تواجه أزمة اللاجئين الروهينجا في بنغلادش مرحلة أكثر تعقيدًا مع تراجع الاهتمام الدولي وانخفاض التمويل الإنساني، في وقت تستمر فيه موجات النزوح من ميانمار، وتتفاقم الأوضاع الإنسانية داخل المخيمات المكتظة في منطقة كوكس بازار، التي تؤوي أكثر من 1.2 مليون لاجئ.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة The Daily Star، فإن حكومة حزب BNP الجديدة ورثت واحدة من أعقد القضايا الإنسانية والدبلوماسية في تاريخ البلاد، بينما تحول تركيز المجتمع الدولي نحو الأزمات في الشرق الأوسط وأوكرانيا، الأمر الذي انعكس سلبًا على حجم المساعدات المخصصة للاجئين الروهينغا.
تدفق مستمر للاجئين
ووفقًا لمفوض الإغاثة وإعادة اللاجئين في بنغلادش ميزانور رحمن، فإن التقارير تشير إلى دخول ما بين 50 و60 لاجئًا جديدًا أسبوعيًا عبر الحدود مع ميانمار، بينما عبر نحو 200 ألف شخص إلى بنغلادش خلال العامين الماضيين.
كما تشهد المخيمات نموًا سكانيًا متواصلًا، إذ يولد فيها نحو 30 ألف طفل سنويًا، مما يزيد الضغط على الخدمات الأساسية والبنية التحتية المحدودة.
الأمطار الموسمية تكشف هشاشة المخيمات
وتزامنت الأزمة مع هطول الأمطار الموسمية الغزيرة، التي تسببت خلال الفترة بين 4 و14 يوليو/تموز في انهيارات أرضية وفيضانات وعواصف أودت بحياة 15 لاجئًا وأصابت 22 آخرين، كما أجبرت أكثر من 13 ألف شخص على النزوح داخل المخيمات، وأثرت على قرابة 53 ألف لاجئ، بحسب منصة تنسيق شؤون الروهينجا.
وتعكس هذه الأرقام هشاشة الأوضاع المعيشية في المخيمات التي تعاني أصلًا من الاكتظاظ وضعف البنية التحتية.
أزمة تمويل تهدد الخدمات
وتواجه خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 عجزًا ماليًا كبيرًا، إذ طلبت الأمم المتحدة وشركاؤها 710.5 ملايين دولار لتغطية الاحتياجات الأساسية، مقارنة بـ965 مليون دولار في العام السابق، في مؤشر واضح على تراجع التزام المانحين.
وقد دفع هذا النقص برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص المساعدات الغذائية لنحو ثلثي اللاجئين منذ أبريل/نيسان، لتصل قيمة الحصص الشهرية لبعضهم إلى 7 دولارات فقط.
كما اضطرت وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج التعليم والرعاية الصحية والصرف الصحي، والاستغناء عن آلاف المتطوعين العاملين داخل المخيمات، فضلاً عن تعليق برامج تدريب الشباب وتنمية المهارات.
مخاوف أمنية متزايدة
ويرى مسؤولون محليون أن استمرار الأزمة دون حلول دائمة ساهم في تنامي مشكلات التهريب والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة على الحدود بين بنغلادش وميانمار، بالتزامن مع استمرار القتال بين الجيش الميانماري وجيش أراكان الذي يسيطر على معظم ولاية راخين.
كما حذرت منظمات المجتمع المدني من تصاعد حالة الإحباط بين الشباب الروهينجا نتيجة غياب فرص التعليم والعمل، الأمر الذي قد يزيد من التوترات داخل المخيمات.
تعثر جهود العودة
ورغم المبادرات الدبلوماسية المتكررة، بما في ذلك الوساطة الصينية بين بنغلادش وميانمار، لم يعد أي لاجئ روهينجي إلى بلاده منذ موجة النزوح الكبرى عام 2017.
وزادت الحرب الأهلية في ميانمار من تعقيد الملف، خاصة مع سيطرة جيش أراكان على نحو 90% من ولاية راخين، في حين تشير تقارير حديثة إلى استعادة الجيش الميانماري السيطرة على بعض المناطق بعد الانتخابات التي أجريت في وقت سابق من هذا العام.
لجنة وطنية لإعداد استراتيجية جديدة
وفي محاولة لإيجاد رؤية شاملة، أعلنت حكومة بنغلادش في 13 يوليو/تموز تشكيل لجنة وطنية رفيعة المستوى تضم 11 عضوًا، برئاسة رئيس الوزراء طارق رحمن، لإعداد استراتيجية وطنية لقضية الروهينجا خلال 90 يومًا.
وتضم اللجنة وزراء الخارجية والداخلية والمالية والدفاع، إلى جانب كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين، وهو ما اعتبره خبراء مؤشرًا على أن الحكومة تنظر إلى الأزمة باعتبارها قضية أمن قومي.
إلا أن باحثين دعوا إلى توسيع نطاق المقاربة، مؤكدين أن أزمة الروهينجا ليست أمنية فحسب، بل هي أيضًا قضية إنسانية ودبلوماسية تتطلب إشراك وزارة الخارجية، والأوساط الأكاديمية، ومنظمات المجتمع المدني، وحتى ممثلين عن اللاجئين أنفسهم.
ويرى محللون أن نجاح أي استراتيجية مستقبلية سيظل مرهونًا بقدرة بنغلادش على حشد دعم دولي جديد، والضغط من أجل تهيئة ظروف آمنة لعودة الروهينجا إلى ميانمار، في وقت تتراجع فيه الأولوية الدولية لهذه الأزمة الإنسانية الممتدة منذ سنوات.





اترك تعليقاً