محاولة انقلاب تهز النيجر.. متمردون يهاجمون القصر الرئاسي والمطار والسلطات تعلن احتواء التحرك

8202629155015612331036

شهدت النيجر، فجر السبت 29 أغسطس/آب، واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه الحكم العسكري منذ وصول الجنرال عبد الرحمن تياني إلى السلطة عام 2023، بعدما تمردت مجموعة من العسكريين وهاجمت مواقع استراتيجية في العاصمة نيامي، بينها القصر الرئاسي والمطار الدولي والقاعدة الجوية 101.

واندلعت اشتباكات عنيفة خلال الليل واستمرت لساعات، فيما سُمع دوي إطلاق نار كثيف وانفجارات في مناطق متفرقة من العاصمة، قبل أن تعلن وزارة الدفاع أن القوات الحكومية بدأت «استعادة السيطرة تدريجيًا» على المواقع المستهدفة.

لكن الوضع ظل متوترًا وغير واضح بصورة كاملة حتى ساعات بعد الظهر، وسط تقارير عن استمرار وجود المتمردين داخل القاعدة الجوية.

كيف بدأت محاولة الانقلاب؟

بدأت الأحداث قرابة منتصف الليل، عندما تحركت مجموعة من الجنود داخل القاعدة الجوية 101 الواقعة في محيط مطار ديوري حماني الدولي في نيامي.

وقالت وزارة الدفاع إن العسكريين، الذين وصفتهم بأنهم جنود خرجوا عن الانضباط العسكري، احتجزوا عددًا من زملائهم داخل القاعدة قبل أن يطلقوا النار على مواقع حساسة في العاصمة.

وسرعان ما اتسعت المواجهات لتشمل منطقة القصر الرئاسي، حيث استخدمت أسلحة ثقيلة، كما سُمع إطلاق نار في محيط معسكر باسورا التابع للحرس الوطني.

وذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن المتمردين حاولوا كذلك السيطرة على مقر الإذاعة والتلفزيون الرسمي، وهو أحد المواقع التي تستهدف عادة في الانقلابات العسكرية، لكنهم لم يتمكنوا من الاستيلاء عليه.

وتوقف بث الإذاعة والتلفزيون الحكوميين لفترة وجيزة قبل أن يعود لاحقًا.

محاولة اقتحام القصر الرئاسي

وكان الهجوم على القصر الرئاسي من أخطر جوانب التحرك.

ووفق تقارير نقلت عن مصادر أمنية، حاول العسكريون المتمردون دخول القصر، إلا أن الحرس الرئاسي الموالي للجنرال عبد الرحمن تياني تصدى لهم.

وتحدثت مصادر عن اشتباكات بين المتمردين والقوات الموالية للحكومة، بينما انتشرت قوات الأمن وأُغلقت طرق ومناطق استراتيجية في نيامي.

وبحسب «لوموند»، كان من بين قادة التحرك ضباط شباب من القوات الخاصة، بعضهم قادم من منطقة والام الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر شمال العاصمة.

الحكومة: نعيد السيطرة تدريجيًا

أكد وزير الدفاع الجنرال ساليفو مودي وقوع التمرد، وقال في بيان بثه التلفزيون الرسمي إن سرعة تدخل قوات الدفاع والأمن سمحت بـ«احتواء هذا الاضطراب» والبدء في استعادة السيطرة تدريجيًا على المواقع المستهدفة.

ودعت السلطات السكان إلى الهدوء ومواصلة أنشطتهم المعتادة.

لكن إعلان الحكومة لم يعنِ انتهاء الأزمة بصورة كاملة.

فقد أفادت مصادر أمنية في وقت لاحق بأن المتمردين ظلوا موجودين في منطقة المطار، بينما ذكرت «لوموند» في تحديث بعد ظهر السبت أن المجموعة كانت لا تزال متمركزة في القاعدة الجوية 101 وتحاول استقطاب عسكريين آخرين للانضمام إليها.

ولم تكن مطالب المتمردين قد أُعلنت رسميًا، كما لم تتضح بعد حصيلة الضحايا أو عدد العسكريين المشاركين في التحرك.

لماذا تمرد العسكريون؟

لم يصدر حتى الآن بيان رسمي من قادة التمرد يوضح دوافعهم، ولذلك لا يمكن الجزم بسبب واحد للمحاولة.

لكن تقارير أشارت إلى وجود استياء داخل قطاعات من الجيش بسبب الخسائر الكبيرة التي تتكبدها القوات النيجرية في مواجهة الجماعات المسلحة.

وتواجه النيجر نشاطًا متصاعدًا لجماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة و«داعش» في مناطق مختلفة من البلاد، رغم أن المجلس العسكري الذي استولى على السلطة في يوليو/تموز 2023 جعل تحسين الوضع الأمني أحد أبرز مبررات إطاحته بالرئيس محمد بازوم.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات على الانقلاب، ما تزال الهجمات المسلحة مستمرة، وهو ما يزيد الضغوط على المؤسسة العسكرية والحكومة.

انقلاب ضد قائد وصل بانقلاب

تكتسب محاولة السبت دلالة خاصة لأن الجنرال عبد الرحمن تياني نفسه وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري في 26 يوليو/تموز 2023، عندما أطاح الرئيس المنتخب محمد بازوم.

وكان تياني حينها قائدًا للحرس الرئاسي، قبل أن يعلن نفسه رئيسًا للمجلس الوطني لحماية الوطن.

ومنذ ذلك الحين، أعادت النيجر بصورة جذرية رسم علاقاتها الخارجية؛ فتراجعت علاقاتها العسكرية مع فرنسا والولايات المتحدة، واقتربت أكثر من روسيا، كما انسحبت إلى جانب مالي وبوركينا فاسو من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس»، وشكلت الدول الثلاث تحالف دول الساحل.

لكن التحولات السياسية والعسكرية لم تنه الأزمة الأمنية التي كانت أحد المبررات الأساسية لانقلاب 2023.

المطار في قلب الأزمة

وتكتسب السيطرة على مطار نيامي والقاعدة الجوية 101 أهمية استراتيجية كبيرة.

فالقاعدة لا تمثل منشأة عسكرية محلية فحسب، وإنما يوجد في منطقة المطار حضور عسكري أجنبي، من بينها عناصر روسية مرتبطة بـ«فيلق أفريقيا»، إلى جانب قوة إيطالية تعمل في إطار التعاون العسكري.

وبحسب التقارير المتاحة، لم تتدخل هذه القوات الأجنبية في المواجهة الداخلية بين القوات الحكومية والمتمردين.

كما أن مطار نيامي نفسه تعرض خلال عام 2026 لهجمات سابقة مرتبطة بالجماعات المسلحة؛ إذ شهد هجومًا في يناير/كانون الثاني أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عنه، كما تعرض لهجوم آخر في يونيو/حزيران نُسب إلى جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة.

لكن أحداث 29 أغسطس تختلف جذريًا عن الهجمات السابقة، لأنها جاءت هذه المرة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها واستهدفت كذلك مركز الحكم في العاصمة.

أزمة لم تحسم بالكامل بعد

حتى آخر التحديثات، تميل موازين القوة إلى جانب القوات الموالية لتياني، التي حافظت على القصر الرئاسي وأفشلت محاولة السيطرة على التلفزيون الحكومي، فيما تقول وزارة الدفاع إنها تستعيد المواقع المستهدفة تدريجيًا.

ومع ذلك، فإن استمرار وجود متمردين في القاعدة الجوية، وعدم إعلان اعتقال قادة التحرك أو استسلامهم، يجعل من المبكر اعتبار الأزمة منتهية بصورة نهائية.

كما أن محاولة الانقلاب، حتى إذا انتهت بالفشل، تكشف عن انقسامات داخل المؤسسة العسكرية التي يعتمد عليها النظام نفسه للبقاء في السلطة.

وتأتي الأزمة في لحظة شديدة الحساسية للنيجر ومنطقة الساحل عمومًا، حيث تواجه الأنظمة العسكرية في النيجر ومالي وبوركينا فاسو ضغوطًا أمنية متزايدة من الجماعات المسلحة، بينما راهنت هذه الحكومات على تغيير تحالفاتها الخارجية وتعزيز التعاون مع روسيا لتحسين الوضع الأمني.

وبذلك، لا يمثل تمرد نيامي تحديًا مباشرًا لحكم تياني فحسب، بل يطرح أيضًا تساؤلات حول تماسك الجيش النيجري وقدرة المجلس العسكري على الحفاظ على سلطته في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأمنية من خارج المؤسسة العسكرية والانقسامات من داخلها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *