سيام (تايلاند): السوط الذي ينهش الفطّانيين

Thailand 2647 Biel Calderon 23 Feb 2016 5

بعد سريان آثار «المعاهدة الإنجلو-سيامية» على أرض الواقع، ثم وصول القوميين إلى السلطة وتغيير اسم البلاد رسمياً إلى «تايلاند»، تفرغت سيام بكل طاقتها لتنفيذ عملية تجريفية للهوية الفطانية عبر سياسة «التسييم» القسري؛ وهي السياسة التي لم تترك مجالاً من المجالات إلا والتوت عليه لتلتهمه بحظرٍ وقمع.

إذ عاش الوسط الديني والاجتماعي حالةً من الهجوم الشرس؛ فالمساجدُ أُغلقت، والدعوةُ والتبليغُ مُنعت، والمعابدُ والطقوسُ البوذيةُ فُرضت، والوظائفُ الحكوميةُ والعموميةُ قُيِّدت، والأزياءُ والعاداتُ والأسماءُ واللغةُ السياميةُ على الجميع أُجبرت.

وفي سبيل هذا التذويب، منَّت الحكومة السيامية مواطنيها بالاستقرار بفطاني، وبذلت لهم الامتيازات بسخاء؛ فنقلتهم مع عائلاتهم ووظائفهم إلى أراضي السلطنة، ووفرت لهم من التسهيلات الحياتية والدعم المالي ما لم يحلم به السكان الأصليون قط.

ولم يكن تنظيم هذه الهجرة الموجهة مجرد تدفقٍ سكاني عابر، بل كانت وراءه غاياتٌ استراتيجية خبيثة؛ تتراوح بين تغيير الهندسة الديمغرافية للإقليم عبر تقليص النسبة السكانية للمسلمين لصالح الغالبية البوذية الوافدة، وبين زرع هؤلاء الاستيطانيين كشبكات تجسسية أمنية داخل المجتمع الفطاني، بل واستخدامهم كخط دفاعٍ أمامي ودروعٍ بشرية في حال اندلاع أي اشتباكات أو انتفاضات.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد كانت سياسة الإفقار الممنهج هي الجندي الأمامي في هذه المعركة؛ تطبيقا لقاعدة المستعمرين الطغاة: «التفقير أول أبواب الإخضاع». حيث سيطر الوافدون البوذيون على أجود الأراضي الزراعية وأخصبها، بينما فُرضت على الفطاني المسلم أثقل الضرائب وأقساها.

وبما أن المُستهدف الأول والأخير في هذه الحملات الشاملة هو مُسلمٌ، علمت السلطات أن خصمها عزيزٌ لا يخنع؛ لذا فلم تقف فاشيةُ سيام عند هذا الحد، بل لجأت إلى نشر الفرقة بين العلماء بإشغالهم بالخلافات المذهبية، وحظرت ورود المسلمين غير الفطانيين إلى الإقليم، وأنشأت المعابد البوذية في كل الأروقة لتزييف جغرافية المكان وإيهام العالم بأنه إقليمٌ بوذي لا إسلامي، وحرّفت ترجمات معاني الآيات والأحاديث إلى اللغة التايلاندية.

وهل اكتفت بذلك؟ الجواب حتماً هو لا؛ فقد حاولت نشر الفساد بإقامة الملاهي الليلية وفرض تعليم الرقص في المدارس، كما ألزمت الحُجاج بالمرور عبر «بانكوك»، لتمريرهم قسراً عبر المعسكرات الحربية والسجون والمعتقلات ومراكز التعذيب لترهيبهم وإحباط معنوياتهم.
بل وذهبت بعيداً حين استقدمت عدداً من المدرسين اليهود من فلسطين لبث الكراهية ضد العرب والمسلمين، في محاولة خبيثة لقطع أي معونة أو تعاطف قد يصل الإقليم من العالم الإسلامي.

وكان ملفُ التعليم هو القشة التي قسمت ظهر البعير؛ فإثر إلغاء التعليم الإسلامي في المساجد وحظر المدارس الملايوية، أُلزم التلاميذُ الفطانيون بدراسة العقائد والطقوس البوذية داخل المدارس الحكومية السيامية. وهو ما أدّى إلى حالةٍ من العصيان المدني الديني؛ حيث اضطر الآباءُ إلى حَجْرِ أبنائِهم ومنعِهم من الذهاب إلى المدارس حمايةً لعقيدتهم وفطرتهم.

وبالتوازي مع هذا الاختناق السريري الذي تسرب لكل الأصعدة، كانت عملية تلفيق تهمة إيواء العصابات أو المتمردين والتلويح بها بارزة جداً، إذ الشرطة السيامية — ودون أدنى محاكمة — تتخذ قرارات حرق القرى الآمنة، وابتزاز أهل الطبقة المتوسطة من أصحاب الحوانيت بتحصيل أموالٍ قسرية منهم تحت مسمى «مال الحماية».

وأشد من ذلك أنهم كانوا يتهجمون على البيوت فيضربون نساءها، وبالرصاص يرمون أبرياءها، ومن غير أي صدىً يُخفونهم. فالصوتُ هنا جريمة، والنقد يُعد «كلاماً ضاراً»؛ لم يقابلوه حتى بكلامٍ نافعٍ يوازيه حسب زعمهم، بل بفعلٍ استئصاليٍّ لحياتهم.

ملاحظة: هذا التقرير الثاني من سلسلة تقارير تتحدث عن الشعب الفطاني.

لقراءة التقرير الأول: اضغط هنا.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *