يعيش أهالي بلدة المنصوري في جنوب لبنان مشهدًا قاسيًا منذ أسابيع؛ فمن التلال المقابلة لقريتهم، التي اضطروا إلى النزوح منها مجددًا، يشاهدون القوات الإسرائيلية وهي تهدم المنازل وتفجر المباني وتجرف الأراضي تباعًا، رغم سريان وقف إطلاق النار.
وبحسب تقرير ميداني نشره موقع «ميدل إيست آي» في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (20 ربيع الآخر 1448هـ)، فإن البلدة الواقعة على تلة خضراء على بعد بضعة كيلومترات جنوب مدينة صور، والتي تعرضت أصلًا لأضرار واسعة خلال الحرب، تشهد عمليات هدم متواصلة باستخدام المتفجرات والغارات الجوية.
ويصف جيش الاحتلال الإسرائيلي المنصوري بأنها معقل عملياتي لحزب الله، فيما يقول سكانها إن ما يجري يحول قريتهم تدريجيًا إلى منطقة غير قابلة للحياة ويبدد آمال نحو خمسة آلاف من أبنائها في العودة إلى منازلهم.
«الخط الأصفر» يقسم القرية.. والسكان نزحوا مجددًا

كانت المنصوري في البداية خارج ما يسمى «الخط الأصفر»، وهو خط أمني فرضته إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية عقب دخول وقف إطلاق النار الأخير حيز التنفيذ.
لكن الخط امتد لاحقًا ليقطع البلدة إلى قسمين. ووفق التقرير، فإن الواقع الميداني يتجاوز ذلك، إذ باتت القرية بأكملها تحت السيطرة الإسرائيلية، بعدما اضطر السكان الذين عادوا إليها إلى النزوح مجددًا خلال الصيف تحت وطأة العمليات الجوية الإسرائيلية.
وقال رئيس بلدية المنصوري لوسائل إعلام محلية إن السكان تعرضوا لهجمات بالمدفعية، إلى جانب قنابل يدوية وصوتية ألقتها طائرات مسيّرة، مشيرًا إلى أنه أصيب هو نفسه في هجوم إسرائيلي ونجا منه.
ينتظرون دور منازلهم في الهدم
في قرية حنيّة المجاورة، التي لا يزال المدنيون اللبنانيون قادرين على الوصول إليها بالسيارات، يتجمع يوميًا عشرات النازحين من المنصوري على مرتفع يكشف قريتهم بوضوح.
ومن هناك يشاهدون القوات الإسرائيلية وهي تعمل داخل البلدة.
أحمد، وهو رجل يبلغ 47 عامًا، وضع هاتفه على حامل بجانب الطريق وبدأ بث ما يحدث مباشرة عبر فيسبوك في محاولة لتوثيق تدمير قريته.
وأشار إلى منزل أصفر في الأفق قائلًا إنه منزله، وإنه المنزل الوحيد الذي لا يزال قائمًا بين المنازل المحيطة به.
بالنسبة إليه، لم يعد السؤال إن كان منزله سيُهدم، بل متى سيأتي دوره.
وبجواره كان علي، وهو من سكان المنصوري وقد دُمّر منزله خلال الحرب، يراقب الأرض التي كان يعمل فيها قبل النزوح.
وقال: «إنه أسوأ من أي شيء. لم يعد لدي عمل. كانت لدي أرض زراعية أسفل القرية. انظر، الدخان يتصاعد من هناك؛ إنهم يحرقون أرضي».
ورغم ذلك، قال إنه يصر على البقاء في أقرب نقطة ممكنة من قريته لأنه لا يريد التخلي عنها.
مسيّرات تضع المتفجرات فوق المنازل
ويقول السكان إن عمليات التدمير لا تقتصر على القصف أو استخدام الجرافات.
وعرض أحد الأهالي مقطعًا قال إنه صُوّر خلال الأيام الأخيرة، تظهر فيه طائرة مسيّرة إسرائيلية تخفض ببطء عبوة متفجرة معلقة بحبل وتضعها فوق سطح أحد المباني، قبل أن ينفجر المكان بعد دقائق.
وخلال وجود مراسل الموقع مع الأهالي، شوهدت سحابة من الغبار تتحرك داخل إحدى طرق المنصوري مع تقدم مركبات إسرائيلية، بينما قال أحد السكان الذي كان يراقب القرية بالمنظار إنه شاهد آلية تعمل على إزالة أنقاض منزل تم هدمه وتحويل موقعه إلى قطعة أرض خالية.
وتقول ابتسام، وهي امرأة تبلغ 38 عامًا من سكان المنصوري، إن المشهد يتكرر بصورة شبه يومية:
«كل يوم يحدث شيء. يوم يقصفون، وفي اليوم التالي يرسلون الجرافات. وأحيانًا تنفجر عبوات زرعوها داخل منازلنا. إنه تعذيب؛ إنهم يهدمون حياتنا أمام أعيننا».
لكنها أضافت: «هذه الأرض هي كل شيء بالنسبة إلينا. سنعود ونعيد البناء إن شاء الله».
نحو 460 كيلومترًا مربعًا جنوب «الخط الأصفر»

ولا تقتصر القضية، بحسب التقرير، على المنصوري.
فهي واحدة من 63 قرية تقع في المنطقة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي جنوب «الخط الأصفر»، والتي تبلغ مساحتها نحو 460 كيلومترًا مربعًا.
ويقول السكان إنهم يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم، سواء من المجتمع الدولي أو من الدولة اللبنانية، في وقت لا يظهر فيه الجيش اللبناني في المناطق التي فقدوا القدرة على الوصول إليها.
وكان أهالي المنصوري قد نظموا خلال الصيف اعتصامًا سلميًا بالقرب من نقطة للجيش اللبناني في العامرية تحت شعار «المنصوري ليست محتلة»، مطالبين بوقف القصف وعودة الجيش اللبناني إلى قريتهم.
وقال المشاركون إنهم مستعدون للسير إلى البلدة إلى جانب الجيش بمجرد اتخاذ قرار بالدخول إليها.
لكن أحد السكان قال إن شيئًا لم يتغير بعد ذلك: «تُركنا نحن وقريتنا. ومنذ ذلك الحين لم يساعدنا أحد إطلاقًا، بينما ما زلنا نازحين ولم يعد لدى أحد عمل».
مخاوف من منع السكان من العودة
وأصبحت المنصوري، إلى جانب بلدات أخرى مثل طلوسة وميس الجبل، من أبرز مناطق العمليات العسكرية الإسرائيلية الحالية في جنوب لبنان.
وبحسب التقرير، يرى كثير من اللبنانيين أن عمليات الهدم تهدف إلى استكمال تدمير المناطق الحدودية بطريقة تجعل عودة سكانها أكثر صعوبة، بما يسمح لإسرائيل بتثبيت وجودها على الأرض لفترة طويلة.
غير أن هذا يمثل تفسيرًا ومخاوف لبنانية أوردها التقرير، وليس هدفًا إسرائيليًا معلنًا.
وتستمر العمليات رغم اتفاق الإطار المبرم في 26 يونيو/حزيران، والذي كان يفترض اختبار ترتيبات مختلفة في ثلاث مناطق هي فرون وصريفا وزوطر الغربية.
وبموجب تلك الترتيبات، كان من المفترض أن يستعيد الجيش اللبناني تدريجيًا السيطرة الميدانية، ويؤمّن البلدات ويمنع أي وجود مسلح غير مصرح به، بالتنسيق مع آلية تقودها الولايات المتحدة لمراقبة تنفيذ الاتفاق.
احتكاكات بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي
لكن التطبيق الميداني واجه عقبات.
ففي زوطر الغربية، اتُّهم جنود إسرائيليون بإطلاق النار بالقرب من عناصر الجيش اللبناني أثناء انتشارهم في المنطقة.
وفي 18 سبتمبر/أيلول، اقتربت قوة إسرائيلية من موقع للجيش اللبناني في دير ميماس وألقت قنابل صوتية في محيطه، ما تسبب في مواجهة جرى احتواؤها بعد تدخل آلية التنسيق المشرفة على الاتفاق، بحسب التقرير.
ويعكس ذلك الفجوة بين الترتيبات المعلنة وبين الواقع الذي يعيشه سكان المناطق الحدودية.
وبينما تستمر عمليات الهدم، يبقى أهالي المنصوري على التلال المقابلة، يراقبون قريتهم منزلًا بعد منزل؛ بعضهم يوثق ما يحدث بهاتفه، وبعضهم يتابع بالمنظار، فيما ينتظر آخرون مصير المنازل القليلة التي ما زالت قائمة.
بالنسبة إليهم، لم يعد وقف إطلاق النار يعني نهاية الحرب؛ فالقصف قد يتوقف في يوم، لكن الجرافات والمتفجرات تواصل تغيير قريتهم أمام أعينهم، بينما يبقى سؤال العودة بلا إجابة.





اترك تعليقاً