تُعتقل حرائر المسلمين، وتُسلب حريتهن، ويُنكَّل بهن خلف القضبان، وتُنتهك كرامتهن في سجون الاحتلال ومعتقلات الظالمين، وتخرج إلى العالم مشاهد بعضهن مكبّلات، محاطات بالسلاح والقهر، لا يملكن دفعًا ولا حيلة.

ثم تمضي الأيام، وتتوالى الشهور، ويبقى منهن من ينتظر الفرج، ومن لا يُعرف مصيره، ومن تنام أسرته على أمل خبر يطمئنها بأنه لا يزال على قيد الحياة.

وأمام هذه المشاهد، يشتد السؤال إلحاحًا: أين الأمة من هذه المظالم؟ وأين أهل القدرة والمسؤولية؟ وأي معنى للأخوّة إذا لم تظهر آثارها حين تشتد المحن وتُستنصر الأمة؟

إن الأسيرات لا ينتظرن منا أن نحزن عليهن فحسب؛ بل أن نعمل، كلٌّ بما يستطيع، حتى لا يبقين وحدهن في مواجهة الظلم.

حسبنا الله ونعم الوكيل.. كلمة قوة لا ذريعة للعجز

«حسبنا الله ونعم الوكيل».

ما أعظمها من كلمة! وما أصدقها حين تخرج من قلب مؤمن يعلم أن الله حسبه وكافيه، وأن الأمر كله بيده، وأنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير.

لقد قالها المؤمنون حين خوّفهم الناس من أعدائهم، فكانت عنوانًا للثبات لا للاستسلام، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ» رواه البخاري.

فليست هذه الكلمة مظهر ضعف، ولا علامة جبن، ولا حيلة العاجزين؛ بل هي من أعظم ما يستعين به المؤمن على الظلم والشدائد.

ولكن التوكل الذي أمر الله به عباده لا يُلغي الأخذ بالأسباب، كما أن صدق الدعاء لا يُسقط واجب العمل عمن يقدر عليه.

وليس العيب في مسلم لا يملك إلا أن يرفع كفيه إلى السماء، فقد يكون دعاؤه أصدق وأعظم أثرًا من أعمال كثيرين، وإنما العيب فيمن يملك القدرة على النصرة، ثم يُعرض عنها، ويتعامل مع الدعاء وكأنه قد أعفاه من كل مسؤولية.

وشتّان بين عاجزٍ صدق في دعائه، وقادرٍ فرّط في واجبه.

من الغيرة التي تتألم إلى النصرة التي تعمل

من السهل أن نتأثر بمشهد أسيرة، وأن نكتب كلمات الغضب والحزن، وأن نستنكر انتهاك حرمات المسلمين.

لكن ما الذي يأتي بعد ذلك؟

هل نبحث عن سبيل لنصرتها؟ هل نرفع قضيتها إلى مستوى الجهاد لتحريرها؟ هل نطالب بحقوقها ونساند أهلها ونحفظ قضيتها من النسيان؟ أم نكتفي بلحظة انفعال تنتهي بانتهاء المقطع الذي شاهدناه؟

ليس المطلوب من كل مسلم ما يعجز عنه، ولا أن يحمل الفرد مسؤولية أمة بأكملها؛ فالواجبات تتفاوت بتفاوت القدرة والموقع والمسؤولية.

ولكن المؤلم حقًا أن يوجد من يملك المال أو المنبر أو النفوذ أو القرار أو القدرة على التأثير، ثم لا يكون للأسيرات من جهده نصيب.

فأي معنى للمسؤولية إذا غابت عند الحاجة إليها؟ وأي قيمة للخطابات التي تمجّد كرامة المسلمين، بينما تُترك نساؤهم في المعتقلات دون متابعة جادة أو مطالبة مستمرة بحريتهن؟

إن الغيرة الصادقة لا تكتفي بالانفعال، بل تبحث عن عمل ينفع المظلوم ويدفع عنه الأذى.

حين تتحول صورة الأسيرة إلى وسيلة للإذلال

ومن أقسى مشاهد هذه المأساة أن تُصوَّر المرأة المسلمة وهي مكبّلة، محاطة بمن اعتقلوها، ثم تُنشر صورتها أمام العالم دون إرادتها.

امرأة ربما كانت شديدة الحرص على ستر نفسها وصون خصوصيتها، ثم تجد صورتها وقد انتُزعت منها قسرًا، وصارت مادة للتداول والتشهير والابتزاز.

أي قهر أشد من أن يُسلب الإنسان حريته، ثم يُسلب حقه في صون صورته وخصوصيته؟

إن من يصوّر الأسيرة بقصد إذلالها لا يعتدي على حريتها وحدها، بل يسعى إلى مضاعفة معاناتها النفسية والاجتماعية، وجعل محنتها مشهدًا للفرجة أو الاستعراض.

والأشد إيلامًا أن يشارك بعض المتعاطفين معها في تداول هذه الصور، وهم يظنون أنهم ينصرونها، دون أن ينتبهوا إلى أنهم يوسّعون دائرة الأذى الذي أراد المعتدي إيقاعه بها.

ليست نصرة الأسيرة أن نعيد نشر مشهد إهانتها، بل أن نفضح الانتهاك دون أن نكرر انتهاك خصوصيتها.

وليس في أسر المرأة أو إكراهها أو تصويرها ما ينتقص من كرامتها أو شرفها؛ فالعار كله على من ظلمها واعتدى عليها، لا على من وقعت عليها الجريمة.

وإنما يجب أن تكون حماية كرامة الأسيرة وخصوصيتها جزءًا من الدفاع عنها، لا أمرًا يُغفل في خضم الغضب والحماسة.

أين الأمة من أسيراتها؟

في فلسطين، تقبع نساء في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وترد تقارير حقوقية عن انتهاكات تطال حقوق المعتقلات وظروف احتجازهن.

وفي تركستان الشرقية وكشمير وميانمار وغيرها، تواجه نساء مسلمات صورًا مختلفة من الاعتقال والتضييق والاضطهاد والتهجير، وسط تفاوت كبير في قدرة المؤسسات المستقلة على الوصول إليهن وتوثيق أوضاعهن.

ومع اختلاف الوقائع والجهات المسؤولة، يبقى السؤال واحدًا: هل صارت هذه المظالم أحداثًا مألوفة لا توقظ في الأمة إلا حزنًا عابرًا؟

لقد جعل الإسلام نصرة المظلوم من مقتضيات الأخوة الإيمانية.

قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: 72].

وقال رسول الله ﷺ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ» رواه البخاري ومسلم.

«ولا يُسلمه»؛ أي لا يتركه لمن يظلمه ويعتدي عليه.

فكيف نستحضر هذه المعاني، ثم لا نسأل أنفسنا عما بذلناه لمن نعرف أنهم يتعرضون للظلم؟

ولا يصح أن تتحول قضايا الأسيرات إلى مواسم من الغضب تنتهي، ولا أن تُختزل معاناتهن في أخبار تتصدر العناوين أيامًا ثم تختفي.

إن حقوقهن لا تسقط بطول الاعتقال، وواجب السعي في إنصافهن لا ينتهي بانصراف الاهتمام الإعلامي عنهن.

النصرة ليست شعارًا.. بل مسؤولية

لقد كان رسول الله ﷺ أعظم الناس توكلًا على الله، ومع ذلك كان أعظمهم أخذًا بالأسباب، وبذلًا للوسع، وسعيًا في مصالح المسلمين.

وحين عاد المهاجرون من الحبشة، لم يكن مقامهم في أرض آمنة منحة جاءت بغير سعي، بل كان ثمرة توجيه نبوي إلى البحث عن موضع يأمنون فيه على دينهم وأنفسهم.

وهكذا لم تكن الاستعانة بالله بديلًا عن العمل، بل كانت مصدرًا للقوة والصبر والثبات في القيام به.

واليوم، لا يُطلب من المسلم أن يفعل ما لا يستطيع، وإنما أن يعرف موضع قدرته فلا يفرّط فيه.

على العلماء والدعاة أن يذكّروا بحقوق المظلومين، وألا يسمحوا بأن تتحول قضاياهم إلى أخبار منسية.

وعلى الإعلام أن يوثق الانتهاكات بصدق، ويُبقي قضايا المعتقلات حاضرة، ويحمي خصوصيتهن من التشهير والاستغلال.

وعلى المؤسسات الحقوقية والإنسانية أن تتابع أوضاع الأسيرات، وتوثق ما يقع عليهن، وتسعى إلى تمكينهن من الحماية والاتصال بأهلهن والإفراج عن المحتجزات ظلمًا.

وعلى أصحاب القدرة والنفوذ أن يستخدموا ما لديهم من وسائل لوقف الانتهاكات والسعي في تحرير المظلومين.

وعلى عموم المسلمين أن يساندوا أسر المعتقلات، ويدعموا جهود المناصرة الموثوقة، وألا يساهموا في نشر ما يزيد أذى الأسيرات أو يعرّضهن للخطر.

فالنصرة ليست صخبًا بلا أثر، ولا تهورًا يزيد المصاب، وإنما بذلٌ صادق للجهد في دفع الظلم وتحقيق مصلحة المظلوم.

ومن كان عاجزًا عن ذلك كله، فلا يُستهان بدعائه، ولا يُلام على ما لم يجعل الله له إليه سبيلًا.

لا تجعلوا طول المحنة سببًا للنسيان

إن من أشد ما قد يصيب الأمة أن تعتاد مشاهد الظلم حتى تفقد قدرتها على التأثر بها.

أن ترى الأسيرة اليوم فتغضب، ثم تراها غدًا فلا يتحرك في قلبها إلا قليل، حتى يصبح مشهد الأغلال والسجون والوجوه المنهكة جزءًا مألوفًا من الأخبار.

وهذا الاعتياد أخطر من مجرد الصمت؛ لأنه يطفئ الشعور بالمسؤولية، ويجعل استمرار الظلم أمرًا لا يستدعي مراجعة ولا عملًا.

وما ينبغي للمسلمين أن يقبلوا لأنفسهم أن تصبح حرائرهم مجرد أرقام في قوائم المعتقلين، أو صورًا تتناقلها الشاشات، أو حكايات حزينة يتذكرونها عند كل حادثة جديدة.

إن لكل أسيرة اسمًا وأسرة وحقًا في الحرية والكرامة، ولكل مظلومة قضية لا يجوز أن تموت بالنسيان.

وليس الوفاء لها بأن نضاعف الحزن عليها، وإنما أن نبحث عما نستطيع فعله من أجلها، وأن نستمر في المطالبة بحقوقها ولو طال الطريق.

حسبنا الله ونعم الوكيل.. فليصدق العمل مع الدعاء

يا أمة الإسلام!

إن الأسيرات لا يحتجن إلى غضبنا وحده، بل إلى نصرة صادقة، وإلى من يجعل قضاياهن حاضرة في ضميره وعمله، وإلى من يرفض أن يطوي الزمن صفحات الظلم وكأن شيئًا لم يكن.

فلا تجعلوا الدعاء موضع لوم، ولا تجعلوا العمل غائبًا باسم الدعاء.

ولا تُحمّلوا العاجز ما لا يطيق، ولكن لا تعذروا القادر في تقصيره، ولا المسؤول في تخليه عن واجبه.

فما أقبح الصمت حين يكون الكلام قادرًا على دفع ظلم، وما أقبح القعود حين تكون القدرة على النصرة موجودة!

ولنردد جميعًا: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، لا باعتبارها خاتمة واجبنا، بل باعتبارها زادًا لقلوبنا في طريق القيام به.

ندعو الله أن يفك أسر المظلومين، ونأخذ بما نستطيع من الأسباب، ونعين من نقدر على إعانته، ونطالب بحق من نستطيع أن نرفع صوته.

فليس الجبن أن تقول: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، وليس العجز عارًا على من استنفد وسعه.

وإنما الخذلان أن تملك سبيلًا لنصرة المظلوم، ثم تختار أن تتركه وحده، حتى تصبح الكلمات بديلًا عن العمل، ويصبح الصمت عذرًا للتقصير.

حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم؛ وعلى الله توكلنا، وبما نستطيع من أسباب النصرة نعمل.

فالأمة التي تحفظ عهد الأخوة لا تنسى أسيراتها، ولا تترك المظلومات لمصيرهن ما دامت تملك سبيلًا مشروعًا لدفع الظلم عنهن.

وكفى به عارًا يلاحق أمة كاملة، أن تؤسر حرائرها في أيدي المحتلين، وكفى به سببا يوقظ الضمائر ويوجب الإعداد والجهاد لإقامة العدالة في الأرض.