قداسة الحق… بديل عن قداسة المؤسسة

661fb6e58da6c81245b2859fab701166

بعدما فككنا في محطاتنا السابقة الجذور اللاهوتية لقداسة السلطة، وتتبعنا كيف هُرّبت “الجينات الاستعمارية” لتتحول إلى سياط محلية، ثم شرّحنا الوثنية القانونية التي أنسنت جدران المكاتب وحصّنت الإدارة من أي نقد.. نقف اليوم في ختام هذه السلسلة الفكرية أمام لحظة الحقيقة والبديل.

لقد أوضحت التشخيصات السابقة أن خنق التعبير ونقد المؤسسات تحت ذريعة “حماية الهيبة” لم يكن سوى خديعة لتمرير الشطط وحماية الفساد. واليوم، لم يعد السؤال كائناً عن تشخيص الخلل، بل عن كيفية تصحيحه: كيف نخرج من سجن هذه “القداسة البيروقراطية” دون أن نسقط في فوضى استعلاء الأفراد؟ وما هي “السلطة الحقيقية” القادرة على حدّ شطط الإدارة وإعادة الهيبة إلى نِصابها؟

الجواب لا يكمن في استبدال قداسة الموظف بقداسة الفرد، بل يكمن في إقرار مرجعية موضوعية عليا واحدة للجميع: “دسترة وتقديس الحق والمصلحة“.

1. مرجعية “الحق والمصلحة”.. السقف الذي يعلو فوق الجميع

إن البحث عن بديل لـ “قداسة الإدارة” لا يعني منح حصانة مطلقة للمواطن، بل يعني خضوع الجميع—حاكماً ومحكوماً، مسؤولاً ومواطناً—لـ مرجعية موضوعية عليا هي: إقامة الحق وتحقيق المصلحة العامة.

فبالمنطق التشريعي والمقاصدي الأصيل، إن جميع المؤسسات والهيئات أُوجدت كأدوات لتنفيذ الحق وخدمة المصلحة. المسؤول ليس مصدراً للحق ولا مالكاً للمرفق العام، بل هو أجيرٌ ووكيل ومكلفٌ بتحقيقه؛ والمواطن ليس مستجدياً عند الإدارة، بل هو صاحب الحق والمستفيد الأول من المصلحة العامة.

عندما نُدستِر الحق والمصلحة كمرجعية حاسمة، تصبح مشروعية أي قرار إداري أو سلوك رسمي مرهونةً بمدى اقترابه من هذا الميزان، وليس بالصفة الوظيفية لمن أصدره. فالعدل والمصلحة هما الغاية الدستورية العليا، وما سواهما من ألقاب ومناصب مجرد أدوات خادمة.

2. الميزان المقاصدي كمعيار إجرائي: الكليات الخمس ضابطاً للشرعية القانونية

إن مرجعية “الحق والمصلحة” ليست مفهوماً هائماً، بل هي منظومة ضوابط موضوعية تجد سندها الفلسفي والقانوني في الميزان المقاصدي الأصيل؛ حيث يُعاد تأطير “الكليات الخمس” (الدين، النفس، العقل، النسل، والمال) كـضوابط إجرائية ومحددات دستورية لقياس مدى مشروعية العمل الإداري:

  • حفظ النفس جسديا ومعنويا: يترجم إجرائياً في صون إنسانية المواطن داخل المرفق العام، والتجريم المباشر لأي سلوك تعسفي، أو احتجاز غير قانوني، أو شطط لفظي أو مادي يمس بكرامته.
  • حفظ المال العام والخاص: يفرض آليات إجرائية صارمة لحماية المال العام من الهدر والريع، وبالمقابل إيقاف أي تعدٍّ إداري على الملكية الخاصة للمواطن عبر التعسف الضريبي أو الابتزاز البيروقراطي.
  • حفظ العقل والحرية الفكرية: يتجلى في ضمان الحماية القانونية لحريات التفكير والنقد والمكاشفة الصحفية، وتكريس مبدأ إتاحة البيانات والمعلومات بشفافية، واعتبار حجبها أو تضليل الرأي العام خرقاً لمشروعية القرار الإداري.

فالقاعدة الناظمة التي قررها الفقهاء والمشرعون تصرح بوضوح: «التصرف على الرعية منوط بالمصلحة». وهذا يعني صراحةً بلغة القانون الإداري الحديث أن أي قرار أو مسطرة إدارية تؤدي إلى إهدار إحدى هاته الكليات أو المساس بحقوق المواطن الأساسية، هي تصرف باطل أصلًا لمخالفته “عيب الغاية والشطط في استعمال السلطة”؛ إذ لا مشروعية لإجراء يهدم المقاصد والمبادئ التي أُسس المرفق العام أصلاً لحمايتها.

3. إعادة هندسة المنصب

إن “دسترة الحق والمصلحة” تتطلب تصحيحاً جذرياً لمفهوم السلطة والمنصب. لقد أورثنا الاستبداد البيروقراطي فهماً مقلوباً يتعامل مع المنصب كـ “غنيمة أو رتبة للقداسة”، بينما الفكر التشريعي الراشد يقرر أن: المنصب ليس جاهاً ولا ملكية، بل هو أمانة وظيفية ومسؤولية عارية من القداسة.

ومن هاته الزاوية، فإن تَبَنّي الدولة وتقبّلها الصريح لنقد المواطنين، والاحتمال الصبور لغلظة المظلومين، هو البرهان الساطع على صدقها ونزاهتها. فالدول الراشدة لا تحيط مسؤوليها بدروع الجند والحراس لتمنع صوت المظلوم، بل تُكاشف الرأي العام بالحقائق؛ لأن الأمة التي يُلجم فيها الضعيف ويُمنع من المطالبة بحقه دون خوف هي أمةٌ جُرّدت من روح العدالة.

كما أن هذا التفكيك لـ “الوثنية الإجرائية” يتطلب نصاً صريحاً يضمن مأسسة الحماية القانونية الشاملة للمُبلّغين عن الفساد والشطط الإداري (Whistleblowers)؛ فلا يُعقل أن يُجازى المواطن أو الموظف الشريف الذي يكشف خللاً إدارياً بالعقاب والترهيب الوظيفي. فالإجراءات والمساطر وُجدت كـوسائل لتيسير وصول الحق، فإذا أصبحت وسيلةً لإهدار الحق أو الانتقام من كاشفي الفساد، أصبحت هي نفسها شططاً يوجب المحاسبة.

4. تجريم الشطط (Abus de pouvoir)

تستند الفلسفة التشريعية الحديثة إلى المبدأ الدستوري الشهير الذي صاغه الفيلسوف مونتيسكيو: «لكي لا يُسيء أحد استخدام السلطة، يجب أن تحد السلطةُ السلطةَ». وفي ظل مرجعية “الحق والمصلحة”، تصبح السلطة التي تحد الشطط هي سلطة القانون الرادع للجميع.

فالظلم والعدوان مجرّمان بقوة القانون أياً كان مصدرهما—سواء صدرا من مواطن أو مسؤول—. لكن هاته الجريمة تشتد وتتضاعف بشاعتها وتغلظ عقوبتها عندما تصدر ممن أُوتمن على المرفق العام؛ فالجرم هنا يتجاوز الضرر الفردي ليصبح خيانةً صريحة للمرجعية العليا وللأمانة التي قُلِّد إياها باسم الدولة.

ولذا، فإن الإصلاح التشريعي المطلوب يجب أن يرتكز على دعامتين صارمتين:

1. تطهير الترسانة الرقمية: التفكيك الفوري لجميع مقاصل العقوبات السالبة للحرية والغرامات المليونية التعجيزية المخبأة في قوانين “الجرائم الإلكترونية”، واقتصار التجريم في الفضاء الرقمي حصراً على القذف الشخصي المباشر والمثبت، لحماية حق المواطن في نقد السياسات العامة دون خوف من “ترهيب خوارزميات السلطة”.

2. إنهاء شطط الامتناع عن التنفيذ: النص على فصول زجرية تُعاقب بالحبس النافذ والعزل الوظيفي كل مسؤول يمتنع عن التنفيذ الفوري للأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة لصالح المواطن؛ إذ لا معنى لقضاء إداري يصدر أحكاماً تُحفظ في الأدراج بينما يمارس المسؤول شطط الامتناع بلا رادع.

5. تفكيك فزاعة الفوضى: الانقياد للحق هو المصنع الحقيقي للهيبة

إن التخويف بالفوضى عند فتح باب المحاسبة ونقد المؤسسات هو ادعاء مردود؛ لأن الهيبة القائمة على المحاضر والمتابعات القضائية هي “هيبة وهمية ومزيفة” قائمة على الخوف والاضطرار الصامت الذي يخفي تحته احتقاناً مجتمعياً يغلي.

أما “الهيبة الحقيقية” فهي التي تُولد عندما يرى المواطن والمسؤول أن الجميع يخضع لمرجعية “الحق والمصلحة” على حد سواء. عندما يشعر المواطن أن القانون سيف يحميه من تعسف الموظف، ويضمن حق الدولة والمجتمع في الآن ذاته، يتحول الولاء من خوف مجبر إلى التزام طوعي وانقياد واعٍ للعدالة، وتتحول المؤسسة في ذهنه من “خصم يحذره” إلى “وطن يحميه بدمه”.

ختاماً، وكما عاد المشرّعون في ترسيخ سيادة الدولة البيروقراطية إلى نظريات لاهوتية قديمة، فإننا ندعوهم إلى العودة إلى ما هو أعرق وأعدل من ذلك—تحديداً إلى تجربة القرن السابع الميلادي—لاستلهام أصول السياسة الشرعية الإسلامية في عقلنة السلطة وإخضاع المسؤول للمحاسبة.

فلنرفع السيادة حيث يجب أن تكون دائماً: الحق والمصلحة فوق الجميع.. والمسؤول والمواطن خادمان لها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *