بريطانيا.. جرائم الكراهية ضد المسلمين ترتفع 15% والاعتداءات على المساجد تتخذ منحى أكثر خطورة

Screenshot 2026 10 10 193451

كشفت إحصاءات رسمية بريطانية عن ارتفاع جرائم الكراهية الدينية التي تستهدف المسلمين في إنجلترا وويلز بنسبة 15% خلال عام واحد، بالتزامن مع تقرير حقوقي جديد يوثق عشرات الاعتداءات على المساجد، ويحذر من تحول مقلق في طبيعتها، من التخريب والترهيب إلى استخدام الأسلحة والتهديد بالقتل واستهداف المصلين داخل دور العبادة.

وأظهرت البيانات التي نشرتها وزارة الداخلية البريطانية، الخميس 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تسجيل 5132 جريمة كراهية دينية ضد المسلمين خلال السنة المنتهية في مارس/آذار الماضي، مقارنة بـ4479 جريمة في العام السابق، بزيادة قدرها 653 جريمة.

وتزامن نشر الإحصاءات مع إصدار مؤسسة «British Muslim Trust»، الشريك الحكومي المعني برصد الكراهية ضد المسلمين، تقريرًا بعنوان «عام من الانقسام»، وثقت فيه 78 اعتداءً وحادثة استهدفت 64 مسجدًا ومنشأة دينية مرتبطة بالمسلمين في المملكة المتحدة وجزر القنال، خلال الفترة من 21 يوليو/تموز 2025 إلى 30 يوليو/تموز 2026، بمعدل حادثة واحدة كل خمسة أيام تقريبًا.

ولا تعكس الأرقام الرسمية بالضرورة الحجم الكامل للاعتداءات، إذ تقر وزارة الداخلية بأن بعض جرائم الكراهية لا يُبلغ عنها للشرطة، ما يعني أن الحوادث المسجلة تمثل جزءًا من الواقع الذي تواجهه المجتمعات المستهدفة.

المسلمون في مقدمة ضحايا الكراهية الدينية من حيث عدد الجرائم المسجلة

بحسب تقرير وزارة الداخلية، بلغ إجمالي جرائم الكراهية المسجلة لدى الشرطة في إنجلترا وويلز 146,825 جريمة خلال السنة المنتهية في مارس 2026، بزيادة نسبتها 7% عن العام السابق، الذي شهد تسجيل 137,560 جريمة.

وارتفعت الجرائم المرتبطة بالعنصرية بنسبة 9%، لتصل إلى 107,926 جريمة، فيما زادت جرائم الكراهية الدينية بنسبة 13%، من 10,067 إلى 11,419 جريمة.

وكان المسلمون الفئة الأكثر استهدافًا من حيث العدد المسجل للجرائم الدينية، إذ شكلت الجرائم الموجهة ضدهم 46% من الحالات التي حددت الشرطة فيها الدين المستهدف، مقابل 28% استهدفت اليهود، الذين ارتفعت الجرائم المسجلة ضدهم بنسبة 10% إلى 3162 جريمة.

وتختلف هذه المقارنة عن معدلات الجرائم قياسًا إلى حجم كل جماعة دينية؛ إذ سجلت الإحصاءات معدل 13 جريمة دينية تستهدف المسلمين لكل عشرة آلاف من السكان المسلمين، مقابل 117 جريمة لكل عشرة آلاف من السكان اليهود.

وأشارت الوزارة إلى أن جرائم الكراهية الدينية، باستثناء بيانات شرطة العاصمة لندن في السلسلة التاريخية المستخدمة للمقارنة، وصلت إلى أعلى مستوى سنوي منذ بدء جمع هذه الإحصاءات في عام 2012.

وتكشف هذه المؤشرات عن ارتفاع واسع في الجرائم ذات الدوافع الدينية والعنصرية، مع تسجيل زيادة ملحوظة في الاعتداءات التي تستهدف المسلمين تحديدًا.

78 حادثة ضد المساجد.. والخطر ينتقل إلى المصلين

لم يكن ارتفاع عدد الجرائم المسجلة التطور الوحيد الذي أثار القلق، فقد حذرت مؤسسة «British Muslim Trust» من تصاعد خطورة الاعتداءات التي تستهدف المساجد والمراكز الإسلامية.

وأوضح تقريرها أن الاعتداءات لم تعد تقتصر على كتابة شعارات مسيئة على الجدران، أو تخريب الممتلكات، أو ترك رموز بقصد الترهيب، بل امتدت إلى التهديد باستخدام الأسلحة وإحراق المباني والاعتداءات المباشرة على المصلين.

ووفقًا لنظام تصنيف الخطورة الذي تعتمده المؤسسة، بلغت نسبة الحوادث الواقعة ضمن المستويات الأربعة الأعلى خطورة 62.7% من الحوادث المسجلة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، مقارنة بـ22.2% خلال الفترة من يوليو إلى أكتوبر 2025.

وتشمل هذه المستويات التهديدات والمضايقات المتواصلة، وحوادث وجود أسلحة أو التهديد بالقتل، والحرق المتعمد والعنف المباشر، وصولًا إلى مخططات مزعومة لإيقاع أعداد كبيرة من الضحايا.

وحذرت المؤسسة من أن التحول الأكثر إثارة للقلق يتمثل في انتقال بعض الاعتداءات من استهداف مباني المساجد إلى استهداف المسلمين الموجودين داخلها، وهو ما يهدد سلامة المصلين أثناء أداء عباداتهم.

وأظهرت النتائج كذلك تعرض بعض المساجد لاعتداءات متكررة، إذ شهد ما يقارب خُمس المنشآت الـ64 المستهدفة أكثر من حادثة واحدة خلال فترة الرصد.

من إحراق مسجد إلى حمل الأسلحة داخل دور العبادة

تعكس حوادث شهدتها مناطق بريطانية مختلفة خلال العام الماضي طبيعة التهديدات التي يتحدث عنها التقرير.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، تعرض مسجد بمدينة بيسهافن في مقاطعة إيست ساسكس جنوب إنجلترا لهجوم حرق متعمد، أدى إلى تضرر مدخله واحتراق سيارة كانت متوقفة خارجه.

وأعلنت الشرطة فتح تحقيق في الحادث باعتباره جريمة كراهية، فيما أظهرت الصور ألسنة اللهب تتصاعد من مدخل المسجد. ولم تُسجل إصابات، رغم وجود شخص داخل المبنى أثناء الحريق.

وفي فبراير/شباط 2026، شهد مسجد مانشستر المركزي حادثة أمنية بعدما دخل رجل يحمل أسلحة، من بينها فأس، ما أثار مخاوف بشأن أمن المصلين.

كما تعرض مشروع مسجد «الأمة» في مدينة واتفورد شمال غربي لندن لسلسلة من حوادث الترهيب، بينها رسم صلبان على حواجز المبنى في أكتوبر 2025، وإلقاء مجسمات لخنازير داخل الموقع في فبراير 2026.

وقال عمر أمين، أحد القائمين على المشروع، لصحيفة الغارديان إن بعض المعتدين أصبحوا يشعرون بجرأة أكبر على استهداف المسلمين، منتقدًا الخطاب السياسي الذي يرى أنه يسهم في تعزيز العداء تجاههم.

وكان المشروع يهدف إلى إنشاء مسجد ومرافق مجتمعية، بينها صالة رياضية وحضانة وبنك للطعام، لخدمة سكان المنطقة من مختلف الخلفيات.

الخطاب السياسي والهجرة.. هل يغذيان الكراهية ضد المسلمين؟

ربطت مؤسسة «British Muslim Trust» بين تصاعد العداء للمسلمين والمناخ السياسي والاجتماعي الذي تشهده بريطانيا، لا سيما الجدل المتزايد حول الهجرة والاندماج والهوية الوطنية.

وحذرت من أن بعض الخطابات السياسية التي تُطرح باعتبارها انتقادات لسياسات الهجرة أو الاندماج يمكن أن تتحول إلى رسائل عدائية موجهة إلى المسلمين البريطانيين بوصفهم جماعة دينية.

ودعت المؤسسة السياسيين والمعلقين إلى توخي الحذر عند تناول هذه الملفات، والتمييز بين النقاش المشروع بشأن السياسات الحكومية والتحريض أو التعميم ضد جماعات دينية بأكملها.

وفي السياق نفسه، أظهرت بيانات وزارة الداخلية ارتفاعًا ملحوظًا في جرائم الكراهية ضد المسلمين خلال سبتمبر/أيلول 2025، بالتزامن مع احتجاجات واضطرابات في بعض المناطق البريطانية، ثم ارتفاعًا آخر في مارس/آذار 2026، عقب اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير/شباط.

لكن تزامن ارتفاع الجرائم مع هذه الأحداث لا يثبت بمفرده وجود علاقة سببية مباشرة، وإن كان يعكس حساسية أوضاع الأقليات الدينية خلال فترات التوتر السياسي والصراعات الدولية.

الخوف يمتد إلى الحياة اليومية

لم تعد المخاوف المرتبطة بالكراهية الدينية مقتصرة على أوقات الصلاة أو زيارة المساجد، وفق ما تقوله المؤسسات المعنية بحماية المسلمين.

فقد حذرت المديرة التنفيذية لمؤسسة «British Muslim Trust»، عقيلة أحمد، من أن الاحتياجات الأمنية للمساجد والمجتمعات المسلمة تتزايد، مشيرة إلى أن كثيرًا من المسلمين باتوا يشعرون بالخوف أثناء ممارسة أنشطتهم اليومية.

وأكدت أن مواجهة المشكلة لا ينبغي أن تقتصر على توفير الحواجز الأمنية والكاميرات والحراسة، بل يجب أن تشمل معالجة الأسباب التي تدفع إلى انتشار العداء ضد المسلمين.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية لأن المساجد في بريطانيا لا تؤدي وظيفة دينية فقط، بل تحتضن أيضًا أنشطة تعليمية واجتماعية وخيرية، وتقدم خدمات للأسر والشباب وكبار السن.

وبذلك فإن الاعتداء على مسجد قد يترك آثارًا تتجاوز المصلين الموجودين أثناء الحادث إلى مجتمع محلي أوسع يعتمد على خدماته.

الحكومة تخصص ملايين الجنيهات لحماية المساجد

في مواجهة تصاعد التهديدات، أعلنت الحكومة البريطانية تخصيص تمويل لتعزيز أمن المؤسسات الدينية، بما في ذلك المساجد والمدارس والمراكز الإسلامية.

ووفقًا لرد حكومي رسمي أمام البرلمان في 3 سبتمبر/أيلول الماضي، خُصص ما يصل إلى 40 مليون جنيه إسترليني خلال السنة المالية 2026-2027 لبرنامج حماية المساجد.

ويشمل البرنامج توفير كاميرات المراقبة وأنظمة الإنذار والحواجز الأمنية وخدمات الحراسة، إضافة إلى إجراءات حماية المدارس والمؤسسات الإسلامية المرتبطة بالمساجد.

كما دعمت الحكومة مؤسسة «British Muslim Trust» لتطوير خدمات رصد جرائم الكراهية ضد المسلمين ومساعدة ضحاياها.

لكن مؤسسات وممثلين عن مساجد انتقدوا تأخر وصول بعض التمويلات الأمنية، وحذروا من أن المساجد الصغيرة قد تجد صعوبة في توفير متطلبات الحماية اللازمة.

وفي هذا السياق، دعت المؤسسة إلى إصلاح برنامج الحماية وتعزيز التنسيق مع الشرطة، وتطوير إجراءات أكثر فاعلية للتعامل مع التهديدات المتكررة.

هل تكشف الأرقام الحجم الحقيقي للاعتداءات؟

تؤكد وزارة الداخلية البريطانية أن الإحصاءات الرسمية تعتمد على الجرائم التي تتلقى الشرطة بلاغات بشأنها وتسجلها بوصفها جرائم كراهية.

ويعني ذلك أن الحوادث التي لا يبلغ عنها الضحايا، سواء بسبب الخوف أو ضعف الثقة في الإجراءات أو لأسباب أخرى، لا تدخل بالضرورة ضمن هذه البيانات.

كما أن الأرقام تعبر عن الجرائم المسجلة، وليس بالضرورة عن عدد الضحايا الأفراد؛ فقد يتعرض شخص واحد لأكثر من جريمة خلال الفترة نفسها.

وتشير الوزارة أيضًا إلى أن تحسين آليات تسجيل الجرائم خلال السنوات الماضية يؤثر في المقارنات التاريخية، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع الاستنتاجات المتعلقة بالتغيرات طويلة المدى.

أما تقرير «British Muslim Trust»، فيعتمد على حوادث موثقة وفق منهجيته الخاصة، ويشمل المملكة المتحدة وجزر القنال خلال فترة مختلفة عن السنة الإحصائية الحكومية.

ولهذا لا يمكن جمع رقمي 5132 و78 باعتبارهما مجموعتين منفصلتين من الجرائم، إذ قد تتداخل بعض الحوادث بين المصدرين.

ومع ذلك، فإن اتفاق المؤشرين على ارتفاع مستوى التهديدات ضد المسلمين، إلى جانب تصاعد خطورة الاعتداءات المرتبطة بالمساجد، يثير تساؤلات بشأن فعالية إجراءات الوقاية والحماية القائمة.

مساجد تحت الحراسة.. وتحديات تتجاوز الإجراءات الأمنية

تكشف الإحصاءات الأخيرة عن مفارقة تواجه المسلمين في بريطانيا؛ ففي الوقت الذي توسع فيه الحكومة برامج حماية المساجد والمؤسسات الدينية، تستمر جرائم الكراهية ضد المسلمين في الارتفاع، وتتخذ بعض الاعتداءات أشكالًا أشد خطورة.

وبينما تدعو المؤسسات الحقوقية إلى تعزيز الإجراءات الأمنية ومحاسبة المعتدين، تؤكد أن المعالجة الحقيقية تستلزم أيضًا مواجهة التحريض الديني والصور النمطية السلبية، وتعزيز شعور المسلمين بالأمان والانتماء داخل المجتمع.

ويظل السؤال الأبرز الذي تطرحه هذه النتائج هو ما إذا كانت الإجراءات الحكومية ستنجح في الحد من الاعتداءات، أم أن المساجد ستضطر إلى توسيع إجراءات الحراسة والحماية لمجرد تمكين المسلمين من أداء عباداتهم بأمان.

فوراء الأرقام الرسمية وقائع تمس حياة أفراد وأسر ومجتمعات محلية، وحقهم في ممارسة شعائرهم الدينية دون خوف من الاعتداء أو التهديد.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *