مع اقتراب الشتاء، لا تستقبل غزة المطر كما تستقبله سائر المدن؛ فهناك، خلف مشاهد الغيث التي اعتاد الناس أن يفرحوا بها، تقف آلاف العائلات الفلسطينية في خيام مهترئة، تخشى أن تتحول الأمطار إلى سيول تغمر ما تبقى لها من مأوى، وأن يصبح البرد ضيفًا ثقيلًا لا تملك لرده غطاءً ولا وسيلة تدفئة.
في غزة، لا تعني الأمطار دائمًا بشارة الخير؛ فقد تعني خيمة غارقة، وفراشًا مبتلًا، وطفلًا يرتجف طوال الليل، وأمًّا تحاول أن تحمي صغارها بأغطية لا ترد برد الشتاء، وأبًا يقف عاجزًا أمام مشهد بيته المؤقت وهو يتهاوى تحت وطأة الرياح والمياه.
إنها معاناة تتجاوز نقص المأوى إلى اختبار يومي لمعنى الحياة والكرامة؛ فأهل غزة الذين أنهكتهم الحرب والنزوح وفقد الأحبة، يجدون أنفسهم أمام مواجهة جديدة مع فصل الشتاء، بما يحمله من أمطار وبرد ورياح، في ظل أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة.
بين واجب الأخوة ومسؤولية النصرة
إن الوقوف مع أهل غزة ليس مجرد تعاطف عابر، ولا كلمات تُكتب في مواسم الحزن، بل هو واجب تفرضه أخوة الإسلام، وتؤكده النصوص الشرعية التي جعلت المؤمنين جسدًا واحدًا، يتألم بعضهم لألم بعض.
قال رسول الله ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» متفق عليه.
وقال ﷺ: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» متفق عليه.
وهذه الأخوة ليست شعورًا قلبيًّا فحسب، بل تترجم إلى بذل وعطاء، وإغاثة للمحتاج، وسعي في تفريج الكرب، ولا سيما حين يتعلق الأمر بأطفال ونساء وكبار سن يواجهون قسوة الشتاء في خيام لا تقيهم حرًّا ولا بردًا.
وقد حذّرت المنظمة الدولية للهجرة من أن نحو مليوني إنسان في غزة بحاجة إلى مساعدات إيواء، وأن الإمدادات الإنسانية المتاحة لا تغطي سوى نحو 17% من الاحتياجات الشتوية المحددة. كما أشارت تقارير إنسانية إلى أن مئات الآلاف يعيشون في مواقع معرضة للفيضانات، وسط نقص حاد في مستلزمات الإيواء.
كيف ننصرهم مع دخول الشتاء؟
إن النصرة في مثل هذه الظروف لا تقف عند حدود الدعاء، وإن كان الدعاء أعظم أبواب الافتقار إلى الله، بل تمتد إلى كل وسيلة مشروعة تخفف معاناة هؤلاء المستضعفين.
ومن صور ذلك:
توفير الخيام الصالحة لمقاومة الأمطار والرياح، والأغطية والملابس الشتوية.
المساهمة في توفير الفرش العازلة للماء، ووسائل التدفئة الآمنة.
تقديم الغذاء والدواء ومستلزمات الأطفال والرضّع.
دعم المؤسسات الإغاثية الموثوقة التي تعمل على إيصال المساعدات إلى مستحقيها.
نشر معاناة أهل غزة، وتذكير الناس باحتياجاتهم، وعدم السماح بأن تتحول مأساتهم إلى خبر عابر مع مرور الأيام.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
إن الآية تذكّر الأمة بمسؤوليتها تجاه المستضعفين، وبأن نصرتهم ليست قضية هامشية في حياة المسلمين، بل من القضايا التي ينبغي أن تحضر في ضمير الأمة واهتماماتها.

لا تجعلوا الشتاء يمرّ عليهم وحدهم
يا أهل الخير، إن طفلًا في غزة لا يحتاج إلى كلمات المواساة وحدها، بل يحتاج إلى غطاء يقيه البرد، وخيمة لا تغرقها الأمطار، ويد تمتد إليه قبل أن تشتد عليه قسوة الشتاء.
وإن من أعظم أبواب الصدقة أن تفرّج كربة مكروب، وتعين محتاجًا، وتدخل الدفء إلى بيت فقد أهله كل أسباب الحماية.
قال رسول الله ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» رواه مسلم.
فلا يكن دخول الشتاء موسمًا للحديث عن الأمطار والبرد فحسب، بل ليكن موسمًا لتجديد معاني الأخوة والبذل والتكافل، ولنتذكر أن وراء كل خيمة حكاية أسرة تنتظر من يمد إليها يد العون.
اللهم كن لأهل غزة عونًا ونصيرًا، اللهم آوِ مشرّدهم، وأطعم جائعهم، واكسُ عاريهم، ودفّئ أطفالهم، وارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وسخّر لهم من عبادك من يكون سببًا في تفريج كربهم.







