النصيري في حرب شهدت، بتوثيق منظمات حقوقية، انتهاكات واسعة بحق المدنيين شملت القتل والاعتقال التعسفي والتعذيب والتهجير والهجمات على المناطق المدنية، وإطلاق عبارات معادية لأهل السنة والصحابة رضي الله عنهم.

وأكسبت مشاركة هذه الميليشيات في المعسكر المدعوم من إيران سمعة شديدة السوء لدى قطاعات واسعة من السوريين، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية السنية التي شهدت المعارك والتهجير.

كما ارتبط اسم «فاطميون» بانتهاكات طالت عناصره أنفسهم؛ إذ قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن الحرس الثوري استغل الوضع الهش للاجئين والمهاجرين الأفغان في إيران لتجنيدهم وإرسالهم إلى سوريا، وإن مقاتلين سابقين تحدثوا عن تخييرهم بين السجن أو الترحيل أو الالتحاق بالقتال مقابل وعود بالإقامة، كما تحدثت عن تجنيد أطفال أقل من 14 عامًا ودفع مقاتلين بتدريب محدود إلى خطوط المواجهة.

أما «زينبيون»، فتقول الوزارة إن عناصره جُنّدوا أساسًا من الشيعة الباكستانيين، وبينهم مهاجرون فقراء أو غير موثقين في إيران، للقتال ضمن المشروع العسكري لفيلق القدس في سوريا.

ولهذا يثير ظهور التشكيلين الآن في سيستان وبلوشستان حساسية خاصة بين السكان البلوش السنة؛ فبالنسبة إلى كثيرين لا يتعلق الأمر بوحدات عسكرية عادية، وإنما بتشكيلات عقائدية أجنبية حاقدة أنشأها الحرس الثوري واستخدمها في الحرب السورية.

مقتل أربعة من فاطميون يكشف أن الانتشار ليس نظريًا

التطور الأكثر أهمية جاء من منطقة رودماهي قرب زاهدان. فقد أفاد «حال‌وش» بمقتل أربعة من عناصر فاطميون بعد تعرضهم لإطلاق نار أثناء دورية، وقال إن هؤلاء كانوا متمركزين في قاعدة بالمنطقة منذ أشهر.

كما ظهرت تسجيلات لمركبة محترقة قالت المصادر إنها كانت تقل عناصر فاطميون، إلى جانب تسجيلات أخرى قالت إنها تظهر نقل عشرات الدراجات النارية إلى القاعدة.

ورغم عدم إعلان السلطات الإيرانية تفاصيل الحادث بصورة رسمية، فإن الواقعة تعطي وزنًا أكبر للتقارير التي تتحدث عن وجود عناصر فاطميون فعليًا على الأرض في بلوشستان، وليس مجرد وصولهم إلى إيران أو بقائهم في معسكرات بعيدة عن المحافظة.

من ساحات سوريا إلى الداخل الإيراني

image 157

صورة متداولة من الحرب في سوريا تظهر عنصرًا مسلحًا يدوس على لوحة تحمل اسم الصحابي عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وتداولت الصورة في سياق اتهامات لميليشيات شيعية حاقدة موالية لإيران تستفز السنة في مناطق سيطرتها

لذلك، فإن أهمية ما يجري في سيستان وبلوشستان تتجاوز مجرد تحريك وحدات عسكرية.

إن تسليم قواعد محلية لفاطميون وانتشار زينبيون في جنوب المحافظة، يعني أن تشكيلات بنتها إيران أساسًا لاستخدامها في صراعات إقليمية أصبحت تؤدي أدوارًا أمنية داخل منطقة إيرانية شديدة الحساسية.

أما السؤال الأهم — هل الهدف حماية الحدود، أم مواجهة الجماعات المقاتلة المعارضة، أم تعزيز القدرة على قمع احتجاجات محتملة، أم جميع هذه المهام؟ — فلا تزال طهران لم تقدم إجابة رسمية واضحة عنه.

وهذا الغموض تحديدًا هو ما يجعل عودة «فاطميون» و«زينبيون» من ساحات الحروب الإقليمية إلى قلب الملف الأمني في بلوشستان تطورًا يستحق المتابعة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *