يصادف 9 صفر 1448هـ (23 يوليو 2026م) مرور خمسة وسبعين عامًا على اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين، التي أُقرت في 28 شوال 1370هـ (28 يوليو 1951م) عقب الحرب العالمية الثانية، قبل أن تدخل حيز التنفيذ بعد ثلاث سنوات، إثر مصادقة أستراليا عليها لتصبح الدولة السادسة المنضمة إليها.
واليوم، أصبحت 149 دولة أطرافًا في الاتفاقية و/أو بروتوكولها الصادر عام 1387هـ (1967م)، الذي وسّع نطاق تطبيقها ليتجاوز ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، لتصبح الإطار القانوني الدولي الأبرز لحماية اللاجئين.
وتستند آلاف القرارات اليومية المتعلقة بحماية اللاجئين إلى المبادئ الأساسية للاتفاقية، ما يجعلها من أكثر المعاهدات الدولية تطبيقًا. فهي تحدد من هو اللاجئ، وتكفل له مجموعة من الحقوق الأساسية، أبرزها:
– عدم إعادة اللاجئ إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد.
– عدم معاقبته بسبب دخوله دولة أخرى دون وثائق سفر سارية.
– منحه وضعًا قانونيًا يتيح له إعادة بناء حياته بأمان وكرامة.
انتقادات متزايدة… لكن الاتفاقية ليست سبب الأزمة.
رغم قدرتها على التكيف طوال خمسة وسبعين عامًا، فإن تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتفاقم آثار التغير المناخي، والضغوط المتزايدة على الموارد، دفع بعض الأصوات إلى اعتبار الاتفاقية غير ملائمة للواقع الحالي.
ويرى منتقدوها أنها إما محدودة للغاية بحيث لا تستجيب لتحديات النزوح المعاصر، أو واسعة إلى درجة تجعل تطبيقها غير مستدام، كما يشيرون إلى أنها لا تقدم حلولًا لتدفقات اللاجئين الجماعية ولا توزع الأعباء بالتساوي بين الدول.
إلا أن خبراء القانون الدولي يؤكدون أن هذه المهام لم تكن يومًا ضمن أهداف الاتفاقية، إذ صُممت أساسًا لتوفير إطار قانوني موحد يجعل حماية اللاجئين أكثر اتساقًا وقابلية للتنبؤ، وليس لإدارة الأزمات الدولية أو توزيع المسؤوليات بين الدول.
ويحذر المختصون من أن غياب الاتفاقية لن يوقف النزوح، بل سيؤدي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
أزمة تمويل تهدد حماية ملايين اللاجئين
تواجه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واحدة من أصعب الأزمات المالية في تاريخها، بعدما خفضت الإدارة الأمريكية، عقب تولي الرئيس دونالد ترامب السلطة، برامج المساعدات الخارجية والتبرعات الأمريكية بصورة كبيرة، رغم أن الولايات المتحدة كانت تاريخيًا أكبر ممول للمفوضية.
وبحلول جمادى الأولى 1447هـ (نوفمبر 2025م)، واجهت المفوضية عجزًا ماليًا بلغ 1.3 مليار دولار أمريكي مقارنة بعام 1446هـ (2024م)، ما اضطرها إلى إلغاء خمسة آلاف وظيفة وإغلاق أو دمج 185 مكتبًا، وهو ما يمثل انخفاضًا بنسبة 25% من إجمالي تمويلها.
وقال المفوض السامي السابق فيليبو غراندي عند مغادرته منصبه في رجب 1447هـ (ديسمبر 2025م):
«”في مواجهة هذه التخفيضات واسعة النطاق، لم يكن أمامنا خيار سوى تقليص الأنشطة المنقذة للحياة والمغيرة لها.”»
ورغم زيادة مساهمات عدد من الدول الأوروبية واليابان، فإن المفوضية تتوقع تغطية نحو 35% فقط من احتياجاتها التمويلية لعام 1448هـ (2026م).
ويرى مسؤولون أمميون أن تقليص التمويل قد يؤدي، على عكس ما تأمله بعض الحكومات، إلى زيادة أعداد الأشخاص الذين يسعون للوصول إلى دول أخرى طلبًا للحماية.
وأكد المفوض السامي الجديد برهم صالح، في وقت سابق من 1448هـ (2026م)، أن المرحلة الراهنة تتطلب “تحولًا حاسمًا” يقوم على الانتقال من إدارة النزوح طويل الأمد إلى إيجاد حلول جماعية ومستدامة، مشددًا على أن اتفاقية اللاجئين ما تزال تمثل حجر الزاوية في نظام الحماية الدولي.
اللاجئون بين التسييس وخطاب الكراهية
يشير التقرير إلى أن اللاجئين أصبحوا في كثير من الأحيان ضحية للخطابات السياسية والشعبوية، إذ يُحمَّلون مسؤولية أزمات اقتصادية أو أمنية أو ثقافية، بينما تبقى الأسباب الحقيقية لهذه المشكلات دون معالجة.
وكان فيليبو غراندي قد حذر سابقًا من أن الخطاب السياسي “القاسي” يمنح غطاءً للتمييز والعنصرية وكراهية الأجانب، ويقوض الدعم الشعبي لحماية اللاجئين.
كما يسهم انتشار المعلومات المضللة في سن قوانين وسياسات تقيّد حق اللجوء، في وقت تتجه فيه الدول إلى تشديد إجراءاتها الحدودية، والاستعانة بتقنيات حديثة تجعل عمليات ردع اللاجئين أكثر تعقيدًا وأقل ظهورًا.
ورغم ذلك، لم تنسحب أي دولة حتى اليوم من اتفاقية اللاجئين أو بروتوكولها، في إقرار ضمني بأن غياب إطار قانوني مشترك سيؤدي إلى مزيد من الاضطراب الدولي.
التعاون الدولي… مفتاح نجاح الاتفاقية
تؤكد الدراسة أن الاتفاقية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان حماية اللاجئين، بل تحتاج إلى تعاون دولي فعّال وتقاسم عادل للمسؤوليات.
ولهذا السبب، كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أقرت قبل 80 عامًا، أي في 1365هـ (1946م)، أن قضية اللاجئين “دولية في نطاقها وطبيعتها”، وتستلزم تعاونًا متعدد الأطراف.
ويرى الخبراء أن المجتمع الدولي مطالب بوضع آليات أكثر استقرارًا لتقاسم المسؤولية وتوسيع مسارات الحماية الآمنة، وهي أهداف بدأ العمل عليها من خلال الميثاق العالمي للاجئين المعتمد عام 1440هـ (2018م)، إلا أن الطريق لا يزال طويلًا.
ذا كونفرسيشن.





اترك تعليقاً