بين هدم مسجد سهارنبور وصناديق جايبور.. المسلمون في قلب جدل سياسي جديد بالهند

images 25

في مشهدين متزامنين يعكسان تعقيدات وضع المسلمين في السياسة الهندية، أوقفت الشرطة في ولاية أتر برديش صحفية ويوتيوبر على خلفية أحداث مرتبطة بهدم مسجد في سهارنبور، بينما دفع حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم بثمانية مرشحين مسلمين لخوض انتخابات بلدية جايبور في ولاية راجستان، في خطوة أثارت انقسامًا بين الناخبين المسلمين أنفسهم.

ويكشف الحدثان، رغم اختلاف طبيعتهما، جانبين من العلاقة المتوترة والمعقدة بين المسلمين وحزب بهاراتيا جاناتا: ففي أتر برديش تتواصل تداعيات هدم مسجد أثار انتقادات سياسية وحقوقية، بينما يحاول الحزب في راجستان استقطاب أصوات المسلمين عبر مرشحين من داخل المجتمع نفسه.

صحفية خلف القضبان بعد قضية مسجد سهارنبور

أفادت صحيفة Indian Express، في تقرير نشرته فجر الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول، بأن شرطة سهارنبور أوقفت الصحفية واليوتيوبر هدى زاريوالا، البالغة من العمر 34 عامًا، وأودعتها الحبس القضائي بتهمة «الإخلال بالسلم».

وتعود واقعة توقيفها إلى الاثنين 7 سبتمبر، عندما كانت في «Circuit House» بمدينة سهارنبور بالتزامن مع زيارة وفد سياسي معارض للمدينة في أعقاب هدم مسجد داخل مجمع الإدارة المحلية.

وبحسب رواية الشرطة، حاولت زاريوالا دخول المكان وتصرفت بصورة عدوانية عندما منعها أفراد الأمن، لتوقف لاحقًا بموجب إجراءات تتعلق بـ«الإخلال بالسلم». وهذه التفاصيل تحديدًا تمثل رواية الشرطة للواقعة، ولم يثبتها حكم قضائي مستقل حتى الآن.

لكن القضية لم تتوقف عند توقيفها. فقد سجلت الشرطة أيضًا قضية منفصلة ضد زاريوالا على خلفية محتوى نشرته عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد هدم المسجد، وقالت إنه تضمن تعليقات «اعتراضية» بحق رئيس وزراء ولاية أتر برديش يوغي أديتياناث ومسؤول الإدارة المحلية في سهارنبور.

وبذلك أصبحت الصحفية تواجه مسارين متصلين بالأحداث: توقيفًا على خلفية ما حدث أثناء زيارة الوفد، وقضية أخرى مرتبطة بما نشرته عن هدم المسجد.

مسجد داخل مجمع حكومي

وتأتي القضية امتدادًا للجدل الذي أعقب هدم مسجد كان قائمًا داخل مجمع مقر الإدارة في سهارنبور. وكانت السلطات قد هدمت المسجد في 5 سبتمبر وسط انتشار أمني كثيف، بعدما رفضت محكمة محلية طعنًا قدمته إدارة المسجد على قرار سابق بإخلاء الموقع.

وتقول السلطات إن المبنى كان مقامًا بصورة غير مصرح بها على نحو 315 مترًا مربعًا من الأراضي الحكومية، وإن الإجراءات القانونية اللازمة اتُّبعت قبل الهدم.

لكن متولي المسجد، تنوير أحمد، اعترض على هذه الرواية، وقال إن الإجراءات القانونية لم تُستكمل وإن قرار المحكمة الذي سبق الهدم يتعلق بالإخلاء ولا يتضمن أمرًا صريحًا بالهدم، معلنًا التوجه إلى القضاء الأعلى للطعن في الإجراءات.

كما أثار الهدم ردود فعل سياسية واسعة؛ إذ انتقده حزب المؤتمر وحزب ساماجوادي، وقالت النائبة إقراء حسن إنها مُنعت من الوصول إلى الموقع، بينما دافعت السلطات عن قانونية العملية.

على بعد مئات الكيلومترات.. صورة مختلفة

وفي الوقت الذي تتواصل فيه تداعيات مسجد سهارنبور، يقدم المشهد السياسي في جايبور صورة مختلفة. فقد قرر حزب بهاراتيا جاناتا الدفع بثمانية مرشحين مسلمين لخوض انتخابات مجلس بلدية جايبور المؤلف من 150 مقعدًا، والمقرر الاقتراع فيها ضمن الانتخابات المحلية التي تجرى يومي 9 و11 سبتمبر، على أن تُفرز الأصوات في 14 سبتمبر.

وتلفت الخطوة الانتباه لأن الحزب لم يقدم أي مرشح مسلم في انتخابات مجلس ولاية راجستان عام 2023 ولا في انتخابات لوك سابها لعام 2024 في الولاية.

أما هذه المرة، فقد اختار الحزب مرشحيه المسلمين الثمانية في دوائر تضم أعدادًا كبيرة من الناخبين المسلمين. وتضم القائمة ماجد خان، وشاهنواز أنصاري، وزاكر خان، وفريد الدين، وشباب جهان، وميزانا ميرزا، ورئيس منصوري، وأفسانا.

وقال المتحدث باسم الحزب في راجستان راملَال شارما إن تركيبة الناخبين أُخذت في الاعتبار عند اختيار المرشحين، معربًا عن ثقته بأن المسلمين سيصوتون على أساس «التنمية».

«نحترم المرشح.. لكن التصويت للحزب مسألة أخرى»

غير أن تقرير Indian Express من الأحياء ذات الأغلبية المسلمة في جايبور يكشف أن المعادلة ليست بهذه البساطة. ففي الدائرة 128، يخوض ماجد خان الانتخابات باسم بهاراتيا جاناتا بعد نحو 18 عامًا من العمل داخل الحزب وجناحه الخاص بالأقليات.

وبحسب الصحيفة، أبدى عدد من السكان المسلمين آراء إيجابية تجاهه شخصيًا بسبب نشاطه داخل المجتمع، لكن بعضهم قال إن تقدير المرشح لا يعني الاستعداد للتصويت للحزب الذي يمثله.

وفي المقابل، يرى ناخبون آخرون أن الانتخابات البلدية تختلف عن الانتخابات الوطنية، وأن الخدمات والعمل المحلي وشخصية المرشح قد تكون أكثر أهمية من الانتماء الحزبي.

وهذا الانقسام هو ما يجعل تجربة المرشحين الثمانية اختبارًا سياسيًا مهمًا: هل يستطيع مرشح مسلم يتمتع بقبول محلي تجاوز موقف ناخبيه من حزب بهاراتيا جاناتا نفسه؟

تجربة سابقة لم تكن ناجحة

الأرقام السابقة لا تمنح الحزب ضمانات كبيرة. ففي انتخابات بلدية جايبور عام 2020، عندما كانت المدينة مقسمة إلى مجلسي «جايبور الكبرى» و«جايبور التراثية»، قدم بهاراتيا جاناتا 14 مرشحًا مسلمًا، لكن واحدًا فقط منهم تمكن من الفوز.

وبعد وصول الحزب إلى السلطة في راجستان أواخر 2023، أعادت حكومته دمج المجلسين في هيئة بلدية واحدة تضم 150 عضوًا في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

ويعود الحزب الآن إلى تجربة المرشحين المسلمين، ولكن في بيئة سياسية مختلفة وبعد سنوات شهدت جدلًا متكررًا بشأن سياساته تجاه المسلمين.

بين الاستقطاب ومحاولة الاختراق

لا توجد علاقة مباشرة بين توقيف هدى زاريوالا في سهارنبور وترشيح ثمانية مسلمين في جايبور؛ فالحدثان وقعا في ولايتين مختلفتين ويتعلقان بملفين منفصلين تمامًا. لكن تزامنهما يقدم صورة لافتة عن موقع المسلمين في السياسة الهندية اليوم.

ففي أتر برديش، التي يحكمها يوغي أديتياناث، ما تزال قضية هدم مسجد سهارنبور تتسع سياسيًا وإعلاميًا، حتى وصلت تداعياتها إلى توقيف صحفية وفتح قضية بشأن منشوراتها على مواقع التواصل.

وفي راجستان، يحاول الحزب نفسه توسيع حضوره داخل أحياء مسلمة عبر تقديم ثمانية مرشحين من أبناء المجتمع، مع خطاب يركز على التنمية والخدمات المحلية.

ولا يعني ترشيح مسلمين بالضرورة حدوث تحول أوسع في سياسة الحزب تجاه المجتمع المسلم؛ كما لا يمكن اختزال علاقة ملايين المسلمين الهنود بالحزب في موقف واحد.

وبينما تنتظر جايبور نتائج الصناديق، تستمر في سهارنبور تداعيات هدم المسجد. وبين المشهدين يبرز تناقض سياسي واضح: حزب يسعى إلى كسب مساحة انتخابية داخل المجتمع المسلم في مدينة، بينما تواجه سياسات حكومة يقودها الحزب نفسه احتجاجًا وانتقادات حادة مرتبطة بمسجد في مدينة أخرى. أصبح صورة متكررة في واقع المسلمين في الهند.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *