في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، لم تعد المدرسة مبنى تحيط به الأسوار، ولا صفوفًا فيها مقاعد وسبورات ودفاتر.
تحت قطع من القماش المشدودة بين أشجار الزيتون، وعلى أرض زراعية، يجلس أطفال تتراوح أعمارهم بين أربع وسبع عشرة سنة على الأرض ليتلقوا دروسهم في العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم.
هذا المكان هو مدرسة الكرامة، واحدة من مبادرات تعليمية شعبية ظهرت في قطاع غزة خلال الأشهر الأخيرة، في محاولة لملء الفراغ الذي خلّفه انهيار منظومة التعليم بفعل الحرب الإسرائيلية.
وفي تقرير ميداني نشرته Drop Site News في 18 أغسطس/آب 2026، الموافق 5 ربيع الأول 1448هـ، رصدت الصحفية رشا أبو جلال تجربة المدرسة، وقدمت من خلالها صورة أوسع لمعركة يخوضها المعلمون والأسر في غزة لمنع جيل كامل من فقدان التعليم.
مدرسة بلا مقاعد.. لكنها تستقبل 200 طفل
تستقبل مدرسة الكرامة نحو 200 طفل وطفلة، لكن إمكاناتها لا تكاد تشبه ما يُعرف عادة بالمدرسة.
لا توجد مقاعد كافية، ولا دفاتر، ولا سبورة، ويتلقى الطلاب دروسهم داخل خيمتين أو في الهواء الطلق.
أسست المدرسة غدير عودة بعد وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد رحلة نزوح قاسية عاشتها مع عائلتها؛ إذ اضطرت، بحسب التقرير، إلى النزوح ثلاث عشرة مرة خلال الحرب قبل أن تتمكن من العودة إلى مدينة غزة.
وتقول عودة إن الدافع وراء المشروع كان مواجهة خطر آخر تركته الحرب خلفها: الجهل الذي بات يهدد جيلًا جديدًا من أطفال غزة.
فالمشكلة لم تعد في خسارة فصل دراسي أو عام واحد.
وفق اليونيسف، حُرم نحو 700 ألف طفل في غزة من التعليم النظامي الحضوري لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، فيما تضرر نحو 98% من مباني المدارس، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة بناء كاملة أو أعمال تأهيل واسعة قبل أن تصبح قابلة للاستخدام مجددًا.
أما المدارس التي بقي جزء منها صالحًا للاستخدام، فقد تحول كثير منها خلال الحرب إلى مراكز لإيواء النازحين.
التعليم نفسه أصبح من ضحايا الحرب
تكشف الأرقام الواردة في التقرير حجم الضرر الذي أصاب المجتمع التعليمي نفسه.
فبحسب مدير التعليم في شرق غزة منير أبو زعتر، قُتل خلال الحرب نحو 20 ألف طفل في سن الدراسة وأكثر من 530 معلمًا، بينما غادر قرابة 19 ألفًا و500 طالب القطاع منذ بداية الحرب. وهذه أرقام نقلها التقرير عن المسؤول التعليمي في غزة.
لكن الخسارة التعليمية لا تُقاس فقط بمن قُتل أو بمن دُمرت مدرسته.
فبعد سنوات من الانقطاع، تحذر اليونيسف من تراجع المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب لدى الأطفال؛ وكلما طال غياب التعليم المنتظم، ازدادت صعوبة عودة الطفل إلى المستوى الدراسي المناسب لعمره.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من إعادة بناء المدارس.
فحتى لو أُعيد بناء المباني غدًا، سيعود إليها أطفال عاشوا سنوات من القصف والنزوح والجوع، وفقدوا أقارب وأصدقاء ومنازل، وانقطعوا فترات طويلة عن الدراسة.
ولهذا فإن المبادرات التعليمية الجديدة في غزة تحاول أن تعالج الطفل قبل المنهج.
حين يصبح الصف مساحة لعلاج الصدمة
لا تدرّس مدرسة الكرامة إلا أربع مواد أساسية: العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم.
أما الرياضة والتكنولوجيا والتربية المدنية، التي كانت جزءًا من الدراسة قبل الحرب، فقد جرى الاستغناء عنها بسبب نقص الإمكانات.
لكن المدرسة أضافت شيئًا آخر لا يقل أهمية: أنشطة لمساعدة الأطفال على التعامل مع الصدمات النفسية التي تراكمت خلال سنوات الحرب.
ونظمت المدرسة أخيرًا مخيمًا صيفيًا شارك فيه الأطفال في أنشطة جماعية بين أشجار الزيتون، كما أُتيحت لهم مساحة للحديث عما رأوه وعاشوه.
وتكشف كلمات الأطفال حجم العبء الذي يحملونه.
فالطفلة ميس فياض، البالغة من العمر ثلاثة عشر عامًا، تحدثت أمام زملائها عن الحرب التي دمرت المدارس والمنازل والأحلام، وعن شعور الطفل أحيانًا بالذنب لمجرد أنه ما زال قادرًا على الفرح أو أنه بقي حيًا بينما فقد آخرين.
هذه الشهادات تفسر لماذا تكون استعادة التعليم في غزة ليست خدمة إضافية يمكن تأجيلها، بل جزءًا أساسيًا من حماية الأطفال واستعادة قدر من الاستقرار في حياتهم. وفي يناير/كانون الثاني 2026 وصفت اليونسيف العودة إلى التعلم بأنها ضرورة ملحّة لنحو 700 ألف طفل في سن الدراسة.
طفل يعود من السوق إلى المدرسة
لكن التعليم في غزة يصطدم أيضًا بالفقر.
تروي أسيل شاهر، والدة طفل يبلغ من العمر 12 عامًا يدرس في مدرسة الكرامة، أن عائلتها نزحت أكثر من سبع مرات، وفقد زوجها متجر الملابس الذي كان مصدر رزقهم.
ومع انهيار دخل الأسرة، اضطرت إلى إرسال ابنها محمد للعمل في الأسواق للمساعدة في توفير الطعام.
لم تكن الأم تريد لطفلها أن يعمل، لكنها تقول إن الأسرة لم تكن تملك خيارًا آخر.
ومع افتتاح المدرسة استطاع محمد ترك العمل والعودة إلى الدراسة.
وتختصر قصته جانبًا آخر من الأزمة: حين تختفي المدرسة، لا يبقى الطفل بالضرورة في المنزل؛ فقد ينتقل إلى سوق العمل أو إلى الشارع، وتتسع المسافة بينه وبين التعليم كلما طال غيابه عنه.
المساجد والمكتبات تتحول إلى فصول
ومدرسة الكرامة ليست تجربة منفردة.
فمع تدمير المؤسسات التعليمية، فتحت مساجد ومراكز مجتمعية ومكتبات عامة أبوابها لتتحول إلى مساحات تدريس مؤقتة.
ويقوم جزء كبير من هذه المبادرات على جهود مئات المعلمين المتطوعين الذين يقدمون الدروس رغم نقص الأدوات والتمويل.
بعض حملات التبرعات تمكنت من توفير طاولات وسبورات ومقاعد، بينما لا تزال مبادرات أخرى تعمل بأقل الإمكانات الممكنة.
وبحسب أبو زغيتر، أصبح نحو 400 ألف طفل منخرطين في شكل ما من أشكال البرامج التعليمية الحكومية أو المجتمعية، لكن قرابة 130 ألف طفل ما زالوا خارج العملية التعليمية كليًا.
والتعليم عن بُعد لا يصل إلى الجميع
حاولت وزارة التربية والتعليم توسيع التعليم الإلكتروني، ورفع المعلمون دروسًا عبر الإنترنت وتطبيقات الهواتف. لكن الحل الذي يبدو بسيطًا خارج غزة يصطدم داخلها بواقع مختلف.
فشبكات الاتصالات تضررت، والكهرباء غير مستقرة، والهواتف الذكية والحواسيب ليست متاحة لكثير من العائلات، إضافة إلى أن أسرًا فقدت ممتلكاتها بالكامل خلال النزوح.
والنتيجة، بحسب المسؤول التعليمي، أن 14% فقط من الطلاب كانوا مسجلين في التعليم الإلكتروني.
ولهذا عاد الحل إلى أبسط صورة ممكنة: معلم. مجموعة أطفال. خيمة أو مسجد أو مكتبة. وقلم وورقة إن أمكن العثور عليهما.
المدرسة ليست المبنى وحده
ربما تكشف تجربة الكرامة واحدة من أهم حقائق الحرب على غزة: تدمير المدرسة لا يعني خسارة جدرانها فقط.
فالمدرسة هي المكان الذي يتعلم فيه الطفل، لكنه أيضًا المكان الذي يستعيد فيه روتين حياته، ويلتقي بأقرانه، ويخرج لساعات من عالم النزوح والخيام والقصف والخوف.
ولهذا يمكن فهم إصرار الأهالي على إرسال أطفالهم إلى هذه المراكز رغم بساطتها.
غير أن الخوف لم يختفِ.
فمع استمرار سقوط ضحايا حتى بعد وقف إطلاق النار، يقول المعلمون إن بعض الآباء ما زالوا يخشون إرسال أطفالهم إلى أماكن الدراسة خوفًا من القصف أو إطلاق النار.
حلول مؤقتة لجيل لا يستطيع الانتظار

الجهود الشعبية تعيد أطفالًا إلى الدراسة، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا دائمًا لنظام تعليمي كامل.
ويحذر أبو زعيتر من أن المدارس المؤقتة ليست حلًا يمكن الاعتماد عليه لسنوات، مؤكدًا الحاجة إلى إدخال مواد البناء والمعدات واللوازم المدرسية لإعادة تأهيل البنية التعليمية في غزة.
وتؤكد أرقام اليونيسف حجم المهمة؛ فقرابة جميع مباني المدارس في القطاع تعرضت لأضرار، وأكثر من تسعة من كل عشرة منها تحتاج إلى إعادة إعمار أو تأهيل كبير.
لكن انتظار إعادة الإعمار يعني بالنسبة إلى الطفل شيئًا مختلفًا عما يعنيه للسياسي أو للمانح الدولي. فالعام الذي يمر لا يمكن إعادته إلى طفل.
والطفل في السابعة اليوم سيكون في العاشرة بعد ثلاثة أعوام، سواء كانت مدرسته قد أُعيد بناؤها أم لا.
ولهذا تبدو المدارس المؤقتة في غزة أكثر من مجرد مبادرات أهلية لسد فراغ مؤقت.
إنها محاولة لمنع الحرب من تحقيق خسارة أخرى طويلة الأمد: أن تدمر مستقبل جيل بعدما دمرت مدنه ومدارسه وبيوته.
وبين أشجار الزيتون في الشيخ رضوان، قالت ميس فياض ما ربما يلخص القضية كلها؛ فهي وأطفال غزة، بعد أن حُرموا مدارسهم وأحلامهم، لا يطلبون امتيازًا استثنائيًا، بل حقًا يبدو بديهيًا في أي مكان آخر من العالم:
أن يتعلموا، وأن يعيشوا في مكان آمن، وأن يناموا دون خوف.
ففي غزة اليوم، قد تكون إعادة بناء المدرسة مسألة إسمنت وحديد.
لكن إعادة طفل إلى مقعد الدراسة هي محاولة لإعادة شيء من طفولته التي أخذتها الحرب.





اترك تعليقاً