بريطانيا.. كيف تحوّل تخريب مصانع الأسلحة الإسرائيلية إلى قضية إرهاب؟

6e41c65b11424acfa253e0277ba1f77d 18

تثير محاكمة تسعة ناشطين مؤيدين لفلسطين أمام القضاء البريطاني جدلًا يتجاوز واقعة اقتحام مصنع أسلحة إسرائيلي وإلحاق أضرار بمعداته، ليصل إلى حدود تعريف الإرهاب نفسه. فبينما يواجه المتهمون تهمًا تتعلق بالإتلاف والاقتحام والإخلال العنيف بالنظام العام، تبرز إمكانية اعتبار جرائم إتلاف الممتلكات ذات صلة بالإرهاب عند إصدار الأحكام، حتى دون توجيه تهمة إرهابية مستقلة. ويطرح ذلك سؤالًا بشأن حدود استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد الاحتجاجات السياسية التي تستهدف الصناعات العسكرية المرتبطة بإسرائيل.

في مقال نشره موقع «Antiwar.com» في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، الموافق 1 جمادى الأولى 1448هـ، بعنوان «ما الذي يحميه قانون الإرهاب البريطاني حقًا؟»، تناول الكاتب ديك ويتينغتون قضية تسعة ناشطين مرتبطين بحركة «بالستاين أكشن» (Palestine Action)، معتبرًا أن محاكمتهم تكشف اتساع استخدام التشريعات البريطانية لمكافحة الإرهاب إلى أنشطة تستهدف تعطيل الشركات وإلحاق خسائر اقتصادية بها، حتى عندما لا تكون إدانة المتهمين بجرائم إرهابية مستقلة مطروحة أمام هيئة المحلفين.

ويرى الكاتب أن القضية تثير إشكالية تتعلق بمدى تأثير المصالح الاقتصادية والعسكرية على تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب، ولا سيما عندما تكون الشركات المستهدفة مرتبطة بتوريد معدات عسكرية إلى إسرائيل.

غير أن الجدل لا يقتصر على موقف النشطاء أو الانتقادات الموجهة للحكومة؛ إذ تتمسك السلطات البريطانية بأن استهداف المنشآت وتدمير ممتلكاتها وإرهاب العاملين فيها لا يمكن اعتباره مجرد احتجاج سياسي، وأن خطورة هذه الأفعال قد تتجاوز حدود الجرائم التقليدية المتعلقة بالممتلكات.

من اقتحام مصنع في كينت إلى محكمة أولد بيلي

تعود القضية إلى الساعات الأولى من صباح 17 يونيو/حزيران 2024، عندما اقتحم ناشطون منشأة تابعة لشركة «إنسترو بريسيجن» (Instro Precision) في بلدة ساندويتش بمقاطعة كينت جنوب شرقي إنجلترا.

وتتبع الشركة مجموعة «إلبيت سيستمز» (Elbit Systems)، إحدى أبرز شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وتتخصص في تصنيع معدات كهروبصرية وأنظمة للرصد والتوجيه وتحديد الأهداف، تدخل ضمن استخدامات عسكرية تشمل الطائرات المسيّرة.

وقد استهدف الناشطون المنشأة ضمن حملة أطلقتها حركة «بالستاين أكشن» ضد الشركات التي تتهمها بالمساهمة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.

وبحسب رواية الادعاء البريطاني، دخل المشاركون المصنع مستخدمين أدوات لتحطيم المعدات، وألحقوا أضرارًا واسعة بأجهزة الحاسوب والآلات والمكونات الصناعية والمبنى نفسه، قُدرت قيمتها بأكثر من مليون جنيه إسترليني.

وأفاد الكاتب بأن الواقعة لم تُسفر عن إصابات جسدية، لكن النيابة قدمت أمام محكمة أولد بيلي، في افتتاح المحاكمة خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026، رواية تتضمن اتهامات باستخدام التهديد والعنف ضد حراس الأمن.

وقالت المدعية العامة آن وايت إن المشاركين وصلوا إلى الموقع حاملين مطارق ثقيلة وأدوات لقطع الأسوار وألعابًا نارية وعبوات دخانية، وإن إحدى مجموعاتهم عملت على إبعاد أفراد الأمن، بينما تولت مجموعة أخرى دخول المنشأة وتدمير المعدات.

كما ذكرت أن أحد الحراس تعرض لرش الطلاء الأحمر على وجهه وجسده، بينما حُطم زجاج سيارة حارس آخر وهو بداخلها.

وتظل هذه التفاصيل اتهامات يعرضها الادعاء أمام المحكمة، وليست أحكامًا نهائية بثبوت المسؤولية الجنائية للمتهمين.

وبدأت محاكمة تسعة أشخاص في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد أن كان عشرة متهمين مشمولين بالإجراءات في مرحلة سابقة. وهم ناصر أختر، وإليوت ويلسون، وماكسيميليان ديكسون، ونيراد أبرول، وسيرول ديفيز، وزافي ديفيز، وإيوين أوميرا، وهانا ديفيدسون، ويوليا بريغاديروفا.

ويواجه المتهمون تهمًا تشمل إلحاق أضرار جنائية بالممتلكات، والسطو أو الاقتحام بقصد ارتكاب جريمة، والإخلال العنيف بالنظام العام. وقد دفعوا ببراءتهم، ومن المتوقع أن تستمر المحاكمة نحو ثمانية أسابيع.

وكانت تهمة السطو المشدد، التي ارتبطت بادعاء وجود نية لإيذاء أشخاص، قد أُسقطت قبل المحاكمة، وهو ما يستند إليه المنتقدون للتشكيك في محاولة ربط القضية بالإرهاب.

لماذا استهدفت الحركة مصانع «إلبيت»؟

تأسست حركة «بالستاين أكشن» عام 2020، واتخذت من تعطيل نشاط الشركات المرتبطة بصناعة الأسلحة الإسرائيلية هدفًا رئيسيًا لحملاتها داخل بريطانيا.

واعتمدت الحركة على أساليب الاحتجاج المباشر، بما في ذلك إغلاق مداخل المصانع والاعتصام داخل المنشآت ورش المباني بالطلاء الأحمر وإتلاف معدات صناعية.

وترى الحركة أن هذه الأنشطة تستهدف وقف تدفق المعدات والتقنيات العسكرية التي تستخدمها إسرائيل في عملياتها ضد الفلسطينيين.

وأصبحت شركة «إلبيت سيستمز» هدفًا أساسيًا للحملة بسبب ارتباطها بالصناعات العسكرية الإسرائيلية وإنتاجها معدات تشمل الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والبصرية.

وفي يناير/كانون الثاني 2022، أعلنت الشركة بيع منشأتها الصناعية في أولدهام، قرب مانشستر، بعد حملة احتجاجات وتعطيل متواصلة استهدفت الموقع.

واعتبرت «بالستاين أكشن» هذه الخطوة انتصارًا لاستراتيجيتها القائمة على الضغط المباشر، مؤكدة أن تعطيل المصانع وإلحاق الخسائر بها يمكن أن يغيّر قرارات الشركات بصورة لا تحققها الاحتجاجات التقليدية.

كما استهدفت الحركة مقر «إلبيت» في لندن ومواقع صناعية أخرى، في إطار حملة سعت إلى جعل استمرار عمليات الشركة داخل بريطانيا أكثر تكلفة وتعقيدًا.

وتكتسب هذه الخلفية أهمية في فهم قضية «إنسترو بريسيجن»، إذ لم يكن اقتحام المصنع حادثة معزولة، وإنما حلقة ضمن حملة أوسع استهدفت سلسلة التوريد والصناعة العسكرية المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.

ويشير الكاتب إلى أن السلطات البريطانية بدأت التعامل مع أنشطة الحركة باعتبارها تهديدًا أكبر عندما أثرت حملاتها على عمليات الإنتاج والمصالح التجارية للشركات المستهدفة.

وهنا يبرز جوهر انتقاده: هل أصبحت الخسائر الاقتصادية التي تلحق بالشركات سببًا كافيًا لتوسيع استخدام قوانين الإرهاب ضد الناشطين السياسيين؟

كيف يسمح القانون البريطاني باعتبار إتلاف الممتلكات إرهابًا؟

تعود المسألة القانونية إلى تعريف الإرهاب الوارد في المادة الأولى من قانون مكافحة الإرهاب البريطاني لعام 2000.

فبخلاف الاعتقاد الشائع بأن الإرهاب يقتصر على القتل أو الاعتداء الجسيم على الأشخاص، يتضمن القانون صورًا أخرى من الأفعال، بينها إلحاق أضرار جسيمة بالممتلكات.

ولكن القانون لا يعتبر كل تخريب أو إتلاف للممتلكات عملًا إرهابيًا بصورة تلقائية.

إذ يشترط، في الحالات ذات الصلة، أن يكون الفعل مصممًا للتأثير على الحكومة أو منظمة حكومية دولية، أو لترهيب الجمهور أو فئة منه، وأن يرتبط بالسعي إلى تحقيق غرض سياسي أو ديني أو عنصري أو أيديولوجي.

وهذا التعريف الواسع نسبيًا يتيح، عند توافر العناصر القانونية المطلوبة، اعتبار بعض الجرائم المرتكبة ضد الممتلكات ذات طبيعة إرهابية، حتى دون وقوع إصابات بشرية.

أما المادة 69 من قانون إصدار الأحكام لعام 2020، فتسمح للمحكمة بإثبات وجود «صلة بالإرهاب» في جريمة محددة، واعتبار هذه الصلة عاملًا مشددًا للعقوبة.

والفارق هنا بالغ الأهمية. فليس من الضروري أن يكون المتهم قد أُدين بتهمة إرهاب مستقلة حتى تنظر المحكمة، في مرحلة تحديد العقوبة، في ما إذا كانت الجريمة التي أُدين بها مرتبطة بالإرهاب.

ولهذا، فإن قضية الناشطين التسعة لا تتمحور حاليًا حول تهمة إرهابية مستقلة، وإنما حول احتمال تطبيق أحكام تتعلق بالصلة بالإرهاب إذا صدرت إدانات في الجرائم المنظورة.

ويرى منتقدو هذا الإجراء أنه قد يجعل بعض المتهمين يواجهون عواقب عقابية أشد من تلك التي يتوقعونها عند محاكمتهم على أساس جرائم إتلاف الممتلكات أو الاقتحام، وأن ذلك يثير تساؤلات بشأن دور هيئة المحلفين وحقوق الدفاع.

سابقة فيلتون.. أحكام مشددة بعد إدانة بإتلاف الممتلكات

لم يبدأ هذا الجدل مع محاكمة مصنع كينت. ففي يونيو/حزيران 2026، أصدر القضاء البريطاني أحكامًا بالسجن على أربعة ناشطين مرتبطين بحركة «بالستاين أكشن»، إثر اقتحام منشأة تابعة لشركة «إلبيت سيستمز» في فيلتون، قرب بريستول، في أغسطس/آب 2024.

وكانت هيئة المحلفين قد أدانت الناشطين بإتلاف ممتلكات داخل المنشأة، لكن القاضي جيريمي جونسون قرر لاحقًا أن الجرائم تحمل صلة بالإرهاب، استنادًا إلى المادة 69 من قانون إصدار الأحكام.

وخلص القاضي إلى أن تدمير الممتلكات كان جسيمًا، وأن الأفعال استهدفت ترهيب الحكومة البريطانية وفئة من الجمهور، شملت العاملين في الشركة وشركات أخرى مرتبطة بها، لتحقيق غرض سياسي أو أيديولوجي.

وفي 12 يونيو/حزيران 2026، صدرت أحكام بالسجن خمس سنوات بحق شارلوت هيد وليونا كاميو، وأربع سنوات وثمانية أشهر بحق فاطمة راجواني.

أما صامويل كورنر، فحُكم عليه بالسجن سبع سنوات وثمانية أشهر، بعد إدانته أيضًا بإلحاق أذى بدني جسيم بضابطة شرطة ضربها بمطرقة ثقيلة.

وقررت المحكمة إخضاع المحكوم عليهم لمتطلبات الإبلاغ المرتبطة بجرائم الإرهاب لمدة خمسة عشر عامًا، إلى جانب الشروط الأخرى المترتبة على الأحكام.

وأثارت هذه السابقة انتقادات من منظمات حقوقية ومحامين اعتبروا أن تطبيق تشديد العقوبة المرتبط بالإرهاب على جرائم الإتلاف يفتح بابًا خطيرًا أمام التعامل مع بعض أنشطة الاحتجاج السياسي بوصفها أعمالًا إرهابية.

وفي المقابل، رأى القضاء أن الأفعال تجاوزت التعبير السياسي إلى تدمير جسيم للممتلكات، وأن دوافع مرتكبيها لا تلغي خطورتها الجنائية.

ولا يمكن إغفال أن قضية فيلتون تضمنت أيضًا اعتداءً أدى إلى إصابة ضابطة شرطة، ما يجعل تعميم القول بعدم وقوع أي إصابات في جميع أنشطة الحركة غير دقيق.

هل أصبحت الخسائر المالية معيارًا لتصنيف الإرهاب؟

من أبرز ما أثاره المقال المنشور في «Antiwar.com» اعتماد السلطات على حجم الأضرار المادية ضمن تقييمها لأنشطة «بالستاين أكشن».

فوفق تحقيق نشره موقع «Declassified UK» في 27 مايو/أيار 2026، أظهرت وثائق أن المركز المشترك لتحليل الإرهاب البريطاني (JTAC)، المرتبط بجهاز الاستخبارات الداخلية «MI5»، ركز في تقييمه للحركة على ثلاث وقائع بارزة.

وشملت تلك الوقائع استهداف منشأة تابعة لشركة «تاليس» في غلاسكو عام 2022، ومصنع «إنسترو بريسيجن» في كينت في يونيو/حزيران 2024، ومنشأة «إلبيت» في بريستول في أغسطس/آب من العام نفسه.

وأشار التحقيق إلى أن قيمة الأضرار التي تجاوزت مليون جنيه إسترليني في بعض هذه الوقائع كانت عنصرًا بارزًا في تقييمها بوصفها أعمالًا تقع ضمن تعريف الإرهاب.

كما كشف الموقع عن وثائق تتعلق باجتماع عُقد بين ممثلين عن النيابة العامة ومسؤولين في أجهزة مكافحة الإرهاب، في 27 يونيو/حزيران 2024، بعد عشرة أيام من اقتحام مصنع كينت.

وتضمنت الوثائق مصفوفة لتصنيف مستويات النشاط الاحتجاجي، بينها فئة تتعلق بالأفعال غير القانونية التي تترك أثرًا سلبيًا كبيرًا على الشركات البريطانية.

ويعتبر منتقدو هذا النهج أن إدخال الضرر الاقتصادي الكبير ضمن تقييم التهديد الإرهابي قد يؤدي إلى طمس الحدود بين التخريب الجنائي والإرهاب، ولا سيما عندما تكون الأفعال ذات دوافع احتجاجية سياسية.

لكن حجم الخسارة المالية ليس معيارًا قانونيًا مستقلًا أو تلقائيًا لتصنيف الفعل بوصفه إرهابًا؛ إذ يظل من الضروري إثبات بقية العناصر الواردة في تعريف الإرهاب.

كما أن محكمة الاستئناف البريطانية تبنت في يونيو/حزيران 2026 موقفًا أوسع من مجرد حساب الخسائر المادية، مشيرة إلى مخاطر الإصابات وتهديد العاملين واستهداف المنشآت باستخدام وسائل عنيفة.

وتبرز هذه الفروق أهمية عدم اختزال القضية في قيمة الممتلكات المتضررة وحدها، حتى مع استمرار الجدل بشأن مدى ملاءمة إدراج هذا النوع من الأفعال ضمن تشريعات مكافحة الإرهاب.

حظر «بالستاين أكشن».. قرار حكومي ومعركة قضائية

في 23 يونيو/حزيران 2025، أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية آنذاك، إيفيت كوبر، قرار الحكومة تصنيف حركة «بالستاين أكشن» منظمة إرهابية محظورة بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000.

واستشهدت كوبر بعدة وقائع، بينها اقتحام مصنع «إنسترو بريسيجن»، معتبرة أن أنشطة الحركة أظهرت استعدادًا لاستخدام العنف وإلحاق أضرار جسيمة.

ودخل الحظر حيز التنفيذ في 5 يوليو/تموز 2025، ما جعل الانتماء إلى الحركة أو تقديم أنواع معينة من الدعم لها جرائم يعاقب عليها القانون.

لكن القرار أثار اعتراضات واسعة لدى منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن الحريات المدنية، الذين رأوا فيه توسعًا غير متناسب في استخدام سلطات مكافحة الإرهاب ضد حركة احتجاجية.

وفي 13 فبراير/شباط 2026، قضت المحكمة العليا في إنجلترا وويلز بعدم مشروعية قرار الحظر، معتبرة أنه غير متناسب مع الحقوق المتعلقة بحرية التعبير والتجمع.

غير أن محكمة الاستئناف ألغت هذا الحكم في 15 يونيو/حزيران 2026، وأيدت قانونية الحظر، بعد أن اعتبرت أن وزير الداخلية يملك هامشًا واسعًا لتقدير المخاطر المتعلقة بالأمن القومي وحماية الأشخاص والممتلكات.

ولم ينته النزاع القانوني عند ذلك.

فقد حصلت هدى عموري، إحدى مؤسستي الحركة، على إذن للطعن أمام المحكمة العليا للمملكة المتحدة، التي حددت يومي 4 و5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 لنظر القضية.

وبذلك، يظل الحظر ساريًا حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، بينما تستمر المعركة القضائية بشأن مشروعيته.

بين حماية العاملين وحماية صناعة الأسلحة

يضع الكاتب ديك ويتينغتون قضية «إنسترو بريسيجن» ضمن سياق أوسع يتعلق بالعلاقة بين الدولة البريطانية وشركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

فمن وجهة نظره، لا يمكن فصل استخدام التشريعات الأمنية ضد الناشطين عن تأثير حملاتهم في المصانع والشركات المستهدفة.

ويجادل بأن التركيز على الأضرار المالية التي ألحقتها الحركة بمنشآت «إلبيت» يثير سؤالًا حول المصالح التي يراد حمايتها باستخدام قوانين مكافحة الإرهاب.

فالناشطون يقولون إنهم استهدفوا معدات تدخل في سلسلة تصنيع وتسليح الطائرات المسيّرة المستخدمة في العمليات العسكرية الإسرائيلية، بينما تتعامل السلطات البريطانية مع هذه الأفعال باعتبارها اعتداءات على منشآت وشركات تعمل بصورة قانونية داخل البلاد.

وهنا ينشأ تعارض بين منطقين مختلفين.

الأول يتبناه الناشطون، ويرتكز على الاعتقاد بأن تعطيل صناعة الأسلحة يمكن أن يمنع استخدامها ضد المدنيين الفلسطينيين، وأن الضغط الاقتصادي المباشر على الشركات وسيلة للاحتجاج على السياسة العسكرية الإسرائيلية.

أما الثاني فتتبناه السلطات البريطانية، ويؤكد أن الاعتراض على نشاط شركة أو سياسات دولة أجنبية لا يمنح الأفراد حق اقتحام المنشآت أو تدمير ممتلكاتها أو تعريض العاملين فيها للخطر.

ولا يحسم وجود دافع سياسي أو إنساني معلن مشروعية استخدام هذه الأساليب، لكنه يثير سؤالًا مختلفًا بشأن مدى تناسب العقوبات والتصنيف القانوني مع طبيعة الأفعال المرتكبة.

وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في ما إذا كان القانون الجنائي المعتاد يوفر وسائل كافية لمعاقبة اقتحام المنشآت وتخريبها، أم أن اللجوء إلى تشريعات الإرهاب مبرر عندما تكون الأضرار كبيرة والأهداف سياسية.

قيود النشر ودور هيئة المحلفين

تثير القضية كذلك مسألة مرتبطة بشفافية الإجراءات القضائية.

فبحسب تقارير نشرها موقع «The Grayzone»، فُرضت قيود على نشر بعض المعلومات المتعلقة بإمكان اعتبار الجرائم ذات صلة بالإرهاب عند إصدار الأحكام.

ويرى منتقدون أن هذه الإجراءات تضع المتهمين أمام احتمال التعرض لعقوبات مشددة، رغم أن هيئة المحلفين تنظر في الجرائم الجنائية الأصلية دون الفصل في وصف الصلة بالإرهاب.

وهذا هو أحد أوجه الاعتراض الذي أُثير أيضًا في قضية فيلتون، حيث اتُّخذ قرار إثبات الصلة بالإرهاب في مرحلة تحديد العقوبة، بعد إدانة المتهمين بجرائم أخرى.

لكن ينبغي التمييز بين دور هيئة المحلفين في تقرير الإدانة وبين اختصاص القاضي في تقدير العوامل المشددة للعقوبة وفقًا للقانون.

ويبقى موضع الجدل هو مدى ملاءمة تطبيق هذه الآلية في قضايا الاحتجاج السياسي، وما إذا كانت توفر ضمانات كافية لحقوق المتهمين، ولا سيما مع اتساع النتائج القانونية المترتبة على إثبات الصلة بالإرهاب.

هل يتغير مفهوم الإرهاب في بريطانيا؟

تتجاوز قضية «بالستاين أكشن» مصير تسعة متهمين أو قيمة الأضرار التي تعرض لها مصنع في كينت.

فهي تطرح تساؤلات أوسع حول كيفية رسم الحدود بين الجرائم الجنائية ذات الدوافع السياسية والأعمال الإرهابية، ومدى تناسب استخدام السلطات الاستثنائية لمكافحة الإرهاب مع طبيعة الأفعال المرتكبة.

وبينما تؤكد الحكومة البريطانية أن حماية العاملين والممتلكات والأمن القومي تستدعي التعامل بحزم مع الهجمات التي تستهدف المنشآت، تحذر منظمات حقوقية من أن التوسع في تفسير الإرهاب قد تكون له آثار تتجاوز هذه القضية، وتمتد إلى أشكال أخرى من العصيان المدني والاحتجاج المباشر.

ويزداد هذا الجدل تعقيدًا عندما تكون المنشآت المستهدفة جزءًا من صناعة عسكرية ترتبط بحرب أثارت اتهامات واسعة للاحتلال الإسرائيلي بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين الفلسطينيين.

ففي مثل هذه الحالات، تتداخل المسؤولية الجنائية الفردية مع الخلاف حول سياسات الدولة والشركات التي تسمح لها بالعمل، دون أن يؤدي أحد الأمرين بالضرورة إلى حسم الآخر.

ويبقى السؤال المركزي الذي يطرحه المقال: هل يجري استخدام قانون الإرهاب البريطاني لحماية المجتمع من الأفعال الخطيرة فحسب، أم أنه أصبح أيضًا وسيلة لحماية استمرارية الصناعات العسكرية من حملات التعطيل السياسي المكلفة؟

لا توجد إجابة قضائية نهائية عن هذا السؤال بصيغته السياسية الواسعة، لكن الأحكام الصادرة في قضايا سابقة، والمحاكمة الجارية في كينت، والطعن المرتقب أمام المحكمة العليا، تجعل منه قضية تتعلق بمستقبل حدود الاحتجاج والحريات المدنية في بريطانيا.

فإذا أمكن توسيع نطاق الأفعال المصنفة على أنها مرتبطة بالإرهاب ليشمل صورًا من تخريب الممتلكات لتحقيق أهداف سياسية، فإن المسألة لن تعود مقتصرة على حركة واحدة أو مصنع أسلحة بعينه، بل ستتصل بالحدود التي تفصل بين معاقبة الجرائم العادية وتطبيق إحدى أشد المنظومات القانونية صرامة على مرتكبيها.


المصادر

  • Dick Whittington، What the UK Terror Law Really Protects، موقع Antiwar.com، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
  • وكالة Press Association، تقرير افتتاح محاكمة ناشطي مصنع كينت، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
  • John McEvoy، Revealed: How Britain weaponised terrorism laws against activists، 27 مايو/أيار 2026.
  • The Grayzone، Exclusive: British state targets Palestine Action with yet another crooked trial، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
  • قانون مكافحة الإرهاب البريطاني لعام 2000، المادة الأولى.
  • قانون إصدار الأحكام البريطاني لعام 2020، المادة 69.
  • حكم محكمة الاستئناف البريطانية بشأن حظر حركة «بالستاين أكشن»، 15 يونيو/حزيران 2026.
  • بيانات المحكمة العليا للمملكة المتحدة بشأن الطعن رقم UKSC/2026/0099.
  • تقارير صحيفة The Guardian عن أحكام قضية فيلتون الصادرة في 12 يونيو/حزيران 2026، وقضية باركليز في 21 أغسطس/آب 2026.

Fediverse reactions

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *