كردفان تتحول إلى قلب حرب السودان.. معركة الممر بين الشرق والغرب

AP25199749426255 1790689911

تحولت منطقة كردفان إلى واحدة من أهم ساحات الحرب السودانية وأكثرها حساسية، مع تصاعد القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أواخر عام 2025، بعدما انتقل ثقل المواجهات تدريجيًا من دارفور إلى المنطقة التي تشكل حلقة الوصل الرئيسية بين غرب السودان ووسطه.

وبحسب تحليل نشرته الجزيرة في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (20 ربيع الآخر 1448هـ) استنادًا إلى بيانات مشروع ACLED لرصد النزاعات، فإن السيطرة على كردفان لم تعد مجرد معركة على ثلاث ولايات، بل أصبحت صراعًا على ممر استراتيجي يفصل مناطق نفوذ قوات الدعم السريع في دارفور عن المناطق التي يسيطر عليها الجيش في وسط السودان وشماله وشرقه.

وتضم كردفان ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان، وتلتقي فيها مناطق نفوذ الطرفين. وفي الأشهر الأخيرة تمكن الجيش السوداني من إخراج قوات الدعم السريع من أجزاء واسعة من شمال كردفان، بينما بقيت مناطق في جنوب كردفان موضع تنازع، في حين تحتفظ قوات الدعم السريع بنفوذ في الغرب.

لماذا أصبحت كردفان بهذه الأهمية؟

image 13

ازدادت أهمية كردفان بصورة كبيرة بعد سقوط الفاشر، آخر مدينة رئيسية في دارفور كانت تحت سيطرة الجيش وحلفائه، في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

فمنذ ذلك الحين انتقل جانب كبير من ثقل العمليات شرقًا نحو كردفان، التي تمثل جغرافيًا البوابة بين دارفور التي تسيطر قوات الدعم السريع على معظمها، وبين مناطق سيطرة الجيش في وسط البلاد والعاصمة والشمال والشرق.

ويجعل هذا الموقع من المعركة ذات بعد يتجاوز السيطرة المحلية؛ إذ إن تقدم الدعم السريع شرقًا عبر كردفان يمكن أن يفتح أمامه طرقًا باتجاه وسط السودان، بينما يتيح تقدم الجيش غربًا الضغط على خطوط اتصال الدعم السريع مع دارفور.

وتبرز الأبيض، عاصمة شمال كردفان، بوصفها إحدى أهم نقاط الصراع. فالمدينة مركز تجاري وإداري مهم يربط وسط السودان بغربه، والسيطرة عليها أو على الطرق المحيطة بها تؤثر مباشرة في حركة القوات والإمدادات بين المنطقتين.

خُمس هجمات الحرب تقريبًا وقعت في كردفان

image 14

وتكشف البيانات حجم المعركة. فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023 وحتى 19 سبتمبر/أيلول 2026، سجل ACLED 14,648 هجومًا وحادثة عنف مرتبطة بالنزاع في السودان.

وجاءت الخرطوم في مقدمة المناطق المتضررة بـ5,719 حادثة، أي نحو 39% من الإجمالي، تلتها شمال دارفور بـ1,999 حادثة، ثم الجزيرة بـ1,435.

أما ولايات كردفان الثلاث مجتمعة فسجلت نحو 2,876 حادثة، أي قرابة 19.7% من مجمل الهجمات المسجلة في السودان، ما يعني أن نحو واحدة من كل خمس هجمات مسجلة خلال الحرب وقعت في الإقليم.

وعند النظر إلى تفاصيل كردفان، كانت شمال كردفان الأكثر تعرضًا للهجمات، تلتها جنوب كردفان ثم غرب كردفان.

وفي شمال كردفان وحدها تركز جزء كبير من المواجهات في محلية شيكان التي تضم مدينة الأبيض، حيث سجلت 497 حادثة، تمثل نحو 41% من الهجمات المسجلة في الولاية.

أما جنوب كردفان، فبرزت الدلنج بوصفها البؤرة الرئيسية للقتال، تلتها كادقلي والقوز، بينما توزعت المواجهات في غرب كردفان بصورة أوسع بين بابنوسة والنهود والخوي وأبو زبد.

وبحسب بيانات ACLED التي استند إليها تحليل الجزيرة، سجلت كردفان ما لا يقل عن 12,314 وفاة مرتبطة بالنزاع منذ أبريل/نيسان 2023.

المسيّرات تغير شكل المعركة

image 15

ولا تدور معركة كردفان على الأرض وحدها، إذ أصبحت الطائرات المسيّرة عنصرًا متزايد الأهمية في القتال.

وتشهد مدن شمال كردفان ضربات بالمسيّرات بوتيرة متزايدة، بينما أصابت الهجمات منشآت مدنية أيضًا.

وفي 9 سبتمبر/أيلول، أصابت ضربة بطائرة مسيّرة كلية في مدينة الأبيض، وأدت إلى تدمير أجزاء من المبنى ومقتل حارس أمن، وفق ما قاله عميد الكلية عبد العزيز الشيخ لوكالة رويترز.

وكانت طالبة تدعى أمنية أبو القاسم قد أدت امتحاناتها في الكلية قبل الضربة بيوم واحد، وقالت لرويترز إن تدمير الكلية جعل الطلاب يشعرون بأن أحلامهم ومستقبلهم قد دُمرا معها.

ويأتي ذلك ضمن تحول أوسع في الحرب السودانية، إذ أصبحت المسيّرات وسيلة رئيسية لدى أطراف النزاع لاستهداف مواقع تقع بعيدًا نسبيًا عن خطوط المواجهة التقليدية.

من ينفذ معظم الهجمات؟

image 16

وبحسب تحليل بيانات ACLED، ارتبط الجيش السوداني بنحو 52% من الهجمات المسجلة في أنحاء السودان بين بداية الحرب و19 سبتمبر/أيلول 2026، مقابل 34.7% لقوات الدعم السريع و13.3% لأطراف أخرى.

لكن هذه الأرقام تشير إلى عدد أحداث العنف المسجلة والمنسوبة إلى الأطراف، ولا تعني بالضرورة مسؤولية كل طرف عن النسبة نفسها من الضحايا المدنيين أو الانتهاكات.

وفي كردفان تحديدًا، ارتبط الجيش بـ1,323 حادثة، أي نحو 46% من الهجمات المسجلة في الولايات الثلاث، مقابل 920 حادثة، أو 32%، ارتبطت بقوات الدعم السريع، بينما نسبت 633 حادثة، أو 22%، إلى أطراف أخرى.

وتغير ميزان النشاط العسكري خلال الحرب؛ إذ سجل الجيش عددًا أكبر من الهجمات خلال العام ونصف العام الأول، ثم تجاوزته قوات الدعم السريع من أواخر 2024 حتى منتصف 2025، قبل أن تتقارب أعداد الهجمات الشهرية للطرفين منذ أغسطس/آب 2025.

219 ألف نازح جديد من كردفان

image 17

وبالتوازي مع المعركة العسكرية، تتفاقم أزمة النزوح.

فوفق أحدث أرقام الأمم المتحدة الواردة في التقرير، لا يزال نحو 8.6 ملايين شخص نازحين داخل السودان، رغم عودة ملايين السودانيين إلى مناطق استعاد الجيش السيطرة عليها.

وبحلول أغسطس/آب 2026 بلغ عدد العائدين نحو 5.1 ملايين شخص، بينهم نحو 2.7 مليون عادوا إلى الخرطوم.

لكن الاتجاه معاكس في كردفان.

وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن عدد النازحين حديثًا من كردفان منذ تصاعد القتال في أكتوبر/تشرين الأول 2025 ارتفع بنسبة 65% خلال أربعة أشهر، من أكثر من 132 ألفًا في فبراير/شباط إلى ما لا يقل عن 219 ألف شخص بحلول أواخر يونيو/حزيران.

وحذرت المنظمة خصوصًا من الخطر المحيط بمدينة الأبيض، التي تستضيف نحو نصف مليون شخص، بينهم أكثر من 83 ألف نازح، مع مخاوف من اتساع المعارك حولها.

وقالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب إن مؤشرات الخطر باتت واضحة، في ظل فرار الأسر من العنف وفقدانها إمكانية الوصول إلى المياه والكهرباء والرعاية الصحية، بالتزامن مع أضرار الفيضانات.

كردفان.. المعركة التي قد ترسم المرحلة المقبلة

image 18

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، تكشف التطورات أن كردفان باتت واحدة من العقد العسكرية والجغرافية الرئيسية في الصراع السوداني.

فالمنطقة تقع بين مركز ثقل الجيش في وسط وشمال وشرق السودان وبين مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور، فيما تجعل طرقها ومدنها، وفي مقدمتها الأبيض، السيطرة عليها ذات أهمية لخطوط الإمداد والحركة بين شرق البلاد وغربها.

وفي الوقت الذي يتصاعد فيه استخدام المسيّرات وتتواصل المعارك على الأرض، يدفع المدنيون الثمن عبر النزوح وفقدان مصادر الدخل وتضرر الخدمات والبنية التحتية.

وهكذا أصبحت معركة كردفان تجمع في مساحة واحدة أبرز ملامح الحرب السودانية الحالية: صراعًا على الأرض والممرات الاستراتيجية، وحرب مسيّرات متصاعدة، وموجات نزوح جديدة، واقتصادًا منهكًا يدفع ملايين السودانيين إلى البحث عن أبسط وسائل البقاء.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *