تشهد الحرب في السودان تطورات متسارعة على امتداد جبهات كردفان ودارفور والنيل الأزرق، مع إعلان الجيش السوداني السيطرة على مدينة سودري الاستراتيجية في شمال كردفان، وتصاعد حرب الطائرات المسيّرة وسقوط ضحايا مدنيين في الأبيض والمزروب، بالتزامن مع موجات نزوح جديدة داخل البلاد وتسارع غير مسبوق في عبور السودانيين إلى تشاد.
وبينما تواصل العمليات العسكرية تغيير خطوط السيطرة في كردفان، تتفاقم الأزمة الإنسانية في دارفور، حيث وصل أكثر من 3,400 نازح جديد إلى طويلة خلال سبتمبر/أيلول، وسط نقص الغذاء والمياه والدواء، في حين أعيد فتح معبر الطينة الحدودي مع تشاد لتسهيل دخول المساعدات.
الجيش يعلن السيطرة على سودري
أبرز التطورات الميدانية جاء الجمعة 25 سبتمبر/أيلول 2026 (14 ربيع الآخر 1448هـ)، حين أعلن الجيش السوداني وقوات متحالفة معه السيطرة على سودري في شمال كردفان بعد معارك مع قوات الدعم السريع.
وقال الجيش إنه ألحق خسائر بالدعم السريع في الأفراد والمعدات، فيما راجعت «راديو تمازج» تسجيلات منشورة عبر منصات مرتبطة بالجيش تظهر جنودًا من القوات المسلحة وعناصر من القوة المشتركة يحتفلون داخل سودري. ولم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع على فقدان المنطقة.
وتكتسب سودري أهمية عسكرية بسبب موقعها في شمال غربي شمال كردفان وعلى طرق تربط كردفان بدارفور، ما يجعل السيطرة عليها مؤثرة في حركة القوات وخطوط الإمداد باتجاه الغرب.
ويأتي ذلك بعد سلسلة من المكاسب التي أعلنها الجيش وحلفاؤه في شمال كردفان خلال الأيام السابقة، فيما لا تزال مناطق أخرى، من بينها أم بادر والمزروب، ضمن مناطق نفوذ الدعم السريع بحسب أحدث المعطيات الميدانية المتاحة.
حرب المسيّرات تصل إلى مراكز إيواء النازحين في الأبيض

وفي تطور موازٍ، قالت حكومة ولاية شمال كردفان ولجنة الأمن بالولاية إن طائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع استهدفت، الجمعة 25 سبتمبر، مواقع مدنية في مدينة الأبيض، ما أسفر بحسب السلطات عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة 20 آخرين.
وقالت السلطات إن الذخائر الجوالة أصابت مركزًا يؤوي أسرًا نازحة من مناطق القتال، إلى جانب منشآت مدنية أخرى.
وأفادت مصادر محلية بأن الضربات طالت مناطق في شمال ووسط الأبيض، بينها مركز إيواء مؤقت قرب مستشفى الشرطة ومحطة وقود وحافلة لنقل الركاب ومنزل في حي عرفات.
ولم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع على الاتهامات، كما لم تتمكن «سودان تربيون» من التحقق بصورة مستقلة من حصيلة القتلى والمصابين؛ ولذلك تبقى مسؤولية الدعم السريع عن الهجوم اتهامًا رسميًا صادرًا عن سلطات شمال كردفان وليست نتيجة تحقيق مستقل.
والهجوم هو الثاني الذي تتعرض له الأبيض خلال أقل من أسبوع، في مؤشر على تحول المسيّرات إلى أحد أبرز أسلحة الحرب في جبهة كردفان.
رواية مقابلة.. اتهام الجيش بقتل مدنيين في المزروب
وفي الجانب الآخر من الجبهة، اتهم تحالف «تأسيس» المتحالف مع قوات الدعم السريع الجيش السوداني بتنفيذ ضربة بطائرة مسيّرة على المزروب في شمال كردفان صباح الجمعة.
وقال التحالف إن المسيّرة أصابت حيًا مأهولًا بالسكان، ما أدى، وفق روايته، إلى مقتل تسعة مدنيين وإصابة 24 آخرين.
لكن الحصيلة وهوية الجهة التي نفذت الضربة لم يمكن التحقق منهما بصورة مستقلة، ولم يصدر رد فوري من الجيش السوداني على الاتهام. كما ظهرت روايات محلية بحصائل مختلفة، وهو ما يستوجب الحذر من اعتماد رقم نهائي للضحايا قبل ظهور مصادر إضافية.
ويكشف الهجومان في الأبيض والمزروب عن نمط متزايد الخطورة في الحرب، إذ يعتمد الطرفان بصورة متنامية على الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة، بينما تتكرر التقارير عن سقوط ضحايا في المناطق السكنية.
أكثر من 330 ألف كتاب تدمرها المسيّرات

وكانت حرب المسيّرات قد أصابت قبل ذلك قطاع التعليم في شمال كردفان، بعدما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أن ضربات استهدفت مستودعين في محلية شيكان يوم 20 سبتمبر/أيلول أدت إلى تدمير أكثر من 292 ألف كتاب مدرسي و40 ألف كتاب للمراجعة في مادتي اللغة العربية والرياضيات، إضافة إلى مواد تعليمية أخرى.
وكانت المواد معدة للتوزيع على الأطفال مع بدء العام الدراسي الجديد في أكتوبر/تشرين الأول، بما في ذلك مدارس في غرب بارا وبارا وأم دم.
ولم تحدد يونيسف الجهة المسؤولة عن الضربات، ولذلك لا يمكن نسب الهجوم إلى الجيش أو الدعم السريع استنادًا إلى البيان الأممي.
انشقاق قائد من الدعم السريع مع عشرات المقاتلين
وعلى صعيد التحولات داخل القوات المتحاربة، أعلن الجيش السوداني انضمام قائد من قوات الدعم السريع يدعى الطيب الوحيدو إليه، الجمعة، برفقة نحو 50 مقاتلًا وخمس مركبات مسلحة.
ووصلت المجموعة إلى أم درمان، حيث استقبلها مسؤولون عسكريون وأمنيون، فيما قال الوحيدو إن قراره جاء احتجاجًا على ما وصفه بالانتهاكات داخل قوات الدعم السريع، ودعا مقاتلين آخرين إلى ترك القتال.
ولم يصدر تعليق فوري من الدعم السريع على انشقاق المجموعة أو على رواية قائدها بشأن أسباب الانشقاق.
ويأتي ذلك بعد انشقاقات أخرى شهدتها الأشهر الأخيرة، بينها انضمام مجموعات من مقاتلي الدعم السريع إلى الجيش في ولايات مختلفة.
دارفور.. أكثر من 3,400 نازح جديد يصلون إلى طويلة
وفي دارفور، تستمر حركة النزوح باتجاه منطقة طويلة في شمال دارفور، التي تحولت إلى واحدة من أبرز مناطق استقبال المدنيين الفارين من القتال.
وقالت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور إن 634 أسرة تضم نحو 3,407 أشخاص وصلت إلى طويلة منذ بداية سبتمبر/أيلول، بينهم 121 أسرة ضمن أحدث موجة نزوح.
وغالبية الوافدين الجدد، بحسب المنسقية، من النساء والأطفال وكبار السن، فيما تعرض بعضهم للنزوح مرات عدة قبل الوصول إلى طويلة، بعد فرارهم من مناطق بينها طرة ودار السلام ودار سميات وعلونة وكفود.
لكن الوصول إلى طويلة لم ينه معاناة الأسر؛ إذ حذرت المنسقية من نقص شديد في الغذاء والمياه النظيفة والدواء والمأوى، ومن انتشار سوء التغذية بين الأطفال والأمهات، في ظل ضعف خدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية.
كما أفاد تحديث إنساني بأن الخبز اختفى من أسواق طويلة لأربعة أيام متتالية بعد توقف المخابز منذ 18 سبتمبر وسط خلافات مرتبطة بارتفاع الأسعار.
إعادة فتح معبر الطينة لإدخال المساعدات

وفي تطور قد يخفف جزئيًا الضغط الإنساني، أعلنت السلطات الإقليمية في دارفور، الجمعة 25 سبتمبر، إعادة فتح معبر الطينة الحدودي مع تشاد أمام المساعدات الإنسانية، بالتزامن مع إعادة تشغيل مكتب التنسيق الإنساني في المدينة الحدودية.
ويعد المعبر طريقًا مهمًا لإيصال الغذاء والدواء ومستلزمات الإيواء إلى شمال دارفور، بما في ذلك كبكابية والسريف وكتم وكرنوي وأم برو وسورتوني ومناطق أخرى.
وقال منسق المساعدات الإنسانية في الإقليم عبد الباقي محمد حامد إن الطريق من فرشانا في تشاد إلى طويلة عبر الطينة يمكن قطعه خلال يوم أو أقل، مقارنة بنحو أربعة أيام عبر طريق أدري الواقع جنوبًا.
وبحسب المسؤول، دخلت 60 شاحنة مساعدات إلى شمال دارفور عبر الطينة خلال الأسبوع، فيما دخلت 35 شاحنة أخرى عبر الدبة متجهة إلى مناطق أخرى في دارفور.
وحذر المسؤول في الوقت نفسه من أن معظم المستشفيات في دارفور توقفت عن العمل، فيما تعجز المرافق الصحية المحلية المتبقية عن التعامل مع الاحتياجات المتزايدة.
قتلى ونزوح في اشتباكات محلية بجنوب وشرق دارفور
ولا يقتصر العنف في دارفور على المواجهة المباشرة بين الجيش والدعم السريع؛ إذ أفاد تحديث لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن اشتباكات اندلعت يوم 19 سبتمبر في سوق أبوجا بمنطقة قريضة في جنوب دارفور، وأسفرت، وفق شركاء إنسانيين، عن مقتل 13 شخصًا ونزوح أكثر من 400 آخرين.
وفي اليوم نفسه، أدت اشتباكات في سوق البورصة بمدينة الضعين في شرق دارفور إلى إصابات وإغلاق جزء من السوق، بينما أسفرت مواجهات أخرى في نيالا عن إصابات.
والأحداث نفسها وقعت قبل عدة أيام، لكن تفاصيلها وردت ضمن التحديث الإنساني الصادر في 24 سبتمبر، ولذلك ينبغي عدم وصفها بأنها وقعت في يوم صدور التقرير.
أكثر من 55 ألف سوداني إلى تشاد.. وتدفق اللاجئين يقفز عشرين ضعفًا

أما خارج السودان، فكشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الجمعة 25 سبتمبر، عن تسارع حاد في تدفق السودانيين إلى تشاد.
وقالت المفوضية إن أكثر من 55 ألف لاجئ سوداني وصلوا إلى شرق تشاد منذ بداية 2026، فيما ارتفع عدد العابرين خلال الأسبوع الأخير إلى أكثر من 400 شخص يوميًا عبر منطقتي أدري والطينة، أي نحو عشرين ضعف المعدل اليومي المسجل خلال الأشهر السابقة.
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، عبر نحو مليون لاجئ سوداني إلى تشاد.
وحذرت المفوضية من أن المساعدات لا تواكب حجم الاحتياجات، مشيرة إلى أن خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السودانيين حصلت حتى الآن على 18% فقط من التمويل المطلوب البالغ 1.6 مليار دولار. كما يعيش أكثر من 190 ألف لاجئ في ظروف صعبة قرب المناطق الحدودية في تشاد.
الجوع يتسع.. و14 منطقة تواجه خطر المجاعة
وتتزامن موجة النزوح مع تدهور متواصل للأمن الغذائي. وقالت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» في تحديثها الصادر في 24 سبتمبر إن نحو 19.5 مليون شخص، أي أكثر من 40% من السكان المشمولين بالتحليل، كانوا متوقعين أن يواجهوا مستويات الأزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم نحو خمسة ملايين في مستوى «الطوارئ» و135 ألفًا في مستوى «الكارثة».
وحذرت المنظمة من أن 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان تواجه خطر المجاعة خلال موسم الشح في السيناريو الأسوأ القائم على تصاعد العنف والنزوح.
كما أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن تكلفة سلة الغذاء المحلية في السودان ارتفعت 13% خلال شهر واحد، ما يزيد صعوبة حصول الأسر على احتياجاتها الأساسية.
النيل الأزرق.. طوارئ جديدة وانتشار حمى الضنك والملاريا
وفي إقليم النيل الأزرق، أصدر الحاكم أحمد العمدة بادي قرارًا بتمديد حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، على خلفية ما وصفه بالأوضاع الأمنية والجنائية وتوصيات لجنة أمن الإقليم.
ويمنح القرار الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية صلاحيات لاتخاذ إجراءات بموجب قانون الطوارئ، فيما صدر أمر منفصل يمنع حركة الدراجات النارية داخل الدمازين والروصيرص من الخامسة مساءً حتى السادسة صباحًا، مع استثناءات للقوات الأمنية والمهام الرسمية والإنسانية المصرح بها.
ويأتي ذلك في ظل تجدد المواجهات في أجزاء من النيل الأزرق بين الجيش من جهة، وتحالف يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال من جهة أخرى.
إنسانيًا، أفاد سكان في الدمازين والروصيرص بارتفاع حالات حمى الضنك والملاريا خلال الأيام الأخيرة، وسط استمرار الأمطار وتجمع المياه ونقص بعض الأدوية وارتفاع أسعارها.
ولم تقدم وزارة الصحة في الإقليم حتى الآن حصيلة رسمية محدثة للحالات، ولذلك تبقى المعلومات الأخيرة بشأن حجم الانتشار مستندة إلى شهادات السكان والمصادر الطبية المحلية.
جبال النوبة.. نهب منظومة حفظ اللقاحات البيطرية

وفي جنوب كردفان، قال مسؤول في قطاع صحة الحيوان إن منطقة جبال النوبة فقدت بالكامل منظومة سلسلة التبريد المستخدمة لحفظ ونقل اللقاحات والأدوية البيطرية نتيجة عمليات النهب المرتبطة بالحرب.
وقال إن مخزون اللقاحات والأدوية المفقود كان مخصصًا لتغطية احتياجات 14 محلية لمدة ستة أشهر، محذرًا من تأثير ذلك في الثروة الحيوانية التي يعتمد عليها عدد كبير من السكان مصدرًا للرزق والدخل.
تحرك دولي لوقف الحرب.. لكن الخلافات مستمرة
سياسيًا، شهدت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة محاولة جديدة لتوحيد مسارات الوساطة الدولية، إذ ترأس الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة اجتماعًا مشتركًا جمع للمرة الأولى آليتي الرباعية والخماسية المعنيتين بالسودان.
ودعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف إلى هدنة إنسانية فورية ووقف الأعمال العدائية تمهيدًا لوقف دائم لإطلاق النار، مؤكدًا أن الحرب لا يمكن حسمها عسكريًا.
كما طالب بوقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة، وبإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة تقود إلى استعادة النظام الدستوري مع الحفاظ على وحدة السودان وسيادته. واتفق المشاركون على العمل نحو خارطة طريق تربط العمل الإنساني بوقف القتال والحوار المدني.
وفي الوقت نفسه، استمرت أزمة عدم إصدار الولايات المتحدة تأشيرة لرئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان للمشاركة شخصيًا في اجتماعات الجمعية العامة.
وكانت «رويترز» قد نقلت عن مصدر دبلوماسي سوداني ومحلل مطلع أن إصدار التأشيرة بدا مرتبطًا بموافقة البرهان على مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يومًا، بينما لم تؤكد الخارجية الأمريكية ذلك رسميًا. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه، وقالت الأمم المتحدة إنها أثارت القضية مع واشنطن.
حرب تتسع إنسانيًا حتى عندما تتغير خطوط الجبهة
وتكشف تطورات الأيام الأخيرة مسارين متوازيين في السودان: تقدم عسكري للجيش وحلفائه في شمال كردفان باتجاه الطرق المؤدية إلى دارفور، في مقابل تصاعد استخدام المسيّرات والهجمات بعيدة المدى؛ وتدهور إنساني مستمر لا يتوقف عند خطوط السيطرة.
ففي الوقت الذي تتغير فيه السيطرة على بلدات مثل سودري، يتعرض نازحون في الأبيض للقصف، وتفر أسر أخرى نحو طويلة، ويعبر المئات يوميًا إلى تشاد، بينما تتقلص الموارد الإنسانية وترتفع أسعار الغذاء وتتزايد مخاطر الأمراض.
وبذلك تتحول كردفان بصورة متزايدة إلى مركز ثقل عسكري جديد للحرب، في حين تبقى دارفور مركزًا لأحد أثقل أوجه الأزمة الإنسانية، مع تحذيرات أممية من أن استمرار القتال واتساع استخدام المسيّرات وتعطل الزراعة والخدمات قد يدفع مناطق إضافية إلى مستويات أشد من الجوع والنزوح.






اترك تعليقاً