تشهد طرق الهجرة غير النظامية نحو أوروبا مفارقة لافتة خلال عام 2026: انخفاض أعداد المهاجرين الذين يصلون إلى القارة، مقابل ارتفاع أعداد الذين يفقدون حياتهم أثناء الرحلة. ووفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، لم تعد قلة العابرين تعني بالضرورة أن الطرق أصبحت أكثر أمانًا، بل تشير الأرقام إلى أن الرحلات باتت أكثر خطورة وقسوة.
1,570 وفاة خلال ستة أشهر

أظهرت بيانات مشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة أن 1,570 شخصًا لقوا حتفهم خلال النصف الأول من عام 2026 أثناء محاولتهم الوصول إلى السواحل الأوروبية عبر البحر، بزيادة قدرها 27% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، عندما سُجلت 1,232 وفاة.
ويأتي ارتفاع الوفيات في وقت تراجعت فيه أعداد الوافدين غير النظاميين إلى الاتحاد الأوروبي. فقد سجلت وكالة حرس الحدود الأوروبية “فرونتكس” العام الماضي أدنى مستوى للعبور غير النظامي منذ عام 2021، بأقل من 178 ألف حالة دخول، كما استمر الانخفاض خلال عام 2026، حيث تراجعت الأعداد خلال الأشهر الأولى بنحو 40% مقارنة بالعام السابق.
لكن هذه الأرقام تكشف أن تشديد الرقابة وتقليل أعداد المهاجرين لم يؤديا إلى جعل الرحلات أكثر أمانًا، بل ربما دفعا بعض طرق العبور إلى مناطق أكثر خطورة وأقل مراقبة.
طرق جديدة أكثر خطورة
تشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن جميع المسارات البحرية الرئيسية نحو أوروبا أصبحت أكثر خطورة، سواء في شرق المتوسط أو وسطه أو غربه.
وكان المسار الأكثر دموية هو وسط البحر المتوسط، حيث ارتفعت الوفيات بنسبة 57%، بينما تضاعف عدد الضحايا في شرق المتوسط من 120 إلى 320 حالة، نتيجة زيادة الرحلات من شرق ليبيا باتجاه جزيرة كريت اليونانية.
وتوضح المنظمة أن هذه الرحلات أصبحت أكثر خطورة بسبب استخدام قوارب غير مناسبة، وازدحامها الشديد، إضافة إلى ضعف عمليات البحث والإنقاذ في بعض المناطق الجديدة.
كما شهد طريق المحيط الأطلسي المؤدي إلى جزر الكناري الإسبانية ارتفاعًا في نسبة الوفيات، رغم انخفاض عدد الوافدين عبره بشكل كبير، إذ أصبح المهاجرون ينطلقون من مناطق أبعد جنوبًا مثل غامبيا بدلًا من المغرب وموريتانيا، ما يجعل الرحلة تمتد لأكثر من أسبوعين في البحر.
وفيات “غير مرئية” لا تظهر في الإحصاءات
لا تقتصر الأزمة على الأرقام المسجلة، إذ تحذر المنظمة الدولية للهجرة من أن العدد الحقيقي للوفيات قد يكون أكبر بكثير بسبب ما وصفته بـ”الوفيات غير المرئية”.
فالكثير من القوارب تختفي في البحر دون أن يتم العثور عليها، كما أن تراجع عمليات البحث والإنقاذ وصعوبة الوصول إلى البيانات يجعل من الصعب توثيق جميع الضحايا.
وتشير المنظمة إلى أن أكثر من 1,500 شخص أُبلغ عن فقدانهم في البحر خلال العام الماضي، لكن لم يتم التحقق من حالاتهم رسميًا، ولذلك لم تدخل ضمن حصيلة الوفيات المؤكدة.
كما أن نحو ثلثي المهاجرين الذين يموتون في طرق الهجرة البحرية لا يتم العثور على جثامينهم، ما يترك آلاف العائلات في حالة انتظار لمعرفة مصير أقاربها.
أزمة إنسانية تمتد إلى العائلات
لا تنتهي مأساة الهجرة عند فقدان الأرواح، بل تمتد إلى أسر المفقودين التي تعيش سنوات من البحث والانتظار. وتقدر المنظمة الدولية للهجرة أن نحو 340 ألف فرد من العائلات حول العالم تأثروا بشكل مباشر بحالات الوفاة المسجلة أثناء رحلات الهجرة.
ومنذ تأسيس مشروع “المهاجرين المفقودين” عام 2014، تم تسجيل نحو 84 ألف وفاة أو اختفاء حول العالم، نصفها تقريبًا في طرق الهجرة المؤدية إلى أوروبا، فيما يبقى وسط البحر المتوسط أخطر هذه الطرق، إذ سجل قرابة 27 ألف وفاة واختفاء.
لماذا تستمر الهجرة رغم المخاطر؟
ترى المنظمة الدولية للهجرة أن أسباب استمرار الهجرة لا ترتبط فقط بسياسات أوروبا، بل بمجموعة عوامل في دول المنشأ والعبور، منها:
- الحروب والنزاعات المسلحة.
- الفقر وضعف فرص العمل.
- التغير المناخي والكوارث الطبيعية.
- عدم الاستقرار السياسي والأمني.
- صعوبة الحصول على مسارات هجرة قانونية.
وتؤكد المنظمة أن تشديد الإجراءات وحده لا يعالج المشكلة، لأن المهاجرين الذين يبحثون عن الأمان أو فرص أفضل قد يلجؤون إلى طرق أكثر خطورة عندما تغلق أمامهم الخيارات القانونية.
أوروبا بين ضبط الحدود والبعد الإنساني
رغم انخفاض أعداد المهاجرين غير النظاميين، فإن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في أوروبا استقر خلال عام 2025 عند نحو 9.6 ملايين شخص في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، بعد عقد من الارتفاع المستمر.
وتكشف التطورات أن أوروبا تواجه معادلة صعبة: حماية حدودها وتنظيم الهجرة من جهة، ومنع تحول طرق الهجرة إلى مقابر بحرية من جهة أخرى.
تكشف أرقام عام 2026 أن أزمة الهجرة إلى أوروبا لم تختفِ، بل تغير شكلها؛ فعدد أقل من الناس يصلون، لكن نسبة أكبر منهم يدفعون حياتهم ثمنًا للوصول. وبينما تحاول الدول الأوروبية تقليل الهجرة غير النظامية، يبقى التحدي الأكبر هو منع انتقال المهاجرين إلى طرق أكثر خطورة بعيدًا عن أعين أيادي الإغاثة والإنقاذ.





اترك تعليقاً