تعطل خط «شرق–غرب» السعودي يضاعف أزمة الطاقة بين هرمز وباب المندب

Depositphotos 170802972 L

دخلت أزمة الطاقة في الشرق الأوسط مرحلة أكثر تعقيدًا بعد خروج خط أنابيب النفط السعودي «شرق–غرب» عن الخدمة إثر هجوم بطائرات مسيرة، في وقت تعاني فيه حركة الملاحة أصلًا من اضطرابات حادة في مضيق هرمز، بينما يتزايد القلق من امتداد الخطر إلى باب المندب مع التصعيد العسكري في اليمن.

ويمتد خط «شرق–غرب»، المعروف أيضًا باسم «بترولاين»، لنحو 1200 كيلومتر من شرق السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وخلال الأشهر الماضية أصبح الخط أحد أهم البدائل التي تعتمد عليها المملكة لنقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، وكان يحمل ما بين أربعة وخمسة ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 4% إلى 5% من الإمدادات النفطية العالمية.

لكن هجومًا بطائرات مسيرة في 11 سبتمبر/أيلول 2026 (30 ربيع الأول 1448هـ) دفع السعودية إلى إيقاف الخط احترازيًا. وقالت الرياض وبغداد إن الطائرات انطلقت من الأراضي العراقية، حيث تنشط جماعات مسلحة مرتبطة بإيران، فيما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم. كما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقًا إنه يرجح مسؤولية إيران، من دون تقديم دليل معلن يثبت ذلك.

ضربة لطريق كان يفترض أن يتجاوز هرمز

تكمن أهمية الهجوم في أن خط «شرق–غرب» لم يكن مجرد منشأة نفطية داخلية؛ فقد أصبح خلال الحرب الحالية طريقًا حيويًا لتجاوز الاختناق في مضيق هرمز.

وتراجعت حركة السفن عبر المضيق بصورة حادة مع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. وأظهرت بيانات الشحن أن أربع سفن فقط عبرت المضيق في أحد أيام منتصف سبتمبر، مقارنة بمتوسط بلغ 18 سفينة يوميًا خلال الأيام العشرة السابقة، فيما كانت الحركة قبل الحرب أكبر بكثير.

ولهذا كانت السعودية تنقل ملايين البراميل يوميًا من حقولها الشرقية عبر الصحراء إلى ينبع، قبل شحنها من البحر الأحمر. لكن تعطل الخط نقل الأزمة من الخليج إلى المسار البديل نفسه.

وقالت مصادر في سوق النفط لرويترز إن مخزونات ينبع المتاحة للتصدير كانت تكفي لنحو خمسة إلى سبعة أيام فقط إذا استمر توقف الخط، بينما تراوحت تقديرات إصلاح الأضرار بين استئناف جزئي أسرع وعودة كاملة قد تستغرق خمسة أو ستة أسابيع.

وفي 18 سبتمبر/أيلول (7 ربيع الآخر 1448هـ)، أفادت تقارير بأن أرامكو أبلغت بعض المصافي الأوروبية بأنها لن تحصل على شحناتها المعتادة في أكتوبر/تشرين الأول بعد تضرر ثلاث محطات ضخ وتعطل عمليات التحميل في ينبع. وفي المقابل، بدأت الشركة زيادة الشحنات من الخليج عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قرب ميناء صحار العُماني لتعويض جزء من الكميات المفقودة. (Reuters)

باب المندب يدخل الحسابات

image 152

المشكلة الثانية أن الطريق المؤدي من ينبع إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر لم يعد هو الآخر خاليًا من المخاطر.

فالحوثيون المدعومون من إيران حققوا خلال سبتمبر تقدمًا سريعًا على الساحل الغربي لليمن، وسيطروا على مدينة المخا ومناطق أخرى، بينها جزيرة ميون الواقعة عند مدخل باب المندب، وفق تقارير رويترز. وأدى هذا التقدم إلى زيادة المخاوف بشأن الملاحة في المضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

ويأتي ذلك بعد انهيار فترة طويلة من التهدئة بين السعودية والحوثيين. ففي 13 يوليو/تموز 2026، قصفت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع اليمنية، قبل أن يرد الحوثيون بإطلاق صواريخ نحو السعودية في أول هجمات يعلنونها ضد المملكة منذ بدء التهدئة في عام 2022.

وتطور التصعيد لاحقًا إلى هجمات على ناقلات ومنشآت سعودية، بالتزامن مع عمليات عسكرية سعودية ويمنية ضد مواقع الحوثيين. وفي الأسابيع الأخيرة أدى تجدد القتال على الساحل الغربي إلى نزوح أكثر من 112 ألف شخص داخل اليمن، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

وهكذا باتت السعودية تواجه مشكلة مزدوجة: مضيق هرمز يعاني من تراجع حاد في حركة الشحن، بينما الطريق البديل عبر البحر الأحمر أصبح هو الآخر معرضًا لضغوط أمنية متزايدة.

أسعار النفط تستجيب سريعًا

انعكست هذه التطورات سريعًا على الأسواق.

فبعد تعطل خط «شرق–غرب» وتصاعد المخاطر على طرق الشحن، تجاوز خام برنت 109 دولارات للبرميل خلال الأسبوع، قبل أن يتراجع لاحقًا إلى نحو 102–103 دولارات مع ظهور مؤشرات على إمكانية إعادة تشغيل أجزاء من الخط وزيادة السعودية شحناتها عبر مسارات بديلة.

وكان خام برنت قد أغلق في 13 سبتمبر/أيلول عند 105.68 دولارات للبرميل، بعدما ارتفع بنحو 9% خلال الأسبوع السابق، في وقت ارتفعت فيه أيضًا أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

وتشير أرقام وكالة الطاقة الدولية إلى حجم الضغط على الإمدادات السعودية؛ إذ هبط إنتاج المملكة المبلغ عنه من نحو 10.9 ملايين برميل يوميًا في فبراير/شباط إلى 6.2 ملايين برميل في أغسطس/آب، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من ثلاثة عقود، في ظل تعطل طرق التصدير والحرب الإقليمية.

من أزمة ممر بحري إلى أزمة شبكة إمداد

كانت الفرضية طوال الأشهر الأولى من الحرب أن تعطل هرمز، رغم خطورته، يمكن تخفيف آثاره باستخدام البنية التحتية البديلة في المنطقة، وعلى رأسها خط «شرق–غرب» السعودي وموانئ البحر الأحمر.

لكن التطورات الأخيرة أظهرت محدودية هذا الافتراض؛ فتعطل خط الأنابيب يضغط على الطريق البري البديل، فيما يضع تقدم الحوثيين والتهديدات البحرية باب المندب نفسه تحت مزيد من المخاطر.

ولا يعني ذلك أن صادرات السعودية توقفت بالكامل؛ فالرياض لا تزال تمتلك مخزونات ومنافذ بديلة وتسعى إلى استعادة تشغيل الخط تدريجيًا. إلا أن الجمع بين ضعف حركة هرمز، وتعطل خط «شرق–غرب»، وارتفاع المخاطر في باب المندب قلّص هامش المناورة أمام أحد أكبر مصدري النفط في العالم.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، تضيف الأزمة تحديًا اقتصاديًا جديدًا إلى الحرب مع إيران؛ فكلما طالت اضطرابات الإمدادات والممرات البحرية، أصبح الحفاظ على تدفق النفط بأسعار يمكن للأسواق تحمّلها أكثر صعوبة. لكن القول إن تعطل الخط وحده أسقط الاستراتيجية الأمريكية، كما يذهب بعض المعلقين، يبقى تقييمًا سياسيًا؛ أما المؤكد حتى الآن فهو أن الهجوم أزال مؤقتًا أحد أهم صمامات الأمان التي اعتمدت عليها أسواق النفط لتجاوز أزمة مضيق هرمز.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *