بعد أكثر من 15 عامًا من العزلة المالية، شهدت سوريا أولى عمليات الدفع الدولية عبر بطاقات «Visa» و«Mastercard»، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز مجرد إمكانية دفع ثمن سلعة ببطاقة مصرفية، إذ تمثل مؤشرًا واضحًا على عودة النظام المالي السوري تدريجيًا إلى الشبكات المالية العالمية بعد سنوات طويلة من العقوبات والعزلة.
وجاء التطور بعد أيام من إزالة الولايات المتحدة سوريا رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو تصنيف ظل قائمًا منذ عام 1979 وشكل، حتى بعد رفع العقوبات الاقتصادية الأوسع، عائقًا قانونيًا ومصرفيًا أمام البنوك والمؤسسات الدولية الراغبة في التعامل مع دمشق.
ونفذت «Mastercard» بالتعاون مع مجموعة QNB أول عملية دفع دولية متكاملة في سوريا، فيما أجرت «Visa» عملية دولية تجريبية بالتعاون مع «Fransabank» اللبناني وشركة «Paymera» السورية. وشارك الرئيس السوري أحمد الشرع في تجربة «Visa»، حيث ظهر وهو يدفع ثمن قهوة باستخدام البطاقة في دمشق.
ماذا تعني الخطوة فعليًا؟
الأهمية الأولى للحدث تكمن في إعادة ربط سوريا بشبكات الدفع العالمية، وليس في عملية الدفع نفسها.
فقد أصبح بإمكان بعض التجار والمؤسسات المؤهلة، ومن بينها فنادق ومطاعم وجهات حكومية، قبول بطاقات «Mastercard» الدولية عبر أجهزة نقاط البيع التابعة لـQNB، على أن يجري توسيع نطاق الخدمة تدريجيًا وفق الموافقات التنظيمية. كما تعمل «Visa» على تمكين الزوار القادمين من الخارج من استخدام بطاقاتهم داخل سوريا.
وهذا من شأنه، عند توسعه، أن يسهل حركة السياح والمستثمرين ورجال الأعمال، ويقلل الاعتماد الكبير على النقد، ويدعم التجارة الإلكترونية والقطاع السياحي والخدمات، فضلًا عن منح المؤسسات السورية طريقًا للاندماج مجددًا في الاقتصاد الرقمي العالمي.
كما يحمل التطور رسالة مهمة للمصارف الأجنبية: التعامل المالي مع سوريا أصبح أقل تعقيدًا من الناحية القانونية الأمريكية. فوزارة الخزانة الأمريكية تؤكد أن المؤسسات المالية الأمريكية بات مسموحًا لها بإقامة علاقات مصرفية مع المؤسسات السورية، بما فيها المصرف المركزي، شريطة ألا تشمل المعاملات جهات ما تزال مدرجة على قوائم العقوبات.
ليست عودة كاملة للنظام المالي العالمي
ورغم الصورة الاحتفالية التي رافقت أول عملية دفع، فإن الخطوة لا تعني أن خدمات «Visa» و«Mastercard» أصبحت متاحة فورًا لجميع السوريين وفي جميع المتاجر، ولا أن القطاع المصرفي السوري تجاوز المشكلات التي تراكمت خلال سنوات الحرب والعقوبات.
فالانتشار يجري على مراحل، ويحتاج إلى بنية واسعة من أجهزة نقاط البيع والمصارف المرتبطة بالشبكات الدولية، إلى جانب أنظمة التسوية والامتثال وحماية البيانات والأمن السيبراني.
وكان المصرف المركزي نفسه قد أوضح عند إقرار نظام الدفع والتحول الإلكتروني في أغسطس/آب أن إنشاء الإطار التنظيمي لا يعني أن جميع التحويلات والروابط الدولية ستصبح متاحة بصورة فورية.
وبالتالي، فإن الفرق كبير بين نجاح أول عملية دفع دولية وبين بناء منظومة مصرفية قادرة على تقديم هذه الخدمات بصورة واسعة ومستقرة لعشرات الملايين من السوريين.
تحديات الثقة والامتثال
أحد أكبر التحديات التي تواجه دمشق هو استعادة ثقة المصارف الدولية.
فرفع العقوبات أو إزالة التصنيفات الأمريكية يزيل عوائق قانونية مهمة، لكنه لا يجبر البنوك الأجنبية على التعامل مع سوريا. وتظل المؤسسات المالية مسؤولة عن تقييم مخاطر غسل الأموال وتمويل الأنشطة المحظورة والامتثال للعقوبات المتبقية.
ولهذا تشدد وزارة الخزانة الأمريكية نفسها على ضرورة استمرار المؤسسات المالية في تطبيق برامج امتثال قائمة على تقييم المخاطر، خصوصًا أن عقوبات مستهدفة ما تزال مفروضة على بشار الأسد ومقربين منه ومتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان وتجارة المخدرات وجماعات وكيانات أخرى.
وهذا يعني أن إعادة بناء العلاقات المصرفية الدولية قد تكون أبطأ بكثير من إعادة تشغيل أجهزة الدفع.
انتقادات تتعلق بالأولويات والفجوة الرقمية
كما تثير عملية التحول نحو المدفوعات الرقمية تساؤلًا اجتماعيًا واقتصاديًا مهمًا: من سيستفيد منها في المرحلة الأولى؟
فسوريا تخرج من سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي وضعف القطاع المصرفي والبنية التحتية، ولذلك فإن وجود «Visa» و«Mastercard» لا يعني تلقائيًا تحقيق «الشمول المالي».
فالاستفادة الواسعة تتطلب امتلاك المواطنين حسابات مصرفية وخدمات مالية موثوقة، وانتشار نقاط البيع والإنترنت والكهرباء والبنية الرقمية، إلى جانب رسوم يمكن تحملها وثقة شعبية بالمصارف.
ومن هنا يمكن أن تتركز فوائد المرحلة الأولى لدى الفنادق والمطاعم والمؤسسات التي تتعامل مع الزوار الأجانب ورجال الأعمال، قبل أن يشعر المواطن السوري العادي بتأثير مباشر في حياته اليومية.
ما هو البعد الأكبر للخبر؟
القصة الأهم ليست أن الرئيس السوري استطاع شراء فنجان قهوة باستخدام بطاقة «Visa»، بل أن شركة مالية أمريكية عالمية كبرى وشبكة «Mastercard» أصبحتا مستعدتين مجددًا لمعالجة مدفوعات داخل سوريا.
فبعد أن ألغت واشنطن برنامج العقوبات الاقتصادية الشاملة، وأزيلت المؤسسات المالية السورية من قائمة العقوبات الأمريكية، وأُلغي «قانون قيصر»، ثم رُفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بدأت العوائق التي فصلت القطاع المالي السوري عن العالم تتراجع بصورة متسارعة.
ومن هذه الزاوية، تمثل عودة «Visa» و«Mastercard» اختبارًا مبكرًا لما هو أكبر: هل تستطيع سوريا الانتقال من رفع القيود السياسية والقانونية إلى إعادة بناء قطاع مصرفي قادر بالفعل على جذب رؤوس الأموال والتعامل مع المصارف الدولية؟
نجاح التجربة قد يفتح الطريق أمام توسع التجارة والسياحة والاستثمار والتحويلات والخدمات الرقمية، لكن الوصول إلى ذلك سيعتمد على إصلاح القطاع المصرفي، والشفافية والحوكمة والامتثال المالي والأمن السيبراني، وقدرة الدولة على تحويل الانفتاح السياسي والمالي الخارجي إلى خدمات ملموسة يستفيد منها السوريون أنفسهم.
وبذلك تبدو عملية الدفع الأولى حدثًا رمزيًا مهمًا، لكنها ليست نهاية عزلة سوريا المالية بقدر ما هي بداية اختبار طويل لمدى قدرتها على العودة الفعلية إلى الاقتصاد العالمي.
من قوائم الإرهاب إلى شبكات الدفع العالمية.. مفارقة سياسية ومالية
يحمل المشهد أيضًا مفارقة لافتة؛ فالرئيس أحمد الشرع، الذي شارك شخصيًا في تجربة أول عملية دفع ببطاقة «Visa» في دمشق، كان قبل سنوات قائدًا لهيئة تحرير الشام، وهي جماعة ظلت مدرجة على قوائم الإرهاب الأمريكية وخاضعة لعقوبات مالية مشددة. ولم يكن من الممكن في ظل تلك التصنيفات تصور تعامل طبيعي بين مؤسسات مالية أمريكية كبرى والسلطات التي تقودها شخصيات مرتبطة بالهيئة، بسبب مخاطر العقوبات وقواعد مكافحة تمويل الإرهاب. لكن واشنطن غيّرت هذا الإطار تدريجيًا، فألغت تصنيف الهيئة كمنظمة إرهابية أجنبية في 2025، ثم رفعت عنها في 24 أغسطس/آب 2026 تصنيف «الإرهابي العالمي المصنف بشكل خاص» وأزالتها من قائمة العقوبات، أي قبل إطلاق معاملات «Visa» و«Mastercard» في سوريا بأيام معدودة.
ومن زاوية نقدية، يطرح هذا التحول سؤالًا يتجاوز الجانب التقني للمدفوعات: كيف انتقلت جهة كانت المنظومة المالية الأمريكية نفسها ملزمة بعزلها إلى حكومة يجري فتح شبكات الدفع العالمية أمامها بهذه السرعة؟ قانونيًا، أصبحت المعاملات ممكنة بعد رفع التصنيفات، لكن ذلك لا يلغي التساؤلات السياسية بشأن معايير إعادة التأهيل الدولي، ومدى ارتباط قوائم الإرهاب والعقوبات بتغير المصالح والسياسات الخارجية بقدر ارتباطها بتقييم ثابت لطبيعة الجهات المدرجة عليها. كما أن دخول «Visa» و«Mastercard» بعد أيام من آخر خطوة أمريكية لرفع القيود يجعل عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي جزءًا من تحول سياسي أوسع، وليس مجرد تحديث تقني للقطاع المصرفي.
واللافت زمنيًا أن رويترز تحدثت عن إطلاق المعاملات في 27 أغسطس، بينما أزيل آخر تصنيف أمريكي لهيئة تحرير الشام في 24 أغسطس فقط؛ أي بفاصل يقارب ثلاثة أيام.
تساؤل شرعي.. أي نموذج مصرفي ستتبناه سوريا؟
يطرح دخول شبكتي «Visa» و«Mastercard» إلى سوريا تساؤلًا آخر يتعلق بطبيعة النظام المالي الذي تسعى السلطات الجديدة إلى بنائه، لا سيما مع الخلفية الإسلامية للقيادة السورية الحالية. فشبكات الدفع الدولية لا تُعد محرمة بذاتها، ويمكن استخدامها في بطاقات الخصم المباشر والبطاقات المغطاة دون معاملات ربوية، إلا أن جزءًا واسعًا من سوق بطاقات الائتمان عالميًا يقوم على عقود تسمح بفرض فوائد على الديون المتأخرة. وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي عدم جواز إصدار البطاقة غير المغطاة أو التعامل بها إذا اشتملت على شرط زيادة ربوية، حتى لو كان حاملها عازمًا على السداد خلال فترة السماح. ومن هنا فإن القضية لا تتعلق بمجرد الاحتفاء بعودة «Visa» و«Mastercard»، بل بالسؤال عن الضوابط التي ستفرضها السلطات السورية على المنتجات المرتبطة بهما، وما إذا كان الانفتاح على النظام المالي العالمي سيصاحبه بناء نموذج متوافق مع أحكام الشريعة التي انطلقت منها القيادة السورية الجديدة إبان الثورة السورية، أم تبني المنتجات الائتمانية التقليدية بما تحمله من إشكالات ربوية محرمة في الشريعة الإسلامية.
ويبدو أن المفارقات في المشهد السوري لا تتوقف عند حدود السياسة؛ فبينما جاءت القيادة الجديدة من خلفية رفعت شعارات إسلامية لسنوات، تطرح خطوات الانفتاح الاقتصادي والمالي المتسارعة تساؤلات حول طبيعة النموذج الذي يجري بناؤه، ومدى خضوعه لأحكام الشريعة، لا سيما في الملفات المصرفية التي تتداخل فيها المعاملات المشروعة بالمنتجات القائمة على الربا.
ويبقى دخول «فيزا» و«ماستركارد» في ذاته مجرد أداة للدفع، أما الاختبار الحقيقي فسيكون في العقود والمنتجات التي ستُبنى عليها، والضوابط التي ستضعها السلطات السورية للفصل بين الانفتاح الاقتصادي وما تحرمه الشريعة الإسلامية في بلد تحرر بثورة شعبية، كان شعارها “ما لنا غيرك يا الله”!.





اترك تعليقاً