سربرنيتسا.. جرح البوسنة وذاكرة الإبادة في قلب أوروبا

image 13

في الحادي عشر من يوليو/تموز عام 1995م، الموافق الثاني عشر من صفر عام 1416هـ، شهدت أوروبا واحدة من أكثر الجرائم الجماعية دموية في تاريخها الحديث؛ حين سقطت مدينة سربرنيتسا شرق البوسنة والهرسك بيد قوات صرب البوسنة خلال الحرب البوسنية، لتبدأ مأساة عُرفت لاحقًا بأنها إحدى أسوأ جرائم الإبادة الجماعية بعد الحرب العالمية الثانية.

لم تكن مأساة سربرنيتسا حادثة معزولة، بل كانت ذروة لحرب مدمرة اندلعت في البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و1995، شهدت خلالها البلاد عمليات قتل وتهجير وتدمير ممنهج استهدفت بصورة واسعة السكان البوشناق المسلمين، ضمن مشروع قائم على التطهير العرقي وتغيير التركيبة السكانية للمناطق المتنازع عليها.

حرب لم تستهدف البشر فقط.. بل استهدفت الذاكرة

photo 2026 07 11 16 24 07

لم يقتصر الدمار في البوسنة على قتل المدنيين وتهجيرهم، بل امتد إلى محاولة محو التاريخ والثقافة.

ففي 25 أغسطس/آب 1992، تعرضت المكتبة الوطنية والجامعية في سراييفو للقصف، ما أدى إلى احتراق أكثر من مليون كتاب، إضافة إلى مخطوطات ووثائق تاريخية نادرة تمثل قرونًا من تراث البوسنة.

ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة؛ فقد تعرض المعهد الشرقي في سراييفو، الذي احتوى على واحدة من أهم مجموعات المخطوطات الإسلامية في البلقان، للقصف، وفُقدت آلاف المخطوطات المكتوبة بالعربية والفارسية والتركية العثمانية والبوسنية بالحروف العربية.

كما تعرضت مساجد تاريخية كثيرة للتدمير، خصوصًا في مناطق لم تكن تشهد معارك مباشرة، ما جعل عمليات استهداف التراث الديني والثقافي جزءًا من مأساة أوسع طالت هوية المجتمع البوسني.

مأساة إنسانية واسعة

خلال سنوات الحرب، قُتل أكثر من مئة ألف شخص، ونزح مئات الآلاف من منازلهم، بينما تعرض عدد كبير من المدنيين لانتهاكات خطيرة.

كما أنشئت مئات معسكرات الاعتقال التي احتُجز فيها مدنيون من الرجال والنساء والأطفال، وشهدت تلك المعسكرات ظروفًا قاسية وعمليات تعذيب وقتل، وفق ما وثقته التحقيقات والمحاكم الدولية.

وكانت قضية المفقودين واحدة من أكثر الجروح استمرارًا؛ إذ أُبلغ عن اختفاء عشرات الآلاف خلال الحرب، ولا تزال عمليات البحث عن الرفات والتعرف على هوية الضحايا مستمرة حتى اليوم.

سربرنيتسا.. المنطقة الآمنة التي لم تُحمَ

برزت مأساة سربرنيتسا بوصفها أكثر فصول الحرب البوسنية قسوة.

ففي عام 1993 أعلنت الأمم المتحدة المدينة “منطقة آمنة” يفترض أن تكون تحت حماية القوات الدولية، بعد أن أصبحت ملاذًا لآلاف المدنيين الفارين من الحرب.

لكن في يوليو/تموز 1995، تمكنت قوات صرب البوسنة بقيادة راتكو ملاديتش من دخول المدينة، بينما عجزت القوات الدولية الموجودة هناك عن منع وقوع الكارثة.

بعد السيطرة على المدينة، جرى فصل الرجال والفتيان عن النساء والأطفال، ثم بدأت عمليات قتل جماعي راح ضحيتها أكثر من 8 آلاف مسلم بوسني، معظمهم من الرجال والفتيان.

ودُفنت جثث الضحايا في مقابر جماعية، ثم نُقلت لاحقًا في عمليات منظمة إلى مقابر أخرى بهدف إخفاء حجم الجريمة، وهو ما جعل عمليات البحث والتعرف على الضحايا تستمر لسنوات طويلة.

سربرنيتسا أمام ضمير العالم

photo 2026 07 11 16 24 13

أصبحت سربرنيتسا رمزًا لفشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين، إذ وقعت المجزرة رغم وجود قوات تابعة للأمم المتحدة في المنطقة.

وأثارت الحادثة أسئلة كبرى حول مسؤولية القوى الدولية عندما تعلن حماية منطقة ما ثم تعجز عن منع وقوع كارثة فيها.

وقد أدانت المحاكم الدولية لاحقًا عددًا من المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال حرب البوسنة، وصنفت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ما حدث في سربرنيتسا بأنه إبادة جماعية.

بين نورمبرغ ولاهاي.. جدل العدالة

photo 2026 07 11 16 24 10

أثارت طريقة محاكمة بعض المتورطين في جرائم البوسنة نقاشًا واسعًا حول مفهوم العدالة الدولية.

فبينما أصبحت محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية رمزًا لمحاكمة قادة النظام النازي، رأى كثير من الضحايا أن مسار العدالة الدولية في يوغوسلافيا السابقة كان بطيئًا ولم يحقق دائمًا الشعور الكامل بالإنصاف.

يقول د. صفوت مصطفى خليلوفيتش في هذا الشأن: “كل من تابع إحدى جلسات محاكمات جرائم الحرب في البوسنة والهرسك (مثل محاكمة سلوبودان ميلوشيفيتش وغيره من المجرمين الصرب) يستطيع أن يقتنع بذلك بسهولة. وللتوضيح، يكفي ذكر المثالين التاليين من عمل المحكمة:

المثال الأول: وفقًا لحكم المحكمة في لاهاي، فإن المجرم دراشين إرديموفيتش Dražen Erdemović ، الذي اعترف بأنه قتل بوحشية سبعين بوشناقيًا، بينهم نساء وأطفال، حُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات، مع احتساب مدة الإجراءات القضائية التي استمرت عدة سنوات ضمن العقوبة. وقال القاضي الذي تلا الحكم على إرديموفيتش إن المتهم أظهر أثناء فترة محاكمته “تعاونًا كبيرًا وحسن سلوك”، ولذلك (ربما بسبب هذا “العمل الإيجابي”) تم تخفيض العقوبة أكثر. وأوضح القاضي المذكور: “بعد قضاء مدة العقوبة، سيكون إرديموفيتش لا يزال شابًا بما يكفي لبدء حياة جديدة!”

المثال الثاني: كما تكشف قضية بيليانا بلاشسيتش Biljana Plavšić طبيعة العدالة التي تقدمها المحكمة الدولية في لاهاي. فمن المعروف أنها شغلت أعلى المناصب في الحياة العامة والسياسية لما يسمى بـ”جمهورية صربسكا” في الفترة التي كان فيها الجيش الصربي ـ الشيتنيكي ينفذ بشكل منهجي عملية إبادة جماعية ضد البوشناق. ولهذا السبب، كان ينبغي أن تكون مسؤوليتها عن تلك الإبادة الجماعية موضع اهتمام المحكمة بشكل خاص. إلا أنه بعد وصولها إلى لاهاي واعترافها بأنها “اضطهدت السكان غير الصرب ـ وأنها تأسف لذلك(!)”، قامت المحكمة بإعفائها من تهمة الإبادة الجماعية ومن العديد من التهم الأخرى، وحكمت عليها بالسجن لمدة إحدى عشرة سنة فقط.

وبعد ذلك، أقامت بلافسيتش في سجن فاخر في السويد، حيث أفادت بعض وسائل الإعلام بأن إدارة السجن كانت تقدم لها كعكة بمناسبة عيد ميلادها(!). ولهذا السبب، فإن مقارنة لاهاي بنورمبرغ لا معنى لها، بأقل تقدير. فالفرق بينهما ليس واضحًا فحسب، بل هو أشبه بالفرق بين السماء والأرض”.

ذاكرة لا تموت

بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا تزال سربرنيتسا حاضرة في ذاكرة البوسنة والعالم. ففي كل عام، تُقام مراسم دفن جديدة لضحايا يتم التعرف على رفاتهم بعد العثور عليها في المقابر الجماعية.

ولا تمثل ذكرى سربرنيتسا مأساة شعب واحد فقط، بل أصبحت درسًا عالميًا حول خطورة إهمال خطاب معاداة الإسلام الذي يمكن أن يتحول إلى سياسات إبادة عرقية.

تبقى سربرنيتسا واحدة من أكثر الصفحات ألمًا في تاريخ أوروبا الحديث؛ لأنها لم تكن مجرد نتيجة حرب، بل كانت مثالًا على ما يمكن أن يحدث عندما تُترك الكراهية دون مواجهة، وعندما يفشل العالم في حماية المدنيين في اللحظة التي يكونون فيها بأمسّ الحاجة إلى الحماية.

إن استحضار هذه الذكرى مهم لحماية المستقبل؛ فمعرفة كيف وقعت المأساة هي الخطوة الأولى لمنع تكرارها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *