مراجعة: كيف استعاد حزب الله تماسكه بعد هزيمة 2024؟

hezbollah fighter nasrallah funeral reuters

في مقالة مطولة نشرها موقع Middle East Eye في 5 أغسطس/آب 2026 بعنوان «The resurrection of Hezbollah» (عودة حزب الله إلى الحياة)، يتتبع الصحفيان دانيال هيلتون وآدم شمس الدين كيف تمكن حزب الله، رغم الضربات الإسرائيلية القاسية التي تلقاها منذ 2024، من إعادة بناء جناحه العسكري وتغيير أسلوبه في المواجهة. وتستند المادة إلى مقابلات مع سبع شخصيات مطلعة على شؤون الحزب، إلى جانب مصادر قريبة منه وسياسيين ومسؤولين لبنانيين ودبلوماسيين عرب، تحدث معظمهم دون الكشف عن أسمائهم.

من الانهيار إلى إعادة التنظيم

تنطلق المقالة من لحظة بالغة الصعوبة عاشها حزب الله في سبتمبر/أيلول 2024، بعدما دمرت الضربات الإسرائيلية مقراته وقُتل عدد من كبار قادته، وفي مقدمتهم حسن نصر الله، بالتزامن مع اختراق واسع لشبكات اتصالاته. وتصف المقالة كيف اضطر القادة الناجون إلى التخلي عن الهواتف والاعتماد على اللقاءات المباشرة لإعادة تنظيم القيادة واستعادة الاتصال بين عناصر الحزب.

لكن الفكرة الأساسية التي تحاول المقالة إثباتها هي أن هذه الضربة لم تؤدِّ إلى نهاية الحزب، وإنما دفعت قيادته إلى إعادة بناء تنظيمه العسكري بطريقة مختلفة.

فبعد أن كان الجناح العسكري يعتمد على هيكل واسع ومركزي، اتجه الحزب، وفق المصادر التي تحدثت إليها «Middle East Eye»، إلى تفكيك وحداته وجعلها أكثر استقلالًا، مع وضع خطط مسبقة تسمح لها بالتحرك دون انتظار أوامر القيادة المركزية. وبذلك أصبح النموذج الجديد أقرب إلى حرب العصابات، وأكثر قدرة على الاستمرار في حال تعرضت القيادة العليا لضربة جديدة.

التكنولوجيا بدل القوة التقليدية

وتبرز المقالة تحولًا آخر في طريقة عمل الحزب، يتمثل في الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيّرة من طراز FPV.

فمع تراجع جزء من قدراته التقليدية، ركز الحزب على تطوير هذه المسيّرات واستخدامها ضد القوات الإسرائيلية، مستفيدًا أيضًا من خبرات شباب لبنانيين ارتبطوا بثقافة ألعاب الفيديو. وترى المقالة أن هذا التحول يعكس محاولة لتعويض جزء من القوة العسكرية التي خسرها الحزب بالاعتماد على أسلحة أقل كلفة وأكثر مرونة.

حزب الله لم يعد كما كان

ومع ذلك، لا تقدم المقالة صورة عن عودة الحزب إلى قوته السابقة.

فعلى العكس، تؤكد أن حزب الله أضعف عسكريًا مما كان عليه قبل حرب 2024، وأنه فقد معظم قيادته العسكرية القديمة، وتراجعت قدرته الصاروخية وشبكات الإمداد التي كانت تمتد عبر المنطقة. كما تغيرت أهدافه المعلنة؛ إذ لم تعد فكرة التوغل في الجليل حاضرة كما كانت، وأصبح التركيز بدرجة أكبر على حماية لبنان.

ومن هنا تقدم المقالة مفارقة أساسية: حزب الله لم يعد التنظيم الذي كان عليه في 2023، لكنه أيضًا لم يختفِ كما توقع خصومه. لقد خسر كثيرًا من قوته، لكنه أعاد تشكيل ما تبقى منها وفق نموذج أكثر لامركزية ومرونة.

الثمن داخل البيئة الشيعية

south lebanon israel occupation forces 27 april 2026 afp

ولا تتوقف المراجعة عند الجانب العسكري، بل تنتقل إلى سؤال أكثر حساسية: ماذا فعلت الحرب ببيئة الحزب الاجتماعية؟

تشير المقالة إلى أن نحو 600 ألف شخص ما زالوا نازحين من جنوب لبنان، فيما تعرضت مناطق واسعة للدمار. وتكشف المصادر عن تصاعد التململ داخل البيئة الشيعية بسبب الخسائر البشرية والدمار، إضافة إلى تراجع قدرة الحزب على تقديم الخدمات الاجتماعية التي كان يوفرها سابقًا، نتيجة أزمته المالية وتضرر طرق الإمداد والتمويل.

لكن المقالة تشير في الوقت نفسه إلى أن هذا الاستياء لم يتحول إلى معارضة شيعية منظمة وواسعة للحزب، وأن الضغوط الإسرائيلية والخطاب الطائفي تجاه سكان الجنوب قد يدفعان بعض أفراد هذه البيئة إلى مزيد من الالتفاف حوله.

نعيْم قاسم ومرحلة جديدة

وتخصص المقالة مساحة لقيادة نعيْم قاسم، الذي تولى الأمانة العامة بعد مقتل القيادة السابقة.

وبحسب مصادر قريبة من الحزب، نجح قاسم في إدارة عملية إعادة الهيكلة وإعادة تثبيت القيادة، رغم افتقاره إلى الحضور الذي كان يتمتع به حسن نصر الله. وتكشف المقالة كذلك عن وجود نقاشات داخل الحزب حول مستقبله السياسي والعسكري وإمكانية طرح مسألة نزع السلاح مستقبلًا، لكن هذه النقاشات لم تتحول إلى مقترحات عملية، خصوصًا مع استمرار الحرب والضغوط.

الخلاصة

الخلاصة التي تخرج بها مراجعة مقال «Middle East Eye» هي أن الحديث عن نهاية حزب الله يبدو سابقًا لأوانه، لكن الحديث عن عودته إلى قوته السابقة سيكون مضللًا أيضًا.

فالحزب خرج من حرب 2024 منهكًا، وفقد عددًا كبيرًا من قادته ومقاتليه وقدراته وشبكات إمداده، ويواجه في الوقت ذاته ضغوطًا مالية وشعبية وسياسية. لكنه استغل فترة ما بعد الحرب لإعادة بناء جناحه العسكري، وتحويله إلى قوة أكثر لامركزية واعتمادًا على التكنولوجيا وحرب العصابات.

وبالتالي، فإن الصورة التي ترسمها المقالة ليست صورة «حزب الله الذي عاد كما كان»، وإنما حزب أعاد تشكيل نفسه للبقاء بعد ضربة كبرى؛ أضعف من السابق، لكنه لا يزال يمتلك القدرة على التأثير في المعادلة اللبنانية والإقليمية.

المصدر: Middle East Eye، The resurrection of Hezbollah، دانيال هيلتون وآدم شمس الدين، 5 أغسطس/آب 2026.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *