حين تتحول محاسبة المظلوم إلى محاكمة له.. وقفة مع كلام سالم الطويل عن غزة

strike 1759567205

أثارت كلمة حديثة للشيخ سالم الطويل غضبًا واسعًا بعدما تحدث فيها عن غزة وحربها، ولم يكن الإشكال في أن ينقد الرجل فصائل المقاومة أو يشكك في بعض المواد الإعلامية التي يتم تداولها على التواصل؛ فالنقد له مساحته، والكذب لا يصبح جائزًا لأن صاحبه يخدم قضية عادلة، كما أن القرارات العسكرية والسياسية ليست فوق المحاسبة.

لكن الإشكال الحقيقي في الكلمة كان أعمق من ذلك بكثير: في الطريقة التي أُعيد بها ترتيب المسؤوليات والأولويات، حتى كادت غزة المحاصرة تبدو هي المتهمة في المأساة التي حلت بها، بينما غاب عن معظم الخطاب الطرف الذي قتل وهدم وحاصر وجوّع. الإشكال الحقيقي في قلب الميزان، ميزان الحق والعدل وفي منهجية التطفيف والبخس والكذب والتملص من المسؤولية في نصرة غزة!

فسالم الطويل الذي أطال الحديث في تحقير المقاومة وتكذيب مشاهد القتال والقصف وتبرير إجرام العدو الصائل وتعظيم قوته، لم يقف لحظة واحدة لينظر أين هي أصول الشريعة في تفكيك الأزمة ومعالجة القضية؟ أم أنه ينبغي أن تُبنى على مواقف مجتزأة من مشهد كامل وتاريخ ممتد؟ يناسب هوى المتكلم ومصالحه؟

من هو سالم الطويل؟

video 2026 08 28 23 00 00 0120260829 173114

سالم بن سعد الطويل داعية كويتي يُنسب إلى التيار السلفي، عُرف بدروسه ومحاضراته ونشاطه الإعلامي، وبخطاب شديد في قضايا السمع والطاعة للحكام، والتحذير من الجماعات والتيارات الإسلامية المخالفة لمنهجه. ويظهر من كتاباته المنشورة على موقعه أن جانبًا كبيرًا من حضوره الدعوي انشغل بالردود على الدعاة والجماعات وتصنيف المناهج والتحذير منها؛ حتى دخل في سجالات مع شخصيات وجهات من داخل الوسط السلفي نفسه، وليس فقط مع الجماعات.

وقد ظل الطويل لسنوات شخصية مثيرة للجدل داخل الساحة الإسلامية؛ إذ ينتقده خصومه بسبب ما يرونه إفراطًا في التجريح والتبديع والتحذير من الدعاة، والتوسع في مهاجمة المخالفين علنًا، في مقابل تشديده على عدم الإنكار العلني على الحكام؛ وهي ازدواجية يقول منتقدوه إنها تجعل خطابه بالغ القسوة تجاه الدعاة والتيارات الإسلامية، وأكثر تحفظًا حين يتعلق الأمر بالسلطة مهما بدر منها من مخالفات، وفي المقابل، يدافع عنه مؤيدوه باعتباره داعية سلفيًا يحذر من البدع والتكفير والخروج على الحكام، ويرون أن الهجمات عليه نتيجة لمواقفه العقدية والمنهجية. وقديمة هي هذه الخصومات؛ ففي 2011 مثلًا تعرض لاتهامات بأنه من «علماء السلاطين» وبالإرجاء.

وازداد الجدل حوله مع مواقفه من القضية الفلسطينية وغزة. ففي 2025 أثار مقطع منسوب إليه غضبًا واسعًا بعدما فُهم منه أنه يدعو أهل غزة إلى الهجرة وترك الأرض لليهود إذا عجزوا عن إقامة دينهم، وهو ما رد عليه الطويل بالقول إن المقطع اجتُزئ وإنه كان ينقل رأيًا لشيخ آخر، لا يقرر موقفًا شخصيًا بهذه الصورة. كما أثارت انتقاداته لمواقف علماء آخرين من غزة سجالات واسعة على مواقع التواصل.

وتأتي كلمته الأخيرة عن غزة في السياق نفسه، لكنها تثير إشكالًا أكبر من مجرد خلاف فقهي أو سياسي؛ لأن السؤال هذه المرة ليس عن موقفه من فصيل فلسطيني بعينه، وإنما عن الميزان الذي يُقاس به دم شعب مسلم واقع تحت القصف والحصار من احتلال يسومه سوء العذاب منذ سنين، وعن الكيفية التي يمكن أن يتحول بها الحرص المعلن على نقد الأخطاء إلى خطاب يبدو فيه المظلوم مطالبًا بالدفاع عن نفسه، بينما تتراجع جريمة المعتدي إلى هامش الحديث.

«ما سمعنا أصلًا أن “إسرائيل” استعملت الطيران على غزة».. ماذا بقي من غزة إذن؟

لعل أكثر ما يثير الاستغراب في كلام سالم الطويل قوله: «ما سمعنا أصلًا إن “إسرائيل” استعملت الطيران على غزة».

هذه العبارة بكذبها الصريح والصفيق، لا تحتاج إلى خلاف سياسي للرد عليها، ولا إلى تبني رواية حماس أو أي فصيل فلسطيني؛ إذ تكفي التقارير الدولية الرسمية والموثقة نفسها لمعرفة حجم البهتان الذي فيها.

فمنذ الساعات الأولى للحرب، بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي غاراتها الجوية على قطاع غزة، ثم شنت، بحسب لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، حملة جوية مكثفة استمرت ستة أسابيع في المرحلة الأولى وحدها، قبل بدء العمليات البرية تحت غطاء القصف المدفعي. وذكرت اللجنة صراحة أن الغارات الجوية والقصف المدفعي كانا مسؤولين عن غالبية الضحايا في تلك المرحلة، وأن ما يسمى “إسرائيل” استخدمت أسلحة متفجرة واسعة التأثير في مناطق مكتظة بالسكان.

ولم تكن تلك غارات متفرقة يمكن أن تغيب عن متابع؛ فقد ظلت تقارير مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية طوال الحرب تتحدث بصورة متكررة عن «قصف إسرائيلي مكثف من الجو والبر والبحر» في أنحاء القطاع، وما نتج عنه من قتل للمدنيين وتدمير للبنية التحتية ونزوح واسع.

بل إن الغارات الجوية الإسرائيلية على غزة ليست أمرًا من الماضي البعيد؛ ففي أغسطس/آب 2026 نفسه، أي في الأيام المحيطة بهذه الكلمة، كانت وكالتا رويترز وأسوشيتد برس تنشران أخبارًا عن غارات جوية إسرائيلية جديدة على القطاع وسقوط قتلى، بينهم أطفال.

فما معنى أن يقول متحدث يتصدى للحكم على حقيقة المواد العسكرية المنشورة من غزة: «ما سمعنا أصلًا أن إسرائيل استعملت الطيران على غزة»؟

إن كان المقصود حرف العبارة كما نُطق به، فهي معلومة كاذبة كذبًا فادحًا لا يحتمل الاجتهاد؛ لأن الطيران الإسرائيلي لم يُستخدم في غزة فحسب، بل كان القصف الجوي أحد أبرز سمات هذه الحرب، ووثقت آثاره الأمم المتحدة ووكالات الأنباء والمنظمات الدولية والصحافة العالمية، فضلًا عن جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه. أي أن الجميع قد سمع به وعرفه!

والأغرب أن الرجل قال هذه العبارة وهو يريد أن يبني عليها استنتاجًا آخر: أن المشاهد التي تزعم استهداف طائرات إسرائيلية لا بد أن تكون «ألعابًا إلكترونية»، لأنه ـ بحسب منطقه ـ لم يسمع أصلًا باستخدام “إسرائيل” للطيران!

وهنا تصبح المشكلة منهجية قبل أن تكون سياسية: كيف يُتهم الآخرون بالكذب والتزوير والخداع بناءً على مقدمة هي نفسها مخالفة لواحدة من أشهر حقائق الحرب؟

ومن أراد أن يتهم مادة بعينها بالتزييف، فعليه أن يفحص تلك المادة ويثبت تزييفها. أما أن تكون الحجة: «إسرائيل لم تستخدم الطيران في غزة»، ثم تُبنى عليها أحكام من قبيل «كله كذب، كله تزوير، كله دعاية»، فهذا قلب لمعيار التثبت الذي يطالب به الآخرين.

والسؤال المؤلم هنا: إذا لم يكن ما شاهده العالم طوال هذه السنوات طيرانًا وقصفًا جويًا، فبأي شيء سُويت الأحياء بالأرض؟ وبأي شيء ضُربت الأبراج والمخيمات والمنازل؟ ومن أين جاءت تلك الحفر الهائلة والكتل السكنية التي تحولت إلى ركام؟

قد يخطئ الإنسان في معلومة، وهذا يقع من الجميع. لكن من يتحدث عن مأساة بهذا الحجم، ثم يتهم الآخرين بالكذب والخداع، ويستدل على ذلك بمعلومة بهذا الوضوح في كذبها، كان الأولى به أن يتثبت هو أولًا قبل أن يجعل منبره محكمة لغيره. لأن كذبه الصفيق الآن يُسقط عدالته عند العقلاء.

وإذا كان سالم الطويل قد طالب إعلام غزة بقوله: «اتقوا الله» وذكّرهم بقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، فإن ميزان العدل يقتضي أن يكون هذا التذكير شاملًا للجميع؛ فمن طالب الناس بالتثبت من أخبار الحرب، كان أولى الناس أن يتثبت قبل أن ينفي على الملأ حقيقة وثقتها الدنيا بأسرها.

من الذي أوقع «الكارثة» بغزة؟

يقول سالم الطويل:

«ما حصلت هذه الكارثة في غزة إلا من هذه التصرفات وهذه الأفكار».

وهذه ليست عبارة عابرة؛ بل تلخص الخلل الأكبر في الخطاب.

يمكن أن يناقش المرء قرار فتح مواجهة مع عدو متفوق عسكريًا، وأن يسأل عن حسابات القوة والمصلحة والمآلات، لكن ثمة فارقًا هائلًا بين مناقشة قرار الحرب وبين نقل المسؤولية عن جرائم الحرب إلى الطرف الذي وقعت عليه.

فالذي سوّى أحياء غزة بالأرض ليس «الإعلام الفلسطيني»، والذي قتل المدنيين ليس مقطعًا دعائيًا، والذي فرض الحصار ومنع الغذاء والدواء ليس “الادعاء” بامتلاك سلاح مضاد للطائرات.

هناك فاعل اتخذ قرار القصف، واختار أهدافه، وألقى القنابل، وهدم البيوت، وقتل النساء والأطفال. ولا يجوز أن يؤدي الخلاف مع المقاومة إلى تمييع هذه الحقيقة الأخلاقية البديهية.

بل إن قول سالم الطويل نفسه إن أهل غزة لا يملكون «عددًا ولا عدة» وإنهم محاصرون ومعزولون كان ينبغي أن يزيد الشفقة عليهم وإدانة من استعمل تفوقه الساحق ضدهم، لا أن يتحول ضعفهم إلى مادة لمحاكمتهم. بل هو بتبريره القبيح، يقدم مادة دسمة للاحتلال للمزيد من الإجرام والطغيان، فقد أعطاه الحق في الانتقام، على منطق الطويل المضطرب!

هل بدأ ظلم غزة يوم بدأت الحرب؟

الأشد إشكالًا أن هذا التصوير يوحي وكأن غزة كانت تعيش حياة طبيعية آمنة مرفهة، ثم جاء من «تورط» بها في حرب لم تكن قائمة.

غزة لم تدخل علاقتها مع الاحتلال الإسرائيلي من نقطة الصفر. الحصار المفروض عليها، والسيطرة على جوانب أساسية من حياتها وحدودها واقتصادها وحركتها، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي كلها سابقة على الحرب الأخيرة بسنوات طويلة.

ومن المفارقات أن سالم الطويل يستدل بنفسه على حجم التبعية المفروضة على القطاع فيقول إن الكهرباء والماء والاتصالات وغيرها مرتبطة بـ”إسرائيل”، ثم يجعل هذا دليلًا على أنه لا ينبغي مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

لكن هذه المعطيات يمكن أن تقود إلى السؤال المعاكس تمامًا: كيف وصل أكثر من مليوني إنسان إلى وضع تتحكم فيه قوة معادية بهذا القدر من مقومات حياتهم الأساسية؟

فالاعتماد القسري الناتج عن الحصار واختلال ميزان القوة ليس حجة أخلاقية ولا شرعية لصالح الطرف الأقوى. ومعلوم أن الإسلام يرفض الخنوع للكافر المحارب والعدو الصائل على ديار المسلمين، ويوجب الجهاد في هذه الحال من جهاد الدفع الفرض، الذي لا يٌشترط له شرط، ويوجب على المسلمين من حول المستضعفين، نصرتهم ونجدتهم ودفع العدوان عنهم. لا التنظير البارد والترفع عن نصرتهم باستخفاف بحقوقهم.

وهذا ما عرفه المسلمون عبر التاريخ، لابد أن يدفع المسلمون العدو والمحتل، عاجلا أو آجلا. وليس المسلمون فقط بل حتى الشعوب الكافرة، تدفع عنها الظالمين، وها هي فيتنام قاتلت لآخر رمق، لتدفع عنها الاحتلال الأمريكي، مع فارق كبير بين القوتين المتقاتلتين! فهذه بديهيات يتفق عليها البشر بل وحتى الحيوانات!

ألم ترى كيف تدافع الطيور عن صغارها والحيوانات عن نفسها في البرية! بما أن سالم الطويل يحب ضرب أمثلة بالحيوانات.

«لو قططًا».. حين يُذكر أهل غزة بهذه الطريقة

ومن أكثر مواضع الكلمة قسوة قوله وهو يريد إثبات تعاطفه:

«لو أن شخصًا ما يقتل حتى قطط بلا سبب ما رضينا بذلك».

ثم عاد فقال:

«لو حيوان يقتل بغير حق نتعاطف معه».

قد يقصد الرجل أن رحمته تشمل كل مخلوق، لكن السياق لا يحتمل مثل هذه المقارنة الباردة.

حين يكون الحديث عن شعب مسلم يرى أبناءه تحت الركام، وأمهات يحملن أطفالهن القتلى وقد يحملن أشلاءهم، وعائلات مُسحت من السجلات، لا يحتاج إثبات التعاطف معهم إلى القول إننا نتعاطف حتى مع القطط والحيوانات.

أهل غزة ليسوا بحاجة إلى إثبات أنهم يستحقون من المسلم من التعاطف أكثر مما يستحقه الحيوان المظلوم.

وهؤلاء مسلمون قبل كل شيء، لهم حق الإسلام، وحق الأخوة، وحق النصرة، وفوق ذلك هم بشر مظلومون. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.

فأين حرارة هذه الأخوة في خطاب استغرق دقائق في تعداد أخطاء الفلسطينيين، بينما لم ينل المعتدي من الإنكار ما يقارب ذلك؟

«تريد أن نتعاطف معك وأنت ضدنا»؟

ثم يصل الخطاب إلى عبارة أشد خطورة:

«تريد أن نتعاطف معك وأنت ضدنا بكل شيء؟»

وذلك بعد حديثه عن نظرة بعض الفلسطينيين إلى صدام حسين وقاسم سليماني.

وهنا يختلط حق المظلوم بموقفه أثناء الحرب.

فلو أخطأ فلسطيني في تمجيد صدام حسين، فخطؤه عليه. ولو مجّد آخر قاسم سليماني، فيُنكر عليه قوله. لكن بأي ميزان يُستحضر ذلك عند الحديث عن أطفال يُقتلون وأسر تُشرّد؟

هل يسقط حق المظلوم لأن بعض أبناء شعبه أساؤوا إليك؟ وهل من حق الفلسطينيين أن يترصدوا لكل كويتي أو جنسية أخرى صدر منه كلاما ومواقف منكرة بحقهم؟ ليحاسبوا المظلومين في قضاياهم على أساسها؟ الحقوق لا تسقط لأن بعض المتصدرين أساء أو وقع في منكر! بغض النظر عن الجدل المرافق لهذه القضية.

وهل يُسأل الطفل الغزي تحت الأنقاض عن موقف «الشارع الفلسطيني» من غزو الكويت قبل أن يستحق تعاطفنا؟

ثم إن الحديث عن «الفلسطينيين» أو «الشارع الفلسطيني» بهذه الكتلة الواحدة ظلم آخر؛ فملايين البشر لا يحملون رأيًا سياسيًا واحدًا، ولا يحمل طفل وزر موقف رجل آخر، فضلًا عن أن يحمل شعب كامل تبعة آراء بعض أفراده.

والقرآن حسم هذا الميزان منذ البداية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

ثم ما يحكمنا في الإسلام شريعة ربانية وليس منطق “الأنا”. فلا تعصي الله في من يعصي الله فيك، هذه أبجديات لا تغيب على شيخ داعية! وحق نصرة المسلم المستضعف ثابت بالقرآن والسنة وليس للمزايدة والمناكفة على طريقة الغرب الكافر والبراغماتية الجشعة.

نقد المقاومة شيء.. وتجريد القضية من سياقها شيء آخر

لا ينبغي أن تتحول غزة إلى قضية يمنع فيها السؤال والنقد. من حق العالم وطالب العلم والمسلم العادي أن يسأل: هل كانت الحسابات العسكرية صحيحة؟ هل روعيت المآلات؟ هل عُرّض المدنيون لخطر كان يمكن تجنبه؟

هذه أسئلة مشروعة. بل كل تجربة لكل جماعة إسلامية من حق الدارسين أن يحللوها ويفككوها ويستفيدوا من حسناتها وسيئاتها ومن نقدها نقدا بناء ينظر لمواطن القوة ومواطن الضعف لأنها ميراث تجربة سطر بالدماء! لا أن تحاكم في محاكم الجفاء والنبذ! بل يجب أن أن تدرس دراسة منصفة متجردة للحق. وتقدم الخلاصات التي عليها يمكن البناء من جديد على بصيرة وأدب.

والنقد العادل يفرّق بين ثلاثة أطراف: المدني المظلوم، والقيادة التي تتخذ القرار ويمكن نقدها، والعدو الذي يرتكب الفعل ويُسأل عنه.

أما إذابة هذه الحدود، ثم الانتقال من نقد فصيل إلى مخاطبة الفلسطيني قائلًا: «أنتم الظلمة»، فليس تدقيقًا شرعيًا في تصرفات جماعة، وإنما تعميم جارح على قوم يعيشون واحدة من أشد المآسي في عصرهم.

وحتى إذا ثبت أن مادة إعلامية ما كانت مفبركة، فما علاقتها بحق طفل قُتل؟ وما علاقتها بأسرة هُدم منزلها؟ وما الذي يسقط من مسؤولية قاتلهم؟ ثم التنصل من واجب نصرتهم بتحميل من قاتل فيهم لدفع الظلم عنه كل ما جرى! وكأن العدو الذي ينظر في المقابل، بريء وبريء جدًا لم يفعل ما يستدعي إرخاص النفوس لانتزاع الحقوق منه!

والمنكر يُنكر لأنه منكر في مقامه، ولكن الجريمة تُدان أيضا لأنها جريمة، ولا تمحو إحداهما الأخرى.

أين العدو في ثماني دقائق عن مأساة غزة؟

ربما كان أكثر ما يلفت في الكلمة ليس ما قيل، وإنما اختلال المساحة التي مُنحت لكل طرف.

حديث طويل عما يصفه الطويل بأكاذيب المقاومة، والأنفاق، والصواريخ، وصدام حسين، وقاسم سليماني، والإعلام، والتبرعات، و«خداع الناس»، وعن الفلسطيني الذي جاء يناقشه في الحرم.

لكن أين الحديث المتناسب مع حجم المأساة عن مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي؟

أين الغضب من قتل المدنيين؟

أين الإنكار على من يهدم البيوت فوق أهلها؟

أين الحديث عن الحصار والتجويع والتهجير؟

أين حق نصرة المظلوم أمام عدو متجبر يفسد في الأرض فسادًا كبيرًا؟

أين الموقف الشرعي من محتل محارب يصول على ديار المسلمين لا يرقب فيهم إلا ولا ذمة ويستخدم معهم أخس الأساليب لترويعهم وتعذيبهم وقتلهم ويتبجح بنصوصه الأيديولوجية التي لا تتوعد فلسطين لوحدها بل تتوعد كل ما يقع في حدود خريطة تمدده “إسرائيل الكبرى”!

وحين يكون المعتدي صاحب آلة عسكرية هائلة تدفعها أيديولوجية حاقدة معادية، ويكون غالب كلامك موجهًا إلى ضحاياه وإلى من يقاتله، بالازدراء والتحقير، فإن المشكلة لم تعد في معلومة جزئية، بل في ميزان الخطاب نفسه وانتكاس الفطرة والمنهج الحق والعدل.

القوة ليست معيار الحق

ومن أغرب ما ورد في الكلمة الاستدلال بقوة ما يسمى “إسرائيل”، وأنها استطاعت ضرب إيران ولبنان، في مقابل ضعف غزة. التي لا يقدر أن يتقبل عقله فيها أن الله قادر على أن يظهر في هذه الأرض الصغيرة تأييده لعباده الذين يقاتلون عدوا من المغضوب عليهم، وأن الله لا يعجزه شيء وأن بالفعل أثخنت المقاومة في العدو الصائل لكن الحيثيات والظروف المرافقة لوضعها، وعدم استيعاب الاستراتيجية لتحديات الهجوم، كانت سببا في تمكن العدو من الاستفراد بغزة، ولو أن غزة كانت تحيطها قوة مسلمة تصون حقوقها لما استفرد بها العدو الصائل المحتل، ولما تجرأ المنعمون خلف شاشات الدعة والترف على الاستهانة بحقوق شعب مسلم في مقاومة الاحتلال! ولا تجرأ على قول كلمات جائرة وغير منصفة، تعظم الكافر المحارب وتدعو للخنوع والذلة له، وهذا خطاب إرجافي مخذّل لم يعرفه السلف ولم يدعو له الإسلام وهو خطاب دعاة الوهن والخنوع والذلة! حبا في الدنيا وكراهية للموت.

نعم، ميزان القوة مختل بصورة هائلة. ونعم، تقدير القدرة والمآلات أصل معتبر ولا يجوز الاستهانة به.

لكن القوة العسكرية لا تمنح صاحبها حقًا أخلاقيًا ولا شرعيًا. ولا تسقط واجب الوقوف بصف المظلوم أمام من يملكها، وفي مقابل ذلك ما قيمة دول عربية كبيرة لها ترسانة عسكرية غير قادرة على وضع حد لتبجح اليهود وتمددهم وتعديهم المتكرر والصفيق على المسجد الأقصى وعلى الأسرى بما فيهم النساء وعلى أهل فلسطين المحتلة، وعلى كل حق مكفول بشريعة الله!

ولو أصبح تفوق الظالم سببًا لأن يُلام المظلوم أولًا، لتحولت القوة نفسها إلى حصانة أخلاقية وشرعية: كلما ازداد المعتدي قوة، صار الأضعف أحق باللوم لأنه قاومه! فما قيمة فقه الجهاد في الإسلام وما قيمة واجب دفع الظلم وما قيمة كل معاني العزة التي تزخر بها النصوص الشرعية؟ وما قيمة التشكي وما قيمة كل حق وعدل؟

وهذا ميزان خطير. فالعقل يوجب حساب القدرة، لكنه لا يقلب الظالم مظلومًا ولا المظلوم متهمًا. ولا يسقط واجب نصرة شعب محاصر ومكلوم ومقتول، بل إنه لمن الصفاقة والسفاهة أن يتصدر الرجل يكيل التهم لأبناء شعب يدفن أشلاء أبنائه ليحاضر أمامه في واجب الخنوع والذلة!! بدل أن يستنهض الهمم على استرداد حقوقهم وحفظ كرامتهم ومد يد النصرة لهم! ولا أقبح من القعود إلا التبرير الصفيق للقعود! ولا أجبن من يهود إلا المطبع مع ظلمهم وعدوانهم وطغيانهم، المبرر لجرائمهم الشنيعة بلا حياء ولا خجل.

غزة لا تحتاج إلى المزايدة.. بل إلى العدل

لا يلزم لنصرة غزة أن نقدّس حماس والمقاومة، ولا أن نصدق كل بيان عسكري، ولا أن نصف كل نتيجة بأنها انتصار، ولا أن نسكت عن خطأ سياسي أو شرعي.

لكن يلزمنا شيء أبسط وأعظم إنه: العدل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾.

والعدل يقتضي ألا تحمل المدنيين جريرة الخذلان، ولا تحمل الفصائل جريرة طغيان المحتل، وألا تحمل الفلسطيني المحاصر المتألم، موقف غيره من صدام أو سليماني، وألا تجعل ضعف غزة حجة عليها، وألا تختزل سنوات الحصار والاحتلال والصراع في أن أناسًا «تحرشوا» بقوة أكبر منهم فوقعت الكارثة.

والعدل يقتضي كذلك أن تكون المسؤولية عن القتل أولًا على من قتل، وعن القصف على من قصف، وعن الهدم على من هدم.

ثم بعد ذلك ناقش المقاومة كما تشاء، وحاسب الإعلام، واطلب الدليل، وارفض المبالغة والكذب.

مفارقات: ولي الأمر «خط أحمر» هنا.. أما في غزة فتتغير القواعد؟

ثم هناك تناقض لافت في خطاب سالم الطويل نفسه. فالرجل من أشد من يغلّظون في باب الحديث العلني عن الحكام، حتى إنه كتب مقالًا كاملًا بعنوان «النقد العلني لولاة الأمر أولى مراحل الفتنة والخروج عليهم»، وقرر فيه أن عيوب الحاكم لا تُشهّر على المنابر، وأن النصيحة تكون سرًا، مستشهدًا بحديث السمع والطاعة حتى مع جور الأمير، بل وكتب أيضًا أن «الخروج على الحاكم يكون بالقول والكلام كما يكون» بالفعل.

فإذا كان سالم الطويل يرى أن هذه الضوابط الشرعية بالغة الخطورة إلى درجة أن النقد العلني للحاكم قد يكون أول طريق الفتنة والخروج، فلماذا تختفي هذه الحساسية تمامًا عندما ينتقل الحديث إلى السلطة القائمة في غزة؟ ولماذا يصبح من المقبول حينها أن يُقال على الملأ: «خدعتم الناس»، و«كله باطل»، و«كله كذب وتزوير ودعاية»، وأن تُحمّل خياراتها مسؤولية «الكارثة» أمام جمهور واسع؟ مع أن حماس تستوفي عنده وصف «ولي الأمر» اصطلاحًا، وحتى لو جحد ذلك: لماذا لا يظهر شيء من ذلك الاحتياط الذي يطالب به في نقد السلطة حين يتحدث عن سلطة فلسطينية تدير مجتمعًا مسلمًا واقعًا تحت حرب وحصار؟

والأشد ظهورًا لهذا الاضطراب أن الطويل نفسه يقرر أن ظلم الحاكم لا يسقط حقه في الطاعة في المعروف، وأن إنكاره يكون «بلطف» ونصيحته «بالحسنى». فإذا كان هذا هو ميزانه الذي يطالب الناس بالتزامه مع الحاكم الجائر، فأين «اللطف» و«الحسنى» في قوله للفلسطيني: «أنتم الظلمة»؟ وأين قاعدة عدم التشهير حين يحوّل أخطاء قيادة غزة التي يحصي ويعد، إلى خطاب علني مطول أمام العامة؟ المسألة هنا ليست مطالبة بتقديس حماس أو تحريم نقدها؛ بل السؤال عن اتساق القاعدة: إما أن للنقد العلني مفاسد وضوابط كما تقول، فتُراعى حيث يتحقق مناطها، أو أن النقد العلني للسياسات والأخطاء جائز بضوابطه، فلا يصح تصويره في موطن بوصفه مدخلًا للخروج ثم ممارسته بأشد صوره في موطن آخر.

ولماذا تُحاسَب غزة بمنطق لا يُطبَّق على الدولة؟

ويظهر الانتقائية أكثر في استحضاره مواقف فلسطينيين من صدام حسين وقاسم سليماني ليقول: «تريد أن نتعاطف معك وأنت ضدنا بكل شيء؟». فالعلاقات السياسية بين الدول لا تقوم أصلًا على أن تكون الدولة الأخرى أو قيادتها بريئة من دماء المسلمين أو متفقة عقديًا وسياسيًا معها. دولته الكويت نفسها تقيم علاقات وتحالفات واتصالات مع قوى كبرى تختلف معها في ملفات كثيرة؛ والبيانات الكويتية الرسمية تصف الولايات المتحدة بأنها دولة «صديقة» وتتحدث عن «التحالف الاستراتيجي» بين البلدين. ومعلوم كم المظالم في سجل الأمريكيين في العالم الإسلامي، بل أمريكا هي الحليف الأهم للاحتلال الإسرائيلي الذي يقتل الفلسطينيين بأسلحة ودعم أمريكي مفتوح بلا حدود. فهل يحق لأهل غزة وفلسطين وضحايا أمريكا، معاملة الكويت بمنطق سالم الطويل في إسقاط مظالمهم لكلمات قيادتهم بالمثل؟

وكذلك تعاملت الكويت دبلوماسيًا مع إيران، ورحبت باتفاقات التهدئة والتفاوض معها، ودعت الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات بـ«روح إيجابية وبناءة»، حتى مع وجود خلافات وصدامات حادة بينهما. وهذا مبرر عند علماء السلاطين وفي سياسات الدول.

فلماذا لا يُمنح الفلسطيني المعيار نفسه عند سالم الطويل؟ إذا كانت الدولة تستطيع أن تتفاوض مع خصم، وأن تشكره على موقف، وأن تتحالف مع دولة لها حروب وسياسات قُتل فيها مسلمون، من غير أن تصبح مسؤولة شرعًا وأخلاقيًا عن كل تاريخ ذلك الطرف؛ فكيف يتحول ثناء فصيل فلسطيني على قاسم سليماني على شناعته، إلى شيء يُستحضر في وجه شعب كامل عند السؤال عن التعاطف مع أطفاله ونسائه؟

بل إن هذا يكشف خللًا أعمق: السياسة حين تمارسها الدولة تُفهم عنده باعتبارها مصالح وعلاقات دولية معقدة، أما حين تمارسها المقاومة الفلسطينية فتتحول العلاقات والمواقف السياسية إلى لائحة اتهام أخلاقية تُلقى حتى في وجه المدني الفلسطيني. والعدل لا يكون بميزانين.

يمكنك أن تخطّئ حماس في علاقتها بإيران، وأن تنكر ثناءها على قاسم سليماني، وأن تنتقد قرار الحرب نفسه إن رأيته خطأً. لكن لا يصح أن تجعل ذلك مسوغًا لإسقاط حق أهل غزة في المقاومة والنصرة والتعاطف، ولا أن تحاسب ملايين الفلسطينيين بموقف تنظيم أو فرد، بينما تقبل في المقابل أن تتعامل الدول التي تدعو إلى طاعتها مع خصومها وحلفائها وفق ضرورات السياسة من غير أن تسقط بذلك شرعيتها أو حقوق شعوبها.

فإن كان ميزان سالم الطويل هو السمع والطاعة، والصبر، والنصيحة بالحسنى، والتحذير من التشهير بالحاكم ولو ظلم، فمن حق المسلم أن يسأل: لماذا يصبح هذا الميزان شديد الصرامة عندما يكون الحاكم قريبًا، ثم يفقد كثيرًا من صرامته عندما تكون السلطة التي يتحدث عنها في غزة؟

أليس هذا كافيا لهدم اعتراض سالم الطويل وتأكيد أنه اعتراض الأهواء لا الحق؟ فإما أن تثبت حقوق ولي أمرك التي تنافح عنها بشراسة، لولي أمر شعب غزة، أو تصمت، تصمت صمتا طويلا، فتناقضاتك لا يسعها نقد ولا صبر ولا مجاملة.

كلمة أخيرة

المشكلة في كلام سالم الطويل ليست أنه رفض مقطعًا يعتقد أنه مفبرك بل أنكر حقائق كاملة برمتها جملة وتفصيلا، ولا أنه انتقد حسابات المقاومة لأخطاء منها تقع؛ فهذا باب يمكن مناقشته بالحجة والدليل. إنما المشكلة أنه أثناء ذلك كله أجحف بحق غزة وقضية شعب كامل يسومه الاحتلال سوء العذاب ويتوعد المسلمين بالذلة وسوء المآل!

أجحف حين اقترب من تحميلها مسؤولية الكارثة التي أنزلها بها عدوها. ولم يأمن مكر الله!

وأجحف حين استحضر أخطاء لبعض القادة والسياسات في مقام الحديث عن استحقاقهم للتعاطف. وكأن الأخطاء تسقط الحق المتقادم منذ عقود أو تمس بشرعية القضية الفلسطينية أساسا!

وأجحف حين خاطبهم بالتعميم: «أنتم الظلمة». ونسي ظلمه لنفسه بخذلانهم وتأليب العالم عليهم وإسقاط شرعية قضيتهم، وإخفاء حقيقة عدوهم المتربص بهم!

وأجحف حين صار إثبات التعاطف مع أطفالهم مقرونًا بالتذكير بأنه يتعاطف حتى مع الحيوان إذا قُتل بغير حق.

وأجحف حين أخذت أخطاء المقاومة التي ينكرها بإقحام الكذب والاستغفال، مساحة في خطابه أكبر بكثير من جرائم الطرف الذي يملك الطائرات والقنابل ويوقع القتل والدمار. ومهملا تماما واجب المسلمين في نصرتهم ورفع الظلم عنهم وحماية مقدسات الإسلام التي هي واجب على كل المسلمين لا أهل غزة فحسب!

وأجحف حين أنكر أن الله قد يؤيد حقا الثلة القليلة المجاهدة على الجمع الضخم الكبير الكافر، في مواقف بعينها، لتبقى آية من آيات الله يستحضرها الناس لحظة الطغيان! ويمكن أن يكون هناك نصر في جولة من معركة، وإن خسرت الجماعة الحرب، ولا يمنع ذلك أن يمتحن الله الناس بغلبة عدوهم كما لا يمنع أن تسجل الحرب ملحمة من ملاحم التاريخ في فلسطين سطرت بالدماء والأشلاء، لا تحت المكيفات ومجالس الدعة!

وما أقبح أن يستلم العدو أرضا مسلمة لم يدافع عنها أبناؤها دفاع المجاهد المقاتل، وما أقبح هذا في التاريخ والحاضر والمستقبل. فإن كان ولابد سيحتلها فليكن الثمن لهذا الاحتلال مثخنًا ومكلفًا. هذه أبجديات!

ليس المطلوب من طالب العلم أن يتحول إلى خطيب سياسي، ولا أن يردد دعاية المقاومة. لكن المطلوب منه، قبل كل شيء، ألا يختل ميزان العدل في لسانه وأن يحسن تقديم الأولويات ويحسن تفصيل المسائل بحق وعدل.

ومن حق سالم الطويل أن يقول إن مقطعًا كاذب، وأن قرارًا عسكريًا خاطئ، وأن ادعاء النصر غير صحيح بحسب تقديره. لكن ليس من حقه أن يحول مظالم غزة إلى مجرد لعبة وكذبة وادعاء ساذج! ليس من حقه أن يحاكم ملحمة غزة إلى محاكمة غزة نفسها. ولا أن ينكر حق شعب غزة في مقاومة المحتل ولا أن يجعل من أخطاء المقاومة ذريعة لإسقاط قضيتهم ومظلمتهم أمام العدو الصائل الكافر المحارب! لأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة مع البار والفاجر، ولا يسقط لخلاف مع المجاهدين الذين يقاتلون طاغية معتدٍ، ولا يسقط شرعية قضاياهم في رفع الظلم عن المسلمين، مهما اخطأوا أو أساءوا، أو خانتهم الوسيلة أو تخلل تخطيطهم قصور أو ضعف؟ فهل مرت مثل هذه النصوص على سالم الطويل؟! هل يعرف سالم الطويل فقه الجهاد أم أنه لم يسبق أن تعرف على هذا الباب الذي يهمله في وقت يٌستضعف فيه المسلمون؟

وما أقبح أن ينشغل الداعية بقضية ويهمل الأخرى على أولويتها وأهميتها، ويضخم جزئية ويلقي بالأخرى – على هيبتها – في زوايا النسيان والتهميش. فهذا الداعية الانتقائي البراغماتي لا يصلح لمنابر التوجيه والوعظ، لأن الإسلام دين يؤخذ كاملا بكل شرائعه، بدون اجتزاء أو توظيف سياسي ومصلحي.

والناس الذين دفنوا أبناءهم، والذين فقدوا بيوتهم وأهلهم، والذين عاشوا الخوف والجوع والنزوح، ليسوا هامشًا في خصومة إعلامية، ولا يُختصر حقهم في قول بارد: نحن نتعاطف حتى مع الحيوان إذا ظُلم.

غزة لا تطلب العصمة لأحد. لكنها تستحق الإنصاف. غزة ليست بحاجة لديباجة الواعظ الذي يساوم أهلها على حقوقهم .. بتعداد أخطائهم التي يحفظها ويهول منها ويضخمها، أمام ما يقع عليهم من ظلم وعدوان تقرحت له الأكباد ولا يزال مستمرا إلى اللحظة؟

ويبقى السؤال الشرعي والأخلاقي، ما الجدوى من كلمات سالم الطويل في وقت لا يقدم فيه لوم المقاومة شيئا للشعب المكلوم، ولا يقدم فيه تطفيفه الجائر شيئا للمحاصرين في الخيام بالجوع والتوجس خيفة من المحتل؟ ماذا يقدم هذا الحديث الآن لشعب لم تعد مقاومته قادرة على دفع تحالف دولي من المحاربين والمنافقين والمخذلين؟ ما قيمة هذه الكلمة في ميزان المصالح والمفاسد الآن في وقت يتجرع فيه أهل غزة غصص القهر ويواجهون فيه لوحدهم تداعيات كل هذه الحرب التي لا تريد أن تقف لا باتفاق سلام ولا استسلام؟! فخريطة “إسرائيل الكبرى” حلم لا يتراجع عنه بني صهيون!

أي حديث يقال بعد أن وصف سالم الطويل قضية غزة مختزلة في كون المقاومة ظالمة .. وصمت عن الصهاينة المحتلين الأظلم؟

ثم بعد هذا يتساءل لم يسمونه “الصهيوني” و”على ماذا؟”، فكلام سالم الطويل، لا يفرح به إلا يهود وأحلافهم! ولا يقدم إلا ذريعة لمزيد قتل وتدمير، دون حس ضمير، يقول كفى! كفى عبثا!

وإن كان النقد يتسع للعدل والإنصاف، فإنه لا يتسع للفجور والبهتان، ولا يتسع لتقديم الذرائع للمحتل الغاصب للبقاء والتلذذ بقتل وتشريد من تجرأوا على دفعه يوما ما ولم يقبلوا بالخنوع والذلة تحت سلطانه “المبجل” عند سالم الطويل!، كما لا يتسع للتطفيف والبخس، فيعتذر للمحتل ويوبّخ من استجاب لحديث نبيه صلى الله عليه وسلم: “من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد”.

فيا سالم الطويل، مالك ومال أهل غزة؟ مالك ومال من لديه مظلمة عند ربه يدافع عنها بنفسه وماله وكل ما يملك، وإن أخطأ أو أساء أو لم يعجبك قوله؟ فلا يسقط ذلك شرعية قضيته وحقيقة مظلمته، أفلا يسعك أن تقول خيرا أو لتصمت .. لتصمت إلى الأبد.

Fediverse reactions

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *