بينما يجهز العالم خيامه على الشواطئ صيفاً بغية الترويح عن النفس وإعادة الحياة لها، ينتظر أهل غزة اللحظة التي يتحررون فيها من أسر خيامهم. عامان ونيف وهم يكتوون بنارها صيفاً وبزمهريرها شتاءً؛ تتقلب في ضيقها أجسادهم التي نهشتها العاهات والإصابات، وتئنّ فيها أمعاؤهم الخاوية، ولسان حالهم يصرخ في وجه الصمت الدولي: متى الخلاص؟
وفي عمق هذا الترقب المرير، تأخذ “الخصوصية المستباحة” الحيّز الأكبر من الألم داخل المخيمات؛ فهذه الحاجة الإنسانية الفطرية غدت معدومةً كانعدام الضمير العالمي أمام هذه المأساة. في الخيام، كل شيء مستباح، حتى تلك المساحة الصغيرة التي تفصل المرء عن الآخرين تلاشت؛ لدرجة أن الستر الذي يمثل جوهر السكينة الإنسانية قد غاب في كل تفاصيل الحياة اليومية، وسط عالمٍ يجرّد النازحين من كل شيء.
إنها معاناةٌ يومية تبدأ من غياب أبسط الحقوق؛ حمامٌ آمن يقضي فيه الإنسان حاجته دون وجلٍ من تكشف، أو يتوضأ فيه بسلام لملاقاة ربه، وصولاً إلى غياب الباب الحقيقي الذي يمنع استراق الأنظار، حيث لم يعد يفصل بين العائلات سوى قماشٍ واهن لا يحجب صوتاً ولا يستر عورة.
وهذه الاستباحة للخصوصية ليست مجرد تدمير للمأوى، بل هي طعنةُ خنجرٍ مسموم تفتك شيئاً فشيئاً بالكيان النفسي والاجتماعي للأسرة. فالمأساة تتخذ أبعاداً أكثر قسوة حين يمتزج انعدام الستر بمرارة الاغتراب وتصدع الأدوار؛ فبعدما كانت العائلات مستقرة في بيوتها كقلاع حصينة، خرجت اضطراراً لتواجه صراعاً مريراً من أجل البقاء. لقد غُيّب السند، وانهارت الركائز، وانتقل الجميع قسراً للعب أدوارٍ مضاعفة تحت وطأة الفاجعة، لدرجة أن المرء غدا يبحث عن حمايةٍ يفتقر إليها، ويخفي دمعه خلف ابتسامةٍ باهتة ليمنح أطفاله وهماً بالأمان، بينما تتمزق الأرواح شوقاً لبيوتٍ دُمرت وحياةٍ سُرقت.
وإذا كان قماش الخيمة عاجزاً عن ستر الخصوصية، فإنه أكثر عجزاً عن إيواء الأجساد المثقلة بالجراح والعاهات. داخل هذه العلب القماشية الضيقة، يمتزج أنين الجوع بألم الإصابات؛ فآلاف الجرحى ومبتوري الأطراف يتقلبون على أرض المخيم الخشنة، بلا مسكنات تُخفف وطأة بترٍ، ولا معابر مفتوحة تمنحهم أملاً في علاجٍ خارجي.
الانتظار هنا يتحول إلى تعذيب بيولوجي يومي؛ حيث تنهش الأوبئة الأجساد المنهكة، وتئن الأمعاء الخاوية أمام طوابير التكايا وشُح المياه، ليصبح الجوع والعجز سلاحين إضافيين يحولان خيام اللجوء إلى زنازين موت بطيء.
ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تكتسي هذه المعاناة أبعاداً لوجستية وإنسانية أكثر تعقيداً؛ فبينما يحيي المسلمون حول العالم شعائر العيد ونحر الأضاحي، يواجه النازحون في غزة غياباً شبه تام للمواشي ولحوم الأضاحي بسبب الحصار الممتد وشُح السلع الحاد. ورغم هذا الحرمان المادي، توثق التقارير الميدانية تمسك السكان المحليين بإقامة الشعائر الدينية؛ إذ يصر النازحون على رفع تكبيرات العيد من داخل الخيام وعلى أنقاض المنازل، وتنظيم صلوات جماعية في الساحات المفتوحة. هذا التمسك بإظهار البهجة وصناعة الفرح للأطفال هو عبادة وأداة من أدوات المقاومة النفسية والاجتماعية في مواجهة سياسات التهجير، ومحاولات سحق الحياة اليومية في القطاع.
وهذه الزنازين القماشية فوق الأرض التي يغيب عنها العيد، تضاهي في قسوتها وتجريدها للإنسان تلك الزنازين المظلمة التي يقبع في عتمتها آلاف الأسرى والمختطفين من أبناء غزة.
هناك، وراء القضبان، يمتد “الانتظار اللامتناهي” إلى عمق السجون الإسرائيلية، حيث يعيش الأسرى فصلاً آخر من التنكيل المغيب عن عيون العالم؛ يُحرمون من أبسط الحقوق الآدمية، ويواجهون سياسات التجويع الممنهج والإهمال الطبي المتعمد الذي يحول أجسادهم إلى هياكل واهنة، تماماً كأجساد أطفالهم في المخيمات.
إنها وحدة الوجع والانتظار؛ فبينما تنتظر العائلة خلف قماش الخيمة كسرة خبز أو خبراً عن مفقود، ينتظر الأسير في عتمة زنزانته شعاع ضوء أو التفاتة من ضمير دولي مات منذ زمن، ليصبح الغزاوي مكبلاً بالمعاناة أينما وُجد: أسيراً خلف الجدران، أو نزيلاً في خيمة مستباحة.





اترك تعليقاً