شهدت الساحة السياسية والدينية في كيان الاحتلال موجة جديدة من الجدل بعد تصريحات مثيرة أدلى بها الحاخام دوف لاندو، الزعيم الروحي لحزب ديغل هتوراه الحريدي، اعتبر فيها أن الجنود اليهود المتدينين الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي يرتكبون “جريمة قتل” إذا شاركوا في حروب لا تهدف إلى الدفاع عن الدولة، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة داخل الحكومة، ودفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى إصدار إدانة نادرة لتصريحات أحد كبار الحاخامات الحريديم.
اتهام مباشر للجنود المتدينين

وخلال لقاء عقده في منزله بمدينة بني براك مع مسؤولي مدرسة “مير” الدينية، وجّه الحاخام لاندو انتقادًا حادًا لأبناء التيار الصهيوني الديني الذين يؤدون الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي.
وقال متسائلًا: “إذا كانت الدولة ترسل الجنود من أجل شرف الدولة، فيذهبون ويقتلون الناس، فهل هذا جائز أيضًا؟ هذا قتل بكل معنى الكلمة.”
وأضاف أن السلطات الإسرائيلية: “تحرض على القتل، وتخوض الحروب ليس من أجل الإنقاذ، وإنما من أجل كرامة الدولة.”
وتُعد هذه التصريحات من أشد المواقف التي يعلنها أحد أبرز قادة التيار الحريدي ضد الخدمة العسكرية، في وقت تتصاعد فيه أزمة تجنيد اليهود المتدينين.
انقسام داخل الائتلاف الحاكم
أبرزت تصريحات لاندو حجم الانقسام داخل الائتلاف الحكومي بين الأحزاب الحريدية الرافضة للخدمة العسكرية، وبين أحزاب الصهيونية الدينية التي يشارك أبناؤها بصورة واسعة في الجيش، وخاصة في الوحدات القتالية.
ويُحمّل كثير من أبناء التيار الديني القومي الحريديم مسؤولية تفاقم أزمة النقص في القوى البشرية داخل الجيش، بعد استمرار إعفاء عشرات الآلاف من طلاب المدارس الدينية من التجنيد، الأمر الذي أجبر جنود الاحتياط على قضاء مئات الأيام في الخدمة العسكرية.
نتنياهو يرد بإدانة غير معتادة
وعقب تصاعد الجدل، أصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بيانًا دافع فيه عن الجنود الإسرائيليين، معتبرًا أنهم يضحون بحياتهم من أجل حماية الدولة.
وقال نتنياهو:
“جنود الجيش الإسرائيلي، سواء كانوا علمانيين أو حريديم، يتركون منازلهم وأعمالهم وعائلاتهم ويخاطرون بحياتهم من أجل حماية دولة إسرائيل ومواطنيها. إنهم يستحقون التقدير العميق والامتنان والدعم الكامل من جميع فئات المجتمع، وبالتأكيد من عالم التوراة.”
ويعد هذا الموقف من نتنياهو نادرًا، نظرًا لاعتماده السياسي على الأحزاب الحريدية التي تشكل أحد أعمدة حكومته.
الحريديم يدافعون عن الحاخام

ورغم الانتقادات، سارع حزب ديغل هتوراه بزعامة عضو الكنيست موشيه غافني إلى الدفاع عن الحاخام لاندو، مؤكدًا أن تصريحاته “مقدسة”، وأن من لا يفهم السياق الديني لكلامه “لا ينبغي له التسرع في تفسيرها أو مهاجمتها”.
كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مقربين من لاندو أن حديثه لم يكن موجهًا ضد الجنود المتدينين أنفسهم، وإنما جاء ضمن نقاش فقهي نظري حول شرعية الحروب التي تُخاض “من أجل شرف الدولة” وليس من أجل الدفاع عنها.
أزمة التجنيد مستمرة
وتأتي هذه التصريحات في خضم أزمة سياسية وقانونية متواصلة بشأن تجنيد اليهود الحريديم، بعدما قضت المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2024 بعدم قانونية استمرار الإعفاءات الجماعية من الخدمة العسكرية دون تشريع جديد.
وفي محاولة لحماية تلك الإعفاءات، أقر الكنيست الأسبوع الماضي قانونًا أساسياً يعتبر دراسة التوراة “قيمة تأسيسية للشعب اليهودي”، وهو ما يرى مؤيدوه أنه يعزز المبررات القانونية لاستمرار إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية.
كما أقر الكنيست قانونًا آخر يمنح عشرات الآلاف من الحريديم المطلوبين للتجنيد حصانة مؤقتة من الاعتقال حتى أواخر يناير/كانون الثاني 2027، إلا أن المحكمة العليا جمدت تنفيذ القانون وحددت جلسة للنظر فيه في 28 يوليو/تموز الجاري.
عشرات الآلاف خارج الخدمة
وبحسب التقديرات الرسمية، يوجد حاليًا نحو 72 ألف شاب حريدي تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا مؤهلون للخدمة العسكرية لكنهم لم يلتحقوا بالجيش، رغم تأكيد المؤسسة العسكرية أنها تواجه نقصًا حادًا في القوى البشرية في ظل استمرار العمليات العسكرية على أكثر من جبهة منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتعكس تصريحات الحاخام دوف لاندو استمرار الانقسام العميق داخل المجتمع الإسرائيلي بين التيارات الدينية والعلمانية، وبين الأحزاب الحريدية والقوى الصهيونية الدينية، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في السياسة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة.





اترك تعليقاً