بعد عام على سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور غربي السودان، كشفت نتائج بحثية نشرها مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل الأمريكية عن تراجع حاد في مظاهر الحياة داخل المدينة، حيث لم يُرصد نشاط بشري أو مروري ملحوظ في أيٍّ من المستشفيات التسعة عشر التي شملها التقييم، بينما ظهرت مؤشرات نشاط في سوق رئيسي واحد فقط من أصل تسعة أسواق خضعت للتحليل.
ونشر المختبر التابع لكلية الصحة العامة بجامعة ييل، يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، تقريره الموقفي رقم 81 بعنوان «الفاشر بعد عام» (El-Fasher, One Year Later)، بالتزامن مع الذكرى الأولى لسيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في 26 أكتوبر 2025، عقب حصار استمر نحو 18 شهرًا.
وتأتي الدراسة في امتداد لسلسلة تحقيقات اعتمد فيها المختبر على صور الأقمار الصناعية وتقنيات الاستشعار عن بُعد لرصد الانتهاكات المرتبطة بالحرب في السودان، وتوثيق آثار العمليات العسكرية على السكان والمنشآت المدنية.

نمو النباتات يكشف غياب السكان
من أبرز النتائج التي أعلنها مختبر جامعة ييل رصد نمو غير معتاد للغطاء النباتي في أنحاء من الفاشر خلال الأشهر التي تلت سقوط المدينة.
واعتبر الباحثون هذه التغيرات مؤشرًا يدعم تقييمهم بشأن غياب السكان والحيوانات والمركبات عن مساحات من المدينة، في أعقاب عمليات القتل الجماعي التي وثقها المختبر بعد سيطرة الدعم السريع.
ووصف المختبر الفاشر بأنها تحولت إلى «مدينة أشباح»، في إشارة إلى التراجع الكبير في مظاهر النشاط البشري المعتاد داخلها.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن تحليل التغيرات في الغطاء النباتي يتيح للباحثين الاستدلال على تراجع الاستخدام البشري للأراضي، خصوصًا عند مقارنته بصور سابقة للمناطق ذاتها. ومع ذلك، لا يكفي هذا المؤشر وحده لتحديد عدد الضحايا أو المفقودين، أو الجزم بمصير جميع السكان الذين غادروا المدينة أو بقوا فيها.
19 مستشفى دون مؤشرات نشاط ملحوظ
وفي قطاع الرعاية الصحية، أعلن المختبر أن تحليل صور الأقمار الصناعية لم يُظهر مؤشرات على نشاط بشري أو حركة مركبات ملحوظة في أيٍّ من المستشفيات التسعة عشر التي شملها التقييم، بعد مرور عام على سقوط الفاشر.
كما رصد الباحثون في خمسة مستشفيات مؤشرات تتسق مع وجود مواقع لحرق مواد أو مخلفات خلال العام الماضي، إلى جانب اضطرابات ظاهرة في سطح الأرض داخل مواقع ثلاثة مستشفيات.
وفي المستشفى التعليمي بالفاشر، أظهرت مقارنة صور التُقطت بين 30 أكتوبر 2025 و7 أكتوبر 2026 وجود أكوام من مواد محترقة وأجسام بيضاء، فضلًا عن احتراق مركبتين كانتا ظاهرتين في صور سابقة، وظهور مركبتين خفيفتين أخريين داخل أسوار المستشفى.
ولا تثبت هذه المشاهدات وحدها طبيعة المواد المحترقة أو أسباب اضطراب التربة، لكنها تشكل مؤشرات تتطلب تحقيقًا ميدانيًا مستقلًا، لا سيما في ضوء الاتهامات السابقة لقوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين والمنشآت الطبية.

سوق واحد من أصل تسعة
وأظهرت نتائج المختبر أن السوق المركزي في حي الدرجة الأولى هو السوق الرئيسي الوحيد الذي بدت فيه مؤشرات نشاط بين تسعة أسواق رئيسية شملها التقييم.
وكشفت مقارنة صور السوق المركزي الملتقطة في مارس ونوفمبر 2025 وسبتمبر 2026 عن أضرار لحقت بمبنيين، قبل أن تظهر في الصور الأحدث خيام ومنشآت مؤقتة جديدة وحركة مركبات، بما يشير إلى توسع النشاط في هذه المنطقة.
في المقابل، أظهرت صور سوق المواشي استمرار غياب مؤشرات النشاط حتى 25 سبتمبر 2026، بعد التراجع الذي أعقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة.
ويعكس هذا التفاوت انكماش النشاط التجاري المرصود داخل الفاشر، دون أن يعني بالضرورة توقف جميع أشكال التبادل التجاري أو وجود السكان في بقية أحيائها.
من الحصار إلى القتل الجماعي
لا تنفصل النتائج الجديدة عن سجل طويل من التحقيقات التي أجراها مختبر جامعة ييل بشأن الفاشر، منذ حصارها وحتى سقوطها في أكتوبر 2025.
ففي تقرير نشرته الجامعة يوم 19 فبراير 2026، أوضح المختبر أن أعمال الرصد السابقة ساعدت على توثيق عمليات قتل جماعي استهدفت المدنيين، خصوصًا من المجتمعات غير العربية، وبينها الزغاوة والفور.
وأشار المختبر إلى أنه حدد، عبر صور الأقمار الصناعية، نحو 150 تجمعًا لأجسام تتوافق خصائصها البصرية مع جثث بشرية، ظهرت على بعضها مؤشرات حرق ودفن.
كما وثق إنشاء قوات الدعم السريع سواتر ترابية حول الفاشر، أسهمت في محاصرة المدنيين داخل المدينة وتقييد قدرتهم على الفرار.
واستندت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان إلى أدلة جمعها المختبر، ضمن تحقيقها الذي خلص في فبراير 2026 إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت أعمال إبادة جماعية استهدفت مجتمعات عرقية غير عربية خلال حصار الفاشر والسيطرة عليها.
تدمير المجتمعات الزراعية وتجويع السكان
وفي دراسة منفصلة نُشرت في 10 مارس 2026، بالتعاون مع مبادرة «ناسا هارفست»، وثّق مختبر جامعة ييل تدمير قوات الدعم السريع 41 مجتمعًا زراعيًا حول الفاشر، خلال الفترة من 31 مارس إلى 12 يونيو 2024.
وخلص الباحثون إلى أن الهجمات أسهمت في إفراغ هذه المجتمعات من سكانها، وتعطيل موسم الزراعة وتقويض مصادر الغذاء التي كانت تعتمد عليها المدينة.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية نمو الأعشاب في مواقع سكنية وزراعية مهجورة، إلى جانب تراجع كبير في النشاط الزراعي، ما عزز استنتاجات الباحثين بشأن النزوح الواسع وانقطاع سبل العيش.
واعتبرت الدراسة أن التدمير المتعمد للمجتمعات الزراعية ارتبط باستراتيجية تجويع السكان خلال الحصار، بما يتفق مع نتائج التحقيق الأممي بشأن الجرائم المرتكبة ضد سكان الفاشر.
أين ذهب سكان الفاشر؟
تطرح النتائج الجديدة سؤالًا يتجاوز حجم الدمار المادي: ما مصير سكان المدينة الذين لم تعد مظاهر حياتهم اليومية واضحة في صور الأقمار الصناعية؟
فالغياب المرصود عن الأسواق والمستشفيات والمناطق السكنية قد يرتبط بالنزوح أو القتل أو الاحتجاز أو غير ذلك من ظروف الحرب، لكن تحديد مصير كل فئة يتطلب أدلة إضافية وشهادات مستقلة وإمكانية الوصول إلى المدينة.
وتكمن أهمية التحقيقات الفضائية في قدرتها على رصد التغيرات المادية حتى في المناطق التي يصعب على الصحفيين والمنظمات الإنسانية دخولها، غير أنها لا تستطيع وحدها تحديد هويات الضحايا أو إثبات جميع الملابسات الجنائية.
كما أن تراجع النشاط داخل المستشفيات والأسواق لا يثبت وحده اختفاء جميع السكان، بل يقدم قرائن قوية على الانهيار الواسع الذي أصاب الحياة المدنية في الفاشر.
وبعد مرور عام على سقوط المدينة، تعيد الدراسة تسليط الضوء على ضرورة الكشف عن مصير المفقودين والمحتجزين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وإتاحة التحقيق المستقل في مواقع الانتهاكات المحتملة.
وتتجاوز أهمية هذه الأدلة توثيق ما جرى في الفاشر إلى حفظ سجل يمكن أن يُستفاد منه في عمليات التحقيق والمساءلة مستقبلًا، ولا سيما مع استمرار صعوبة الوصول الميداني إلى مناطق واسعة من دارفور.
وبين مدينة كانت تعج بالأسواق والمستشفيات والأحياء السكنية، وصور فضائية تكشف اليوم مساحات واسعة تراجعت فيها مظاهر الحياة، تبقى المأساة الإنسانية في الفاشر مفتوحة على سؤال لم تحسمه التحقيقات بعد: أين سكانها، وما مصير الذين انقطعت أخبارهم منذ سقوطها؟
المصادر






