تتصاعد داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية دعوات لإعادة إنشاء مستوطنات إسرائيلية في قطاع غزة، في خطوة يرى مراقبون أنها تمثل تحولًا في أهداف الحرب من العمليات العسكرية إلى فرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد داخل القطاع، وسط تحذيرات من أن مثل هذه الخطط ستقوض أي أفق لتسوية سياسية مستقبلية.
تصريحات تعيد ملف الاستيطان إلى الواجهة
أعاد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ملف الاستيطان في غزة إلى الواجهة عندما كشف أن وزارته أعدت خططًا لإنشاء ثلاث مستوطنات في شمال القطاع، مشيرًا إلى أن تنفيذها ينتظر موافقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ولم يستبعد نتنياهو هذه الخطوة، إذ امتنع في مقابلة تلفزيونية عن نفي إمكانية إقامة مستوطنات جديدة، مكتفيًا بالقول إنه يفضل “العمل بدل الحديث”، وهو ما اعتبره محللون إشارة إلى أن الفكرة أصبحت مطروحة داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلية.
استغلال الدمار لفرض واقع جديد
يرى مراقبون أن الدمار الواسع الذي لحق بشمال قطاع غزة خلال الحرب، وما رافقه من تهجير واسع للسكان، أوجد بيئة يسعى تيار اليمين الاستيطاني إلى استغلالها لإعادة المشروع الاستيطاني الذي أزيل عام 2005 خلال خطة الانسحاب الإسرائيلي من القطاع.
ويعتبر أنصار الاستيطان أن إقامة مستوطنات جديدة ستوفر “منطقة عازلة” تفصل بين غزة والأراضي المحتلة، بينما يرى منتقدو الفكرة أنها تمثل محاولة لتكريس احتلال طويل الأمد وتغيير التركيبة السكانية للقطاع.
مشروع يتجاوز الاعتبارات الأمنية
ويشير محللون إلى أن الدعوات الحالية لا ترتبط فقط باعتبارات أمنية، بل تعكس مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا تتبناه قوى اليمين الديني والقومي داخل كيان الاحتلال، والذي ينظر إلى إعادة الاستيطان باعتباره امتدادًا لمشروعها في الضفة الغربية.
ويؤكد خبراء أن السنوات الماضية شهدت توسعًا غير مسبوق في الاستيطان بالضفة الغربية، إلى جانب تعزيز نفوذ التيار الاستيطاني داخل مؤسسات الدولة، وهو ما جعل فكرة إعادة الاستيطان في غزة أكثر حضورًا في الخطاب السياسي الإسرائيلي مقارنة بالسنوات السابقة.
حسابات انتخابية
ويرى محللون أن طرح ملف الاستيطان في غزة يأتي أيضًا في سياق المنافسة داخل معسكر اليمين الإسرائيلي، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يسعى قادة الأحزاب اليمينية إلى استقطاب القاعدة المؤيدة للاستيطان عبر تبني مواقف أكثر تشددًا تجاه القطاع.
كما يربط بعض المراقبين هذه التصريحات بالأزمة السياسية الداخلية التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في ظل استمرار محاكمته في قضايا فساد، وما يحيط بحكومته من انتقادات بشأن إدارة الحرب.
الموقف الأمريكي والدعم الغربي
ويرى خبراء أن الموقف الأمريكي والدعم الغربي للاحتلال الإسرائيلي سيبقيان عاملين حاسمين في تحديد مدى إمكانية انتقال هذه الخطط من مرحلة التصريحات إلى التنفيذ، خاصة في ظل الضغوط الدولية المرتبطة بالحرب في غزة. وفي المقابل، يشير محللون إلى أن ردود الفعل الدولية على التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة اقتصرت في معظمها على الإدانات السياسية دون إجراءات عملية مؤثرة، الأمر الذي يُفقد الثقة بقدرة المجتمع الدولي على منع تكرار السيناريو نفسه في قطاع غزة إذا اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارًا بالمضي في المشروع.
مستقبل غامض
ويرى مراقبون أن إعادة طرح مشروع الاستيطان في غزة تعكس تحولًا في الخطاب السياسي الإسرائيلي من إدارة الحرب إلى رسم ملامح اليوم التالي لها. وبينما لا تزال هذه الخطط في إطار التصريحات والاستعدادات، فإن مجرد تداولها على أعلى المستويات الحكومية يعكس استمرار الجدل داخل كيان الاحتلال حول مستقبل القطاع، ويثير مخاوف من أن تؤدي أي خطوات عملية في هذا الاتجاه إلى تعميق أزمة القطاع المحاصر منذ سنوات، ويُقتل المدنيون فيه بشكل مستمر دون أدنى إنكار دولي أو وصم القاتل الإسرائيلي بالإرهاب.





اترك تعليقاً