لم يعد خروج الإيغور من تركستان الشرقية يعني بالضرورة خروجهم من دائرة الرقابة والضغط، إذ تكشف شهادات حديثة أن السلطات الصينية تستخدم الزيارات العائلية، والمراقبة، والتحقيقات، والضغط على الأقارب داخل البلاد، كأدوات لفرض السيطرة على أفراد الجالية الإيغورية في الخارج.
وسلط تقرير حديث لمركز أبحاث حقوق الإنسان الضوء على ما وصفه بـ«القمع العابر للحدود» الذي تمارسه السلطات الصينية بحق الإيغور المقيمين في دول أخرى، مستندًا إلى نتائج نشرتها منظمة هيومن رايتس ووتش في أغسطس/آب 2026 بشأن أوضاع الإيغور المقيمين في أستراليا.
وقالت هيومن رايتس ووتش إنها أجرت مقابلات خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار 2026 مع 11 مواطنًا ومقيمًا دائمًا من الإيغور في أنحاء أستراليا، وكشفت شهاداتهم أن الخوف من السلطات الصينية لا ينتهي عند مغادرة البلاد.
الزيارة العائلية تتحول إلى أداة ضغط
منذ عام 2024، سمحت السلطات الصينية لبعض الإيغور المقيمين في الخارج بزيارة أقاربهم في تركستان الشرقية في إطار ترتيبات سفر أكثر مرونة.
وبالنسبة لكثير من أفراد الشتات، مثلت تلك الخطوة فرصة نادرة للقاء عائلات انفصلوا عنها لسنوات، لا سيما بعدما كانت الاتصالات مع أشخاص خارج البلاد نفسها سببًا محتملًا للمساءلة أو الاعتقال.
لكن الشهادات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش تشير إلى أن تلك الزيارات لم تكن خالية من القيود.
فبحسب التقرير، كان على الأسر داخل تركستان الشرقية الخضوع لفحوص أمنية والحصول على موافقة السلطات المحلية قبل لقاء أقاربها القادمين من الخارج.
كما ذكر أحد الأشخاص الذين تمت مقابلتهم أنه أُجبر على الإقامة في فندق تحدده السلطات بدلًا من منزل أسرته، فيما خضعت تحركاته اليومية للمراقبة وتتبعه مسؤولون خلال الزيارة.
وبذلك تحولت فرصة لمّ الشمل، وفق المنظمات الحقوقية، إلى وسيلة جديدة لجمع المعلومات ومراقبة العائلات والضغط على الزائرين.
أكثر من 12 جولة استجواب
ومن أبرز الشهادات التي كشف عنها التقرير حالة إيغوري يحمل إقامة أو جنسية أسترالية قال إنه خضع للاستجواب أكثر من 12 مرة أثناء وجوده في الصين.
واستمرت إحدى جلسات التحقيق معه لأكثر من سبع ساعات.
وبحسب شهادته، طلبت منه السلطات تقديم معلومات شخصية عن شخصيات إيغورية بارزة في أستراليا، من بينها عناوين وأرقام هواتف، كما استفسرت منه عن مدارس تعليم اللغة الإيغورية هناك.
ولم تتوقف المطالب عند جمع المعلومات، إذ قال إن المسؤولين طلبوا منه تصوير ناشطين إيغور بعد عودته إلى أستراليا، وهو ما رفض القيام به.
وتعكس هذه الحالة، بحسب المنظمات الحقوقية، أحد أبرز أشكال القمع العابر للحدود، حيث تحاول السلطات الاستفادة من ارتباط أفراد الشتات بعائلاتهم داخل البلاد للضغط عليهم وجمع معلومات عن مجتمعاتهم في الخارج.
العائلة ورقة ضغط
ويحذر حقوقيون من أن أكثر أدوات القمع فاعلية لا تحتاج بالضرورة إلى وجود أمني مباشر خارج الصين.
فكثير من الإيغور الذين يعيشون في الخارج ما تزال لهم أسر داخل تركستان الشرقية، وهو ما يجعلهم عرضة للضغط النفسي والخوف من أن يؤدي نشاطهم الحقوقي أو الثقافي إلى استهداف أقاربهم.
وأعرب عدد من أفراد الجالية الإيغورية في أستراليا عن شعورهم بعدم الأمان حتى بعد حصولهم على الجنسية أو الإقامة الدائمة هناك.
وتتركز مخاوفهم حول احتمال تعرض أقاربهم داخل تركستان الشرقية للمراقبة أو العقاب بسبب مشاركتهم في أنشطة سلمية، مثل الدفاع عن حقوق الإيغور أو الحفاظ على اللغة والثقافة أو المشاركة في فعاليات عامة.
وبهذا المعنى، لا يقتصر القمع على الشخص المستهدف مباشرة، بل يمتد إلى شبكة عائلية واجتماعية كاملة.
سنوات من القمع داخل تركستان الشرقية
ويأتي هذا الضغط على الجاليات في الخارج امتدادًا لسياسات أوسع انتهجتها السلطات الصينية في تركستان الشرقية منذ سنوات.
ومنذ إطلاق حملة «الضرب بقوة» في منتصف العقد الماضي، تعرض أكثر من مليون من الإيغور وأفراد أقليات مسلمة أخرى للاحتجاز في مراكز وصفتها السلطات بمراكز «التعليم والتدريب»، بينما اعتبرتها منظمات حقوقية معسكرات احتجاز وإعادة تلقين سياسي.
كما وثقت تقارير دولية قيودًا واسعة على الممارسات الدينية، واللغة، والحركة، والاتصالات الخارجية، إلى جانب عمليات مراقبة مكثفة واستخدام واسع للتكنولوجيا في تتبع السكان.
وتتهم منظمات حقوقية السلطات الصينية باستخدام تلك السياسات لإضعاف الهوية الدينية والثقافية للإيغور وإخضاع المجتمع لرقابة سياسية شاملة.
«القمع العابر للحدود»
وصفت هيومن رايتس ووتش هذه الممارسات بأنها شكل من أشكال «القمع العابر للحدود»، وهو مصطلح يستخدم لوصف محاولات الحكومات ملاحقة المعارضين أو النشطاء أو الأقليات خارج حدودها من خلال التهديد والمراقبة والابتزاز والضغط على العائلات.
ولا يتطلب هذا القمع بالضرورة اختطاف شخص أو الاعتداء عليه خارج البلاد؛ فقد يعتمد على تخويف أقاربه في الداخل، أو مراقبة أنشطته، أو مطالبة زائرين بجمع معلومات، أو دفع أفراد المجتمع إلى تجنب النشاط العام خوفًا من العواقب.
ويؤدي ذلك في كثير من الأحيان إلى ما يشبه الرقابة الذاتية، إذ قد يتردد بعض الإيغور في المشاركة في مظاهرات أو مناسبات ثقافية أو نشاطات حقوقية خشية أن يدفع أقاربهم الثمن.
دعوات إلى حماية الإيغور في أستراليا
وأدان مؤتمر الإيغور العالمي ما وصفه باستجواب وترهيب الإيغور الأستراليين، مطالبًا الحكومة الأسترالية باتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لحماية أفراد الجالية من الضغوط الخارجية.
ودعا إلى وضع آليات مستدامة لمواجهة القمع العابر للحدود وضمان قدرة الإيغور المقيمين في أستراليا على ممارسة حقوقهم الأساسية دون الخوف من تعرض أقاربهم داخل تركستان الشرقية للعقاب.
كما خلصت مؤسسة حقوق الإنسان، في تقرير حديث حول مواجهة القمع العابر للحدود المرتبط بالحزب الشيوعي الصيني، إلى أن الهدف الأساسي من هذه الممارسات هو بث الخوف وإضعاف الروابط داخل مجتمعات المنفى وتفتيتها على المدى الطويل.
حدود الدولة لا تنهي الرقابة
تكشف شهادات الإيغور في أستراليا أن النجاة من القمع داخل تركستان الشرقية لا تعني بالضرورة التحرر منه.
فحين تكون العائلة في الداخل عرضة للمراقبة، ويصبح السفر إليها مشروطًا بالموافقة الأمنية، وتتحول الزيارة إلى جلسات استجواب ومحاولات لتجنيد الأفراد لجمع معلومات، تمتد قدرة الدولة على الضغط إلى آلاف الكيلومترات خارج حدودها.
ومن هنا تتحول القضية من ملف حقوقي داخلي في الصين إلى تحدٍ دولي للدول التي تستضيف جاليات إيغورية؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بمنح هؤلاء حق الإقامة أو الجنسية، بل بقدرة تلك الدول على ضمان أن يعيشوا ويمارسوا نشاطهم الثقافي والسياسي دون خوف من أن تصل يد القمع إلى أسرهم في الوطن.
فالمنفى قد يبعد الإنسان عن مكان الاضطهاد، لكنه لا يضمن وحده أن يصبح آمنًا من آثاره.





اترك تعليقاً