خريطة مسلمي البلقان.. شعوب إسلامية عريقة في قلب أوروبا

2 71 730x438 1

حين يُذكر الإسلام في أوروبا، تتجه الأنظار غالبًا إلى الجاليات المهاجرة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا. غير أن جنوب شرقي القارة الأوروبية يقدم صورة مختلفة تمامًا؛ ففي البلقان توجد مجتمعات مسلمة أوروبية الأصل ومتجذرة في المنطقة منذ قرون، وبعضها يشكل أغلبية سكان دول كاملة.

من سراييفو وبريشتينا إلى تيرانا وسكوبيه، ومن السنجق في صربيا والجبل الأسود إلى رودوبي في بلغاريا وتراقيا الغربية في اليونان، تمتد خريطة إسلامية شديدة التنوع، تضم البوشناق والألبان والأتراك والبوماك والغوراني والتوربيش وغيرهم.

وهؤلاء ليسوا في معظمهم نتاج موجات الهجرة الحديثة إلى أوروبا. ويشير مركز Pew إلى أن غالبية المسلمين في ألبانيا وكوسوفو والبوسنة والهرسك وبلغاريا ينتمون إلى جماعات مسلمة ضاربة الجذور في أوروبا منذ قرون.

كيف تشكلت الخريطة الإسلامية للبلقان؟

يرتبط الانتشار الواسع للإسلام في البلقان بصورة رئيسية بالوجود العثماني الذي امتد في أجزاء واسعة من المنطقة لقرون. وخلال تلك الفترة أصبحت مدن مثل سراييفو وسكوبيه وبريزرن ونوفي بازار مراكز للحياة الإسلامية، وبُنيت فيها المساجد والمدارس والأسواق والأوقاف.

لكن انهيار الحكم العثماني لم يُنه الوجود الإسلامي.

بقيت شعوب ومجتمعات مسلمة كبيرة داخل الدول التي نشأت في المنطقة، ثم مرت خلال القرن العشرين بتجارب شديدة الاختلاف: الحكم الملكي، والأنظمة الشيوعية، ويوغوسلافيا، والحروب القومية، وصولًا إلى دول البلقان الحالية.

ولهذا فإن الحديث عن «مسلمي البلقان» لا يعني شعبًا واحدًا أو قومية واحدة، وإنما فسيفساء من الشعوب التي يجمع بينها الإسلام مع اختلاف اللغة والهوية والتاريخ السياسي.

كوسوفو.. أكبر تركّز مسلم

تمثل كوسوفو أوضح حالة في الخريطة المعاصرة؛ إذ يشكل المسلمون الأغلبية الساحقة من السكان.

وتظهر بيانات تعداد كوسوفو لعام 2024 أن الإسلام ما يزال الديانة المهيمنة بفارق كبير، مع وجود مجتمعات مسيحية أرثوذكسية وكاثوليكية. ويجب الانتباه عند قراءة أرقام التعداد إلى انخفاض المشاركة في أربع بلديات شمالية ذات أغلبية صربية، وهو ما دفع وكالة الإحصاء إلى إجراء تقديرات خاصة بها. Ask Data

وغالبية المسلمين من الألبان، إلى جانب البوشناق والأتراك والغوراني ومجتمعات أخرى.

وتبرز بريشتينا وبريزرن مركزين رئيسيين للحياة الإسلامية، ولا تزال المساجد العثمانية جزءًا واضحًا من المشهد العمراني للبلاد.

ألبانيا.. الإسلام والهوية بعد عقود من الإلحاد الرسمي

تختلف التجربة الألبانية جذريًا.

فألبانيا إحدى الدول الأوروبية التي يشكل المسلمون فيها أكبر مكوّن ديني، لكن المجتمع يتميز بدرجة عالية من العلمانية، كما أن الانتماء الإسلامي نفسه يتوزع أساسًا بين المسلمين السنة والمبتدعة.

وهذه نقطة مهمة في الخريطة: لا يصح اعتماد النسب القديمة التي كانت تضع المسلمين عند نحو 80% من السكان على أنها تصف ألبانيا الحالية؛ فالتركيبة الدينية التي أظهرتها التعدادات الحديثة أكثر تعقيدًا، مع ارتفاع أعداد من لا يعلنون انتماء دينيًا أو لا يجيبون عن السؤال.

البوسنة والهرسك.. البوشناق وقلب الإسلام البلقاني

أما البوسنة والهرسك فتحتل موقعًا خاصًا في التاريخ الإسلامي الأوروبي.

يشكل البوشناق المسلمون أحد المكونات القومية الرئيسية الثلاثة للبلاد إلى جانب الصرب والكروات، وتشكل سراييفو أحد أشهر المراكز الإسلامية في أوروبا.

وبحسب تعداد 2013، وهو آخر تعداد شامل للبلاد، عرّف نحو 50.7% من السكان أنفسهم بأنهم مسلمون.

ولا يمكن فصل التاريخ المعاصر لمسلمي البوسنة عن حرب 1992-1995 وما رافقها من تطهير عرقي وتهجير وقتل جماعي، وصولًا إلى الإبادة الجماعية في سربرنيتسا.

لكن اختزال البوشناق في ذاكرة الحرب وحدها سيكون خطأ؛ فهم مجتمع أوروبي مسلم ذو مؤسسات دينية وتعليمية وثقافية ممتدة، وللإسلام حضور ظاهر في هوية مدن وبلدات واسعة من البلاد.

مقدونيا الشمالية.. نحو ثلث السكان

في مقدونيا الشمالية توجد واحدة من أكبر الكتل المسلمة نسبيًا في البلقان.

وأظهر تعداد 2021 أن نحو 32% من السكان المقيمين عرّفوا أنفسهم بأنهم مسلمون.

ويتكون المجتمع المسلم أساسًا من الألبان، إلى جانب الأتراك والبوشناق والغجر المسلمين ومجموعات ناطقة بالسلافية.

وتتركز كثافة المسلمين خصوصًا في غرب وشمال غرب البلاد، وفي سكوبيه ومدن مثل تيتوفو وغوستيفار.

الجبل الأسود.. المسلمون بين البوشناق والألبان

يمثل المسلمون قرابة خُمس سكان الجبل الأسود وفق أحدث البيانات المتداولة المستندة إلى التعداد.

ويتركزون بصورة خاصة في المناطق الشمالية والشرقية، ومن أبرز تجمعاتهم روژاي وبلَاف وغوسينيي وأولسيني.

ويتكونون أساسًا من البوشناق والمسلمين ذوي الهوية القومية المسلمة والألبان.

وهنا يظهر أحد أهم ملامح البلقان: الحدود السياسية لا تطابق حدود المجتمعات المسلمة؛ فالبوشناق مثلًا يعيشون في البوسنة وصربيا والجبل الأسود وكوسوفو وغيرها.

صربيا.. السنجق قلب الوجود الإسلامي

المسلمون أقلية على مستوى صربيا كلها، لكن الرقم الوطني يخفي تركيزًا جغرافيًا شديد الوضوح.

وأهم مناطقهم السنجق في جنوب غربي البلاد، ولا سيما نوفي بازار وتوتين وسينيكا، حيث يشكل البوشناق المسلمون جزءًا كبيرًا أو أغلبية من السكان محليًا.

كما توجد مجتمعات ألبانية مسلمة في جنوب صربيا، خصوصًا في وادي بريشيفو.

بلغاريا.. أتراك وبوماك ومسلمون غجر

تمتلك بلغاريا مجتمعًا مسلمًا عريقًا يختلف في تكوينه عن غرب البلقان.

وفق تعداد 2021، بلغ عدد من عرّفوا أنفسهم بأنهم مسلمون نحو 639 ألفًا، أي قرابة 10% من السكان، مع ضرورة مراعاة وجود نسبة معتبرة ممن لم يحددوا ديانتهم. Wikipedia

ويتكون المسلمون بصورة رئيسية من الأتراك البلغاريين، إلى جانب المسلمين الناطقين بالبلغارية الذين يعرف كثير منهم باسم البوماك، إضافة إلى مسلمين من الغجر.

وتتركز التجمعات المسلمة في مناطق من الشمال الشرقي وجبال رودوبي وغيرها.

اليونان.. تراقيا الغربية حالة خاصة

المسلمون أقلية صغيرة على المستوى الوطني في اليونان، لكن تراقيا الغربية قرب الحدود التركية والبلغارية تمثل حالة مختلفة.

هناك يعيش مجتمع مسلم تاريخي يضم أتراكًا وبوماكًا وغجرًا مسلمين.

وتتميز هذه الأقلية بوضع قانوني خاص يعود إلى معاهدة لوزان لعام 1923، ولذلك ترتبط ملفاتها بقضايا التعليم الديني والأوقاف والمفتين والهوية وحقوق الأقلية.

رومانيا.. مسلمو دبروجة

يوجد في رومانيا مجتمع مسلم صغير لكنه تاريخي، يتركز أساسًا في منطقة دبروجة المطلة على البحر الأسود.

ويتكون تقليديًا من الأتراك والتتار، وترتبط جذوره بتاريخ المنطقة العثماني وتتار القرم.

ويتميز هذا المجتمع بأنه أقل عدديًا بكثير من المسلمين في البوسنة وكوسوفو وألبانيا وبلغاريا، لكنه يمثل أحد أقدم أشكال الوجود الإسلامي المستمر داخل رومانيا.

كرواتيا وسلوفينيا.. أقليات أصغر

توجد كذلك أقليات مسلمة في كرواتيا وسلوفينيا، تضم بوشناق وألبانًا وغيرهم، وأضيفت إليها خلال العقود الأخيرة هجرة من خارج البلقان.

وفي كرواتيا سجل تعداد 2021 نحو 51 ألف مسلم، أي 1.3% تقريبًا من السكان.

أما سلوفينيا فتضم مجتمعًا مسلمًا أصغر، يرتبط جزء كبير منه بالهجرة الداخلية التي جرت خلال الحقبة اليوغوسلافية.

ليست «جالية مهاجرة»

هذه ربما أهم حقيقة ينبغي أن تخرج بها خريطة مسلمي البلقان.

فحين يعيش مسلم في سراييفو أو بريزرن أو نوفي بازار أو قرية في جبال رودوبي، فإنه في حالات كثيرة لا ينتمي إلى «جالية وافدة» بالمعنى المعروف في غرب أوروبا.

إنه ابن مجتمع عاش في تلك الأرض منذ أجيال طويلة.

وتؤكد الدراسات الديموغرافية هذه الخصوصية؛ فمركز Pew يميز صراحة بين المجتمعات المسلمة القديمة في شرق وجنوب شرق أوروبا وبين القسم الأكبر من المجتمعات المسلمة في غرب أوروبا التي تشكلت أو توسعت نتيجة الهجرة الحديثة.

ولهذا تبدو خريطة الإسلام في أوروبا مختلفة تمامًا إذا انتقلنا شرقًا.

هناك دول ذات أغلبية أو كتلة مسلمة ضخمة مثل كوسوفو وألبانيا والبوسنة والهرسك، ودولة يقارب المسلمون فيها الثلث مثل مقدونيا الشمالية، وأخرى يمثلون فيها مجتمعًا كبيرًا مثل الجبل الأسود وبلغاريا، ثم أقاليم ذات كثافة مسلمة مرتفعة داخل دول يغلب عليها غير المسلمين، مثل السنجق وتراقيا الغربية.

إنها خريطة تكشف أن الإسلام ليس مجرد فصل حديث من تاريخ أوروبا، وإنما جزء أصيل من تاريخ البلقان نفسه، ومن شعوبه ومدنه ولغاته وذاكرته السياسية والثقافية. وتشير تقديرات Pew الأوسع إلى أن معظم المسلمين في روسيا وألبانيا وكوسوفو والبوسنة والهرسك وبلغاريا ينحدرون من مجتمعات إسلامية موجودة في أوروبا منذ قرون.

خريطة «وصل»

65db3bf5 be58 4389 a2f3 28903c2347f9

خريطة مسلمي البلقان
من سراييفو إلى بريزرن.. شعوب إسلامية عريقة في قلب أوروبا

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *