تُجري السلطات في كشمير المحتلة الخاضعة للإدارة الهندية عملية فحص وتدقيق شاملة للكتب الموجودة في المكتبات والمؤسسات التعليمية البارزة بالمنطقة، وذلك على خلفية مزاعم باحتوائها على مواد “مرفوضة”، بما في ذلك مواد تشيد بقادة مرتبطين بحركة المطالبة بالحرية في كشمير.
وقد صدر أمر حكومي في 24 محرم 1448هـ (9 يوليو 2026) يُلزم جميع المؤسسات التعليمية في المنطقة بفحص الكتب والمجلات والرسائل العلمية (بما في ذلك أطروحات الدكتوراه) والموارد الرقمية، وذلك بزعمهم هدف “منع اقتناء أو تداول أو الاحتفاظ بأي مطبوعة تتضمن مواد مضللة أو غير دقيقة واقعياً أو مشوهة أو تحريضية أو غير قانونية أو مرفوضة لأسباب أخرى؛ ويشمل ذلك أي محتوى يروج لـ “الإرهاب” أو التطرف العنيف أو النزعات الانفصالية أو التشدد أو الفتنة الطائفية أو أي نشاط يضر بسيادة الأمة ووحدتها وسلامة أراضيها وأمنها، أو يمجد تلك الممارسات أو يضفي عليها الشرعية أو يبررها، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر”.
كما أمرت السلطات بإجراء تحقيق لتحديد كيفية وصول كتب ذات “محتوى تحريضي” إلى المكتبات العامة والمؤسسات التعليمية في المنطقة المتنازع عليها. وقد تم توسيع نطاق التحقيق -الذي كان مقتصراً في البداية على المكتبات المدرسية- ليشمل الأسبوع الماضي ليس الكتب فحسب، بل أيضاً المنشورات البحثية والرسائل العلمية والدوريات والمحتوى المخزن رقمياً لدى الجامعات.
من هي حركة الحرية في كشمير؟
هي حركة تضم مجموعة متنوعة من الحملات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي تسعى إلى نيل الاستقلال أو الحكم الذاتي للمنطقة. وقد سعى الكشميريون إلى تحقيق حق تقرير المصير عبر مسارين: حركات المقاومة المسلحة (التي نشطت بشكل خاص منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي) والحركات السياسية الدبلوماسية؛ حيث يطالب البعض بالانضمام إلى باكستان بينما يدعو آخرون إلى الاستقلال التام.
تخضع كشمير لسيطرة مشتركة بين الهند وباكستان، غير أن كلتيهما -وهما قوتان نوويتان- تطالبان بالسيادة الكاملة عليها. وفي عام 1440 هـ (عام 2019)، ألغت نيودلهي الوضع التاريخي شبه المستقل للمنطقة الخاضعة للإدارة الهندية وأخضعتها للسيطرة الفيدرالية المباشرة. ومنذ ذلك الحين، شهدت المنطقة حملة قمع واسعة النطاق استهدفت المؤسسات التعليمية، ونشطاء وجماعات حقوق الإنسان، والصحفيين، وغيرهم من الجماعات الداعية للحرية.
متى بدأت حملة القمع الأخيرة؟
بدأت الحملة في وقت سابق من هذا الشهر بعد أن طالب سونيل شارما -وهو سياسي ينتمي إلى حزب “بهاراتيا جاناتا” (BJP) اليميني- بحظر كتاب يحمل عنوان “شخصيات وأساطير جامو وكشمير” (Personalities and Legends of J&K)، من تأليف التربويين المحليين هلال أحمد وسانتوش مينا.
يتألف الكتاب من 240 صفحة وهو مقسم إلى خمسة فصول تتناول شخصيات بارزة من المنطقة، تشمل سياسيين وناشطين وكتّاباً وشعراء ومؤرخين، مثل الكاتبين سلمان رشدي وهاري كونزرو، وفرح بانديث، التي كانت أول ممثل خاص للمجتمعات المسلمة في الولايات المتحدة.
غير أن السلطات اعترضت على إدراج أسماء شخصيات كشميرية انفصالية بارزة في الكتاب. ومن بين هؤلاء مقبول بهات، وهو زعيم انفصالي سابق أُعدم شنقاً بأمر من محكمة هندية عام 1404هـ (عام 1984). ويصف الكتاب بهات بأنه شهيد، وهي واحدة من الإشارات الشائكة العديدة التي أثار حزب “بهاراتيا جاناتا” اعتراضاً بشأنها.
كما يرد في الكتاب ذكر مسرات عالم بهات، وهو انفصالي آخر قاد مسيرات احتجاجية خلال انتفاضة عام 1431ه ـ(عام 2010)، ويقبع حالياً في السجن بعد اعتقاله إبان حملة القمع التي شُنت عام 1440هـ (عام 2019).
وتشير فقرة تتناول الانفصالي الراحل سيد علي شاه جيلاني إلى أنه كان يصف كشمير بأنها “منطقة متنازع عليها تنتظر حلاً سياسياً تحت رعاية الأمم المتحدة”.
ما الذي يعترض عليه المسؤولون؟
من المفارقات أن هذا الكتاب – إلى جانب كتاب آخر بعنوان “شخصيات بارزة من جامو وكشمير”، من تأليف سوشانت غيري و قد تولت نشره جهة تتخذ من نيودلهي مقراً لها – قد وُفِّر للمكتبات العامة والمدرسية في المنطقة في إطار برنامج ممول حكومياً.
غير أن شارما، القيادي في حزب “بهاراتيا جاناتا” (BJP)، وصف وجود هذه الكتب بأنه مثال على “الجهاد الأكاديمي” – مستخدماً بذلك عبارة مشحونة دلالياً ومثيرة للنعرات المعادية للإسلام – ومجادلاً بأن الغرض من هذه الكتب هو تأجيج الاضطرابات في كشمير. وصرح شارما للصحفيين قائلاً: “تحاول هذه القوى مجدداً تسميم عقول الشباب والأطفال، ودفعهم للعودة إلى النزعات الانفصالية والإرهاب”، مطالباً بحظر مثل هذه الكتب.
وعلى الفور، تحركت الشرطة في كشمير – التي تخضع لإدارة مسؤول تعينه نيودلهي بدلاً من حكومة إقليمية منتخبة – ضد ناشري الكتابين، واعتقلت ثلاثة أشخاص ووجهت إليهم تهمة “تعريض سيادة الهند ووحدتها وسلامة أراضيها للخطر”.
كيف كان رد فعل سكان كشمير؟
بالنسبة لسكان المنطقة، أثارت عملية التدقيق المؤسسي الشاملة في الكتب حالة من القلق. و صرح صحفي كشميري بارز – اشترط عدم الكشف عن هويته خوفاً من إجراءات انتقامية قد تتخذها السلطات -:
“أصبحت الكتابة عن ماضي المنطقة، أو حتى مجرد القراءة عنه، محفوفة بالمخاطر فجأة؛ إذ لا يمكنك سرد قصة كشمير دون التطرق إلى الألم والصراع وواقع قضايا حقوق الإنسان”.
“أحتفظ في منزلي بمجموعة من تقارير حقوق الإنسان القديمة وكتب أرشيفية تتناول قضية كشمير، وهي مواد قد تصنفها السلطات اليوم على أنها ‘معادية للوطن’. وبسبب شعوري بالقلق، بدأت في إزالتها من أرفف مكتبتي؛ فقد أصبحت الكتب في كشمير تشكل تهديداً جديداً”.
وأفاد صاحب مكتبة في مدينة سريناغار (المدينة الرئيسية في المنطقة) إن أشخاصاً مثله يعيشون حالة من الحيرة بشأن الكتب التي ينبغي الاحتفاظ بها وتلك التي يجب التخلص منها. وأضاف: “لسنا متأكدين مما سيُعتبر معادياً للوطن وما يصب في المصلحة الوطنية”.
وأشار بائع الكتب إلى أن وضعاً مشابهاً يجري في مكتبات المدارس والكليات والجامعات، لا سيما في أقسام القانون والعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية.
كيف بررت الحكومة هذه الخطوة؟
دافع حزب “بهاراتيا جاناتا” (BJP) عن حملة القمع هذه، معتبراً أن وجود مؤلفات “تحريضية” يساهم في “تأجيج العنف المسلح” في المنطقة المضطربة.
وقال شارما: “هذا ليس تاريخاً ولا تعليماً… فالكتاب يحاول إحياء الفكر الانفصالي بين الشباب”، مضيفاً: “إنها محاولة لنشر الكراهية ضد الهند وقواتها المسلحة”.
وليست هذه المرة الأولى التي تشدد فيها الحكومة الهندية قبضتها على الأوساط الأكاديمية وقطاع النشر في كشمير.
ففي العام الماضي، حظرت السلطات 25 كتاباً، بدعوى أنها تقوض سيادة الهند، وتنشر روايات مضللة، وتحرض على الانفصالية. وشملت قائمة الكتب المحظورة أعمالاً لخبراء قانونيين وأكاديميين وصحفيين وروائيين مرموقين وحائزين على جوائز، من بينهم إيه جي نوراني، وسومانترا بوس، وأرونداتي روي.
داهمت الشرطة أكثر من اثنتي عشرة مكتبة لضمان سحب تلك الكتب.
وقبل ذلك، حظرت الشرطة أيضاً كتباً لأبي الأعلى المودودي، وهو مؤسس “الجماعة الإسلامية”، وهي منظمة إسلامية محظورة حالياً في كشمير.
وذكرت الشرطة أن إجراءها جاء “بناءً على معلومات استخباراتية موثوقة تفيد بوجود عمليات بيع وتوزيع سرية لمؤلفات تروج لأيديولوجية منظمة محظورة”. وقد أسفرت العملية عن مصادرة ما لا يقل عن 668 كتاباً من عدة مكتبات في مدينة سريناغار.
ماذا يقول المؤلفون والخبراء؟
يصف هؤلاء هذه الحملة الأمنية بأنها “ممارسة تهدف إلى الترهيب” وتجريم فعل قراءة الكتب.
صرحت الصحفية والكاتبة أنورادا بهاسين: “حتى وإن وُجدت بعض المحتويات المثيرة للاعتراض هنا أو هناك، فما أهمية ذلك؟ فالكتب في النهاية ليست قنابل”. وأضافت متسائلة: “متى كانت آخر مرة قرأ فيها شخص ما كتاباً ثم قرر حمل السلاح؟”
كان كتاب “الدولة المفككة” (The Dismantled State) للمؤلفة بهاسين من بين الكتب الخمسة والعشرين التي حُظرت العام الماضي. وقد صرحت بأن السلطات “بالغت في رد فعلها” من خلال محاولتها فحص كل عنوان نُشر على الإطلاق حول كشمير.
وتساءلت قائلة: “كم كتاباً ستقومون بتمحيصه؟ إنها بالآلاف؛ بل بعشرات الآلاف. فحتى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد ما يُوصف بأنه مراجع ‘مثيرة للاعتراض’ ينطوي على مخاطر القراءة الخاطئة أو التفسير المشوّه. لا أعتقد أن الدافع كان مجرد إزالة تلك المواد، بل كان الهدف هو تجريم عملية شراء هذه الكتب وقراءتها بحد ذاتها”.
قالت بهاسين إن حملة التضييق على الكتب ستثير “حالة من الذعر” وتدفع الناس إلى “الابتعاد” عن الكتب المتعلقة بكشمير، والتي تناقش وتطرح للنقاش السياق الكامن وراء أحد النزاعات “المستعصية” في جنوب آسيا.
وأضافت: “إذا تأملنا الأمر، نجد أن كلمة ’مثير للاعتراض‘ بحد ذاتها كلمة غامضة؛ إذ يمكن لأي شيء أن يُعتبر مثيراً للاعتراض. ولن تعود هذه الكتب متوفرة في المكتبات إذا كان الموظفون سيتعرضون للإيقاف عن العمل لمجرد طلبها”.
ومن جانبه، وصف محمد جنيد -وهو عالم أنثروبولوجيا كشميري يعمل في كلية ماساتشوستس للفنون الحرة- عملية تدقيق الكتب في كشمير بأنها “اغتيال للذاكرة”.
قال إن “الرقابة الأمنية المفرطة” على الكتب تشير إلى أن الكشميريين يُدفعون نحو حالة تجعلهم “عاجزين عن فهم واقعهم، وذلك كخطوة أولى نحو محوهم المادي كشعب”.
وصرح جنيد قائلاً: “إنها محاولة متعمدة لتزييف حقائق الماضي وتغيير تصورات الناس عن تجاربهم المعاشة قسراً؛ فالحكومة تسعى إلى حرمان الشباب الكشميري من أي وسيلة لفهم واقعهم، وإلى تطبيع سيطرتها عليهم.
المصدر: الجزيرة.






اترك تعليقاً