بدأ آلاف النازحين في العودة إلى منازلهم في بلدة أم دافوك شمال شرقي جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد أكثر من شهرين على هجوم مسلح دموي ضرب المنطقة الحدودية مع السودان وأدى إلى مقتل العشرات ونزوح أكثر من 17 ألف شخص، في واحدة من الأزمات التي بقيت بعيدة إلى حد كبير عن الاهتمام الإعلامي الدولي.
وبحسب تحديث للأمم المتحدة، عاد أكثر من 5 آلاف شخص إلى أم دافوك مع تحسن نسبي في الوضع الأمني، فيما أعادت السوق المحلية فتح أبوابها في 4 سبتمبر/أيلول، في مؤشر على استئناف جانب من الحياة اليومية بعد أسابيع من النزوح والخوف.
لكن العودة لا تعني انتهاء الأزمة؛ فالوضع الأمني ما يزال هشًا، فيما تواصل بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى «MINUSCA» تعزيز وجودها وتسيير الدوريات لضبط الأمن في المنطقة.
هجوم قلب حياة البلدة

تعود الأزمة الحالية إلى 30 يونيو/حزيران 2026، عندما تعرضت أم دافوك، الواقعة في ولاية فاكاغا عند الحدود مع السودان، لهجوم مسلح واسع.
وأسفر الهجوم، وفق المعطيات الأممية، عن مقتل 29 شخصًا، كما دفع أعدادًا كبيرة من السكان إلى الفرار من منازلهم.
وخلال الأيام التالية، تجمع أكثر من 16 ألف نازح قرب القاعدة المؤقتة لبعثة الأمم المتحدة في أم دافوك طلبًا للحماية، بينما فر أكثر من ألفي شخص آخرين إلى مدينة بيراو.
وقالت السلطات المحلية إن المهاجمين أحرقوا ونهبوا عددًا من المنازل ودمروا ممتلكات واستولوا على مخزونات من الغذاء، ما فاقم الأوضاع الإنسانية للسكان الذين اضطروا إلى ترك بيوتهم.
وأكدت MINUSCA أن الهجوم طال قوات الأمن والمدنيين وأفرادًا من قوات حفظ السلام على حد سواء.
أكثر من 17 ألف شخص يبحثون عن الأمان

سرعان ما تحولت المنطقة المحيطة بقاعدة الأمم المتحدة إلى ملاذ مؤقت لآلاف الفارين.
وفي 14 يوليو/تموز، قالت MINUSCA إن أكثر من 17 ألف شخص لجؤوا إلى جوار قاعدتها المؤقتة بعد الهجمات، وإنها عملت مع المنظمات الإنسانية على إيصال الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد المياه والصرف الصحي والملاجئ الطارئة والاحتياجات المنزلية الأساسية.
وكان الحصول على المياه والرعاية الصحية والغذاء من أبرز التحديات التي واجهت النازحين.
وقالت البعثة إن الوضع الصحي ظل مثيرًا للقلق، مع تسجيل حالات ملاريا والتهابات تنفسية وإسهال بين السكان، فيما كانت فرق الإغاثة تعمل وسط احتياجات تفوق الإمكانات المتاحة.
بداية العودة

مع مرور الأسابيع، بدأت الأوضاع الأمنية تتحسن تدريجيًا. وعززت بعثة الأمم المتحدة وجودها في المنطقة، فيما واصلت القوات المنتشرة تسيير دوريات داخل أم دافوك وفي محيطها لمنع هجمات جديدة وطمأنة السكان.
وبحلول أواخر يوليو/تموز، كانت السلطات المحلية قد بدأت بالفعل تسجيل عودة طوعية لبعض الأسر النازحة إلى منازلها.
وأشارت تقارير إلى أن أكثر من خمسة أطنان من المساعدات وصلت منذ الهجوم، وإن شركاء الإغاثة تمكنوا من تقديم المساعدة لأكثر من 17 ألف نازح.
وجاء تحديث 8 سبتمبر ليشير إلى تقدم أكبر، مع عودة أكثر من خمسة آلاف شخص وإعادة فتح السوق المحلية.
لكن المراقبون لا يزالون ينظرون بحذر لهذا التحسن، إذ تبقى المنطقة معرضة للتوترات الأمنية بسبب موقعها الحدودي وحركة الميليشيات النصرانية وتأثير الحرب المستمرة في السودان المجاور.
بلدة على حدود حرب أخرى

تكمن إحدى خصوصيات أم دافوك في موقعها. فالبلدة تقع في أقصى شمال شرقي جمهورية أفريقيا الوسطى، على الحدود مباشرة مع السودان، في منطقة ارتبطت تاريخيًا بحركة السكان والتجارة والرعي بين جانبي الحدود.
وقد انعكست الحرب السودانية على الوضع الأمني في المنطقة، مع تزايد حركة المسلحين عبر الحدود ووقوع هجمات على قرى وطرق.
وسبق أن حذرت تقارير من أن تدهور الأمن على محور بيراو–أم دافوك يرتبط جزئيًا بامتداد آثار الصراع السوداني إلى الأراضي الواقعة داخل جمهورية أفريقيا الوسطى.
مجتمع حدودي بعيد عن الأضواء
رغم حجم النزوح، لم تحظ أزمة أم دافوك باهتمام دولي يوازي عدد المتضررين منها.
فالمنطقة تقع بعيدًا عن العاصمة بانغي، في شمال شرقي البلاد، وتعاني أصلًا ضعف البنية التحتية ومحدودية الخدمات وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
وتحمل أم دافوك أيضًا أهمية خاصة عند متابعة أوضاع المجتمعات المسلمة في جمهورية أفريقيا الوسطى، إذ تقع في فاكاغا، ضمن الشمال الشرقي ذي الروابط التاريخية والاجتماعية والتجارية القوية مع السودان والمجتمعات المسلمة في المنطقة.
إن أهمية أم دافوك في ملف الأقليات والمجتمعات المسلمة المهمشة تأتي من كونها نموذجًا لمجتمع حدودي بعيد عن مراكز الاهتمام، يعيش وسط النزاعات المسلحة وضعف الحماية وامتداد الحرب من السودان المجاور.
عودة محفوفة بالخوف
عودة أكثر من خمسة آلاف شخص وإعادة فتح السوق تمثلان علامتين مشجعتين بعد النزوح الكبير الذي أعقب هجوم يونيو.
لكن تجربة أم دافوك خلال الأشهر الماضية تظهر مدى سهولة انقلاب الوضع في هذه المنطقة.
فالأسر التي تعود اليوم إلى بيوتها تعود إلى بلدة تعرضت فيها المنازل للنهب والحرق، واضطر عشرات الآلاف من سكانها ومحيطها إلى الاحتماء بقاعدة للأمم المتحدة، بينما ما تزال حماية المدنيين تعتمد بدرجة كبيرة على الدوريات العسكرية ووجود قوات حفظ السلام.
ولهذا، فإن قصة أم دافوك ليست مجرد خبر عن عودة خمسة آلاف نازح، بل قصة مجتمع حدودي مهمش يحاول استعادة حياته بعد هجوم دفع الآلاف إلى ترك منازلهم، فيما تظل الحرب على الجانب الآخر من الحدود مصدر تهديد دائم لاستقراره.





اترك تعليقاً