متتبّع المجاعة يتوقف عن رصد أفغانستان والصومال واليمن

2474ca45 5253 4378 aa31 554eacd43e46

أُزيلت ثلاث من أكثر دول العالم تضررًا بالجوع من تقارير شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET)، ما يترك هذه البلدان في ظلام معلوماتي، في وقت تتفاقم فيه الاحتياجات الإنسانية.

أوقفت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET)، التي طالما قدمت إنذارات مبكرة بشأن مخاطر انعدام الأمن الغذائي الحاد، تقاريرها عن ثلاث من أكثر دول العالم عرضة للجوع، وهي: أفغانستان والصومال واليمن.

وهذه هي المرة الثانية في التاريخ الحديث التي يبدو فيها أن الحكومة الأمريكية مارست نفوذًا سياسيًا على هذه الشبكة، التي يبلغ عمرها نحو 40 عامًا، والمعروفة اختصارًا باسم FEWS NET.

ومن المفترض أن تكون الشبكة جهة محايدة قائمة على الأدلة، توفر بيانات بشأن انعدام الأمن الغذائي، بهدف توجيه القرارات الإنسانية التي تتخذها منظمات الإغاثة والحكومات.

وسألت «ديفكس» وزارة الخارجية الأمريكية عما إذا كانت قد أمرت بتعليق التقارير، فردّ متحدث باسم الوزارة قائلًا: «FEWS NET هي جهة متعاقدة ممولة من الحكومة الأمريكية، وتوفر للوزارة رصدًا وتحليلًا متكاملين للأمن الغذائي الحاد الراهن والمتوقَّع، بما يسهم في توجيه قرارات الوزارة بشأن المساعدات الغذائية الإنسانية، مع التركيز على البلدان التي تتوافق مع أولويات السياسة الأوسع للوزير».

وتعكس هذه الخطوة نهج إدارة ترامب تجاه الدول الثلاث، التي عُزلت فعليًا عن المساعدات الخارجية منذ أوائل عام 2025.

وقبل عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، كانت الولايات المتحدة أكبر مانح لكل واحدة من هذه الدول. لكن بعد انهيار الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، لم يبقَ سوى عدد قليل جدًا من البرامج في أفغانستان والصومال واليمن.

واليوم، يحتاج نحو 27.5 مليون شخص إلى المساعدات الغذائية في البلدان الثلاثة مجتمعة، وفقًا لبيانات FEWS NET، التي تواجه كل واحدة منها مزيجًا خاصًا بها من الصراع والجوع والأزمات المناخية.

ويوم الجمعة، استُبعدت الدول الثلاث من أحدث موجز نصف سنوي أصدرته FEWS NET بشأن «ذروة الاحتياجات إلى المساعدات الغذائية»، وهو التقرير الرئيسي للشبكة الذي يرصد أكثر الأزمات الغذائية إلحاحًا حول العالم.

وقال شخص مطلع على عمل FEWS NET، مُنح حق عدم الكشف عن هويته للتحدث بحرية: «إذا استبعدت ثلاث دول من بين البلدان الأكثر إثارة للقلق، فإنك تشوّه التقييم العالمي للاحتياجات. هذه هي المشكلة الأساسية».

كما غابت غزة عن أحدث خريطة لـFEWS NET، حيث يقدّر برنامج الأغذية العالمي أن 1.4 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. ويأتي ذلك استمرارًا لاتجاه بدأ في عهد إدارة بايدن أواخر عام 2024.

أُنشئت FEWS NET بواسطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عام 1985. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الشبكة، التي يديرها متعهد التنمية «شيمونيكس» (Chemonics) وتنسق عملها مع منظمات أخرى مثل وكالة ناسا، المعيار الذهبي للتنبؤ بأزمات الجوع حول العالم.

وتصدر الشبكة عشرات التقارير سنويًا، بما يمنح المنظمات الإنسانية فرصة للتدخل وتوجيه مواردها قبل أن تصل أزمة الجوع إلى مرحلة المجاعة.

ورغم أن FEWS NET أُغلقت لمدة ستة أشهر خلال تجميد المساعدات الخارجية في عهد إدارة ترامب، فقد أعادت وزارة الخارجية تفعيل الشبكة في يونيو/حزيران 2025.

وقالت هانا باتون، المتحدثة باسم FEWS NET، عند إعادة إطلاق الشبكة في تصريح لافت: «إن عودة FEWS NET تبعث برسالة مهمة؛ فهي تذكّر العالم بأن المساعدات الخارجية الأمريكية سخية واستراتيجية في آن واحد».

لكن FEWS NET توقفت الآن عن العمل في ثلاث دول جديدة سبق أن عزلتها إدارة ترامب من خلال نهجها تجاه المساعدات الخارجية.

ورفضت باتون التعليق على ما إذا كانت وزارة الخارجية قد أصدرت توجيهًا إلى الشبكة لوقف التقارير بشأن تلك الدول، وأحالت السؤال إلى الوزارة.

غياب عن المشهد

في النسخة السابقة من تقييم ذروة الاحتياجات، التي نُشرت في مارس/آذار، توقعت FEWS NET أن يصل عدد الأشخاص في اليمن الذين سيبلغون ذروة احتياجهم إلى المساعدات الغذائية إلى ما بين 15 و16 مليون شخص خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر.

أما ذروة الاحتياجات في أفغانستان والصومال، فقد قُدّرت في وقت سابق من العام، إذ كان نحو 10.5 ملايين شخص في أفغانستان و6.5 ملايين شخص في الصومال في أمسّ الحاجة إلى المساعدات الغذائية بين فبراير وأبريل.

وحتى خارج تلك الفترة، لا يزال الوضع بالغ الخطورة. فقد أجبرت تخفيضات المساعدات الأمم المتحدة على تقليص خطة الاستجابة الإنسانية في الصومال بنسبة 40% هذا العام، وبحلول يوليو/تموز، لم تكن الخطة قد حصلت إلا على أقل من ثلث التمويل المطلوب، وفقًا لمنظمة أطباء بلا حدود (MSF).

ويعاني طفل واحد من كل أربعة أطفال خضعوا للفحص من جانب أطباء بلا حدود في جنوب غرب الصومال من سوء تغذية حاد.

وفي الشرق، أعلن برنامج الأغذية العالمي مؤخرًا أن واحدًا من كل ثلاثة أفغان يواجهون حاليًا انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وأن 12 ولاية، حتى أوائل أغسطس، وصلت إلى مستويات حرجة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال، وهو أعلى عدد يُسجَّل على الإطلاق.

وفي أبريل/نيسان 2025، تراجعت إدارة ترامب عن قرار وقف المساعدات الغذائية الطارئة لعدد من الدول، من بينها الصومال وسوريا والعراق.

لكنها أبقت على إلغاء البرامج في أفغانستان واليمن، وعزت وزارة الخارجية القرار إلى مخاوف من تحويل المساعدات إلى جماعات إرهابية في البلدين.

وقالت تامي بروس، المتحدثة باسم وزارة الخارجية آنذاك، إن هذه المخاوف «موثقة ونوقشت لسنوات»، مشيرة إلى تقرير صادر عن المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR)، خلص إلى أن نحو 11 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تدفقت إلى الحكومة الأفغانية التي تسيطر عليها طالبان بين عامي 2021 و2023، في صورة ضرائب ومدفوعات مرافق ورسوم جمركية من شركاء المساعدات الخارجية.

وبعد تصريحات بروس بوقت قصير العام الماضي، أفاد SIGAR بأنه تم إلغاء جميع برامج المساعدات الخارجية الأمريكية في أفغانستان تقريبًا، باستثناء برنامجين تعليميين صغيرين، وأن ما لا يقل عن 1.8 مليار دولار من المساعدات المتوقعة أُلغيت بحلول نهاية مايو.

أما استبعاد الصومال فجاء في سياق مختلف.

ففي أواخر العام الماضي، زعم أحد المؤثرين اليمينيين على وسائل التواصل الاجتماعي أن مراكز رعاية الأطفال التي يديرها صوماليون في ولاية مينيسوتا الأمريكية اختلست ملايين الدولارات، ما دفع إلى تجميد التمويل الفيدرالي لرعاية الأطفال في أنحاء الولاية.

وألقى ترامب باللوم إلى حد كبير على الجالية الصومالية، واصفًا المهاجرين من الدولة الواقعة في شرق أفريقيا بأنهم «قمامة»، وأنهى الحماية المؤقتة من الترحيل الممنوحة للمهاجرين الصوماليين.

وفي الفترة نفسها تقريبًا، علقت وزارة الخارجية الأمريكية جميع المساعدات الأمريكية للصومال بسبب اتهامات لمسؤولين بتدمير مستودع تابع لبرنامج الأغذية العالمي وممول من الولايات المتحدة، إلا أن الحكومة الصومالية وبرنامج الأغذية العالمي قالا إن المساعدات الغذائية لم تُنهب أو تُدمّر.

وقال عبد القادر عدن، مؤسس مؤسسة «آمين للإسعاف»، أكبر خدمة إسعاف مجانية في مقديشو: «عندما تكون الاحتياجات في أعلى مستوياتها، تتقلص الاستجابة».

وكان عدن قد تحدث إلى «ديفكس» في وقت سابق من هذا الصيف، وكان يشير إلى انهيار المساعدات الإنسانية الأمريكية الممولة في الصومال على نطاق أوسع.

وأضاف: «إن فقدان الدعم الأمريكي يتحول مباشرة إلى وفيات كان من الممكن تجنبها».

لا مزيد من تمويل المساعدات الخارجية

استُبعدت الصومال وأفغانستان واليمن جميعًا من تمويل المساعدات الخارجية الجديدة التي أعلنت عنها كل من وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الزراعة الأمريكية.

ويشمل ذلك دفعتين من التمويل عبر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، استهدفتا 21 دولة، وثلاث منح مقدمة عبر برنامج «الغذاء من أجل السلام»، وهو برنامج المساعدات الغذائية الرئيسي للولايات المتحدة.

وكانت السلفادور، التي وجدت FEWS NET أن عدد سكانها الذين بلغوا ذروة الاحتياجات فيها تراوح بين 100 ألف و249 ألف شخص في مارس، مدرجة في كلتا الدفعتين من التمويل، لكنها استُبعدت من أحدث تحليل أجرته المنظمة.

وقال كولين توماس-جنسن، مدير الأثر في «مبادرة أورورا الإنسانية» والمستشار السابق للأمن القومي في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: «مع أي مساعدات، هناك سياسة تحكمها، حتى المساعدات الإنسانية، مهما كان الدافع الإنساني يميل إلى أن يكون غير سياسي ومحايدًا».

وأضاف توماس-جنسن، متحدثًا إلى «ديفكس» في وقت سابق من هذا الصيف عن استبعاد الصومال من نهج الحكومة الأمريكية تجاه المساعدات الخارجية عمومًا: «من اللافت حقًا أن الصومال ليست مدرجة على قائمة المساعدات عندما نتحدث عن واحدة من أفقر دول العالم، وأكثرها عرضة للصراعات والكوارث».

توجيهات الإدارة

ليست هذه المرة الأولى التي تتأثر فيها جهود FEWS NET بالحكومة الأمريكية.

ففي نوفمبر 2024، أمر مسؤول في إدارة بايدن شبكة FEWS NET بوقف التقارير المتعلقة بغزة، وفقًا لشخصين مطلعين على البرنامج.

وبالتزامن مع تجميد إدارة ترامب للمساعدات الخارجية، لم تُستأنف التحليلات المتعلقة بالقطاع حتى أغسطس/آب 2025، وهو الشهر نفسه الذي أُعلنت فيه المجاعة في غزة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، توقفت FEWS NET مرة أخرى عن إعداد التقارير بشأن غزة، واستُبعد القطاع من تقييم ذروة الاحتياجات لهذا الأسبوع.

وفي عدد محدود من الحالات، تأثرت تقارير FEWS NET أيضًا بالضغوط السياسية التي مارستها حكومات أخرى، وفقًا لهؤلاء الأشخاص الذين تحدثوا إلى «ديفكس»، وذلك عندما لا ترغب دولة متضررة من أزمة جوع في الإعلان عن الوضع، أو عندما يكون موظفو FEWS NET عرضة للخطر إذا كشفوا عنه.

كما شهدت شبكات أخرى للتنبؤ بالمجاعات تراجعًا في حجم التقارير، بما في ذلك «التقرير العالمي عن أزمات الغذاء»، الذي يتتبع تقييمات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) في أنحاء العالم.

والـIPC هو الهيئة العالمية المسؤولة عن قياس أزمات الجوع.

وسجل تقرير عام 2026 أدنى مستوى من التغطية القُطرية خلال عقد، إذ لم تتوافر بيانات عن انعدام الأمن الغذائي الحاد في 18 دولة وإقليمًا من أصل 65، بسبب القيود المفروضة على جمع البيانات وتراجع التمويل الإنساني.

وقدم التقرير، الذي تنشره منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي، مثالًا على ذلك، إذ أجرى برنامج الأغذية العالمي في عام 2025 مقابلات أقل بنسبة 30% لتحليلات IPC مقارنة بالعام السابق، مع تسجيل انخفاض إضافي في عام 2026.

وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بتراجعات مماثلة في أحدث تقرير له عن «حالة البيانات الإنسانية المفتوحة»، الذي يشارك المعلومات المتعلقة بسياقات الأزمات المختلفة.

وفي عام 2026، قدّر المكتب أن 68% فقط من بيانات الأزمات أصبحت متاحة عبر 22 عملية إنسانية، مقارنة بـ74% في العام السابق.

وكان ذلك نتيجة إلغاء برامج في السودان، على سبيل المثال، ما أدى إلى تعطّل جمع بيانات النزوح إلى أن تم تأمين تمويل طارئ.

ومهما كان السبب، فإن عواقب إلغاء التقارير العامة تبدو خطيرة.

ففي أوائل أغسطس، قدّر البنك الدولي أن نحو واحد من كل ثلاثة أشخاص يعيشون في مناطق متضررة من الأزمات حول العالم أصبح خارج نطاق الرصد الرسمي، وهو وضع يؤدي إلى إضعاف الاستجابة للصراعات والكوارث وحالات الطوارئ ذاتها.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية في رسالة إلكترونية إلى «ديفكس»: «تتوفر أمام الجهات الإنسانية والحكومات وصانعي السياسات مجموعة من أنظمة الإنذار المبكر لانعدام الأمن الغذائي، إلى جانب FEWS NET، بما في ذلك التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) وخريطة الجوع التابعة لبرنامج الأغذية العالمي (HungerMap)، والتي توفر بيانات حيوية للمساعدة في اتخاذ قرارات الاستجابة».

DEVEX

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *