السودان في أحدث تطوراته.. معركة كردفان تتصاعد والجبهات تمتد إلى النيل الأزرق وسط أزمة إنسانية خانقة

images 35

يشهد السودان في الأيام الأخيرة تحولًا ميدانيًا مهمًا، مع انتقال الثقل الأكبر للقتال إلى إقليم كردفان، حيث أطلق الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه واحدة من أوسع عملياته منذ أشهر باتجاه مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، في الوقت الذي اتسعت فيه حرب المسيّرات إلى مدينة الأبيض والنيل الأزرق.

وبالتوازي مع التصعيد العسكري، عادت التحركات الدبلوماسية إلى الواجهة في نيويورك للدفع نحو هدنة إنسانية مدتها ثلاثة أشهر، بينما تكشف أحدث الأرقام أن أكثر من 14 مليون شخص أُجبروا على النزوح منذ اندلاع الحرب، وأن قرابة 20 مليون سوداني يعانون الجوع.

وفيما يلي صورة الوضع حتى الثلاثاء 22 سبتمبر/أيلول 2026م، الموافق 11 ربيع الآخر 1448هـ.

أين أصبحت خريطة الحرب؟

لم تعد الخرطوم مركز الحرب كما كانت خلال العامين الأولين من الصراع.

بعد استعادة الجيش السوداني العاصمة والجزيرة وتثبيت سيطرته على معظم شمال البلاد وشرقها ووسطها، أصبح السودان منقسمًا فعليًا إلى مناطق نفوذ واسعة: يحتفظ الجيش بمعظم الشمال والشرق والوسط، فيما تسيطر قوات الدعم السريع على معظم دارفور وأجزاء واسعة من غرب كردفان، وتتواصل المعارك في شمال وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

وكان سقوط الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في يد قوات الدعم السريع في أكتوبر/تشرين الأول 2025م (ربيع الآخر 1447هـ) قد منحها السيطرة على معظم إقليم دارفور، بينما أصبحت كردفان المنطقة الفاصلة الرئيسية بين مناطق نفوذ الطرفين.

ولهذا تكتسب العمليات الحالية في شمال كردفان أهمية تتجاوز السيطرة على قرى صغيرة: فالجيش يسعى إلى دفع قوات الدعم السريع غربًا وفتح الطرق من وسط السودان نحو دارفور، بينما تحتاج قوات الدعم السريع إلى الحفاظ على ممراتها بين دارفور وكردفان.

الجيش يطلق عملية واسعة في شمال كردفان

image 183

في 17 سبتمبر/أيلول 2026م، الموافق 6 ربيع الآخر 1448هـ، أعلن الجيش السوداني أنه استعاد 11 منطقة غربي مدينة الأبيض بعد معارك مع قوات الدعم السريع، بينها شَرْشَر والقُلَيْعات واللُّقَد والكُكَيْتي ومناطق محيطة بالمَزْروب.

وقال الجيش إن قواته، إلى جانب حركات من «القوة المشتركة» المتحالفة معه، واصلت التقدم غربًا وملاحقة عناصر الدعم السريع باتجاه حدود دارفور. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من كامل المكاسب التي أعلنها الجيش.

ثم أفادت مصادر عسكرية في 17 سبتمبر أيضًا بسيطرة قوات الجيش على الفَرْشاية والمَمْسوكة في جنوب كردفان، وهما منطقتان تقعان على الطريق الذي يربط الأبيض بمدينة الدِّلِنْج، ما يشير إلى أن العملية لا تقتصر على محور واحد.

وتحاول القوات الحكومية في شمال كردفان دفع خصومها بعيدًا عن الأبيض وقطع «درب الأربعين»، وهو طريق صحراوي استخدمته قوات الدعم السريع لنقل المقاتلين والمعدات بين دارفور ومناطق وسط السودان.

لكن الصورة الميدانية ما تزال متحركة، وقوات الدعم السريع لم تنهَر في المنطقة، بل أعادت تجميع قواتها في مناطق بينها حَمْرة الشيخ وأُم بَدْر وسودري والمناطق الممتدة نحو غرب كردفان. وتوجد كذلك روايات متعارضة عن السيطرة على بعض النقاط، ما يجعل إعلان حسم معركة شمال كردفان سابقًا لأوانه.

آلاف المدنيين يفرون من حَمْرة الشيخ

image 1769678281

التقدم العسكري ترافق مع موجة نزوح جديدة.

ففي 20 و21 سبتمبر/أيلول، الموافق 9 و10 ربيع الآخر 1448هـ، أفادت مجموعات حقوقية ومحلية بأن آلاف السكان بدأوا الفرار من منطقة حَمْرة الشيخ، بعضهم باتجاه الدَّبَّة في الولاية الشمالية، وآخرون نحو مناطق يسيطر عليها الجيش مثل بارا وجَبْرة الشيخ.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ» إن قوات الدعم السريع نشرت مقاتلين ومركبات عسكرية وسط الأحياء السكنية، وهو ما دفع السكان إلى مغادرة منازلهم خشية وصول المعارك. ولم يصدر رد من الدعم السريع على هذه الاتهامات.

وفي أُم بَدْر، قالت غرفة طوارئ دار حَمَر إن هجومًا لقوات الدعم السريع على سوق للذهب في 20 سبتمبر/أيلول، الموافق 9 ربيع الآخر، أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة 27 آخرين. وهذه الحصيلة صادرة عن ناشطين محليين ولم تؤكدها جهة مستقلة.

الأبيض تعود إلى مرمى المسيّرات

وفي الوقت الذي يتحرك فيه الجيش غرب المدينة، تعرضت الأبيض، عاصمة شمال كردفان وأحد أهم مراكز الجيش في غرب السودان، لموجة جديدة من هجمات الطائرات المسيّرة.

وقال الجيش في 20 سبتمبر/أيلول 2026م، الموافق 9 ربيع الآخر 1448هـ، إنه تصدى لهجمات بمسيّرات نُسبت إلى قوات الدعم السريع واستهدفت مواقع بينها مقر الفرقة الخامسة ومحيط مطار الأبيض ومناطق حكومية. كما أعلن إسقاط مسيّرة من طراز «FH-95» في منطقة أخرى من الولاية.

واللافت أن المسيّرات أصبحت إحدى السمات الرئيسية للمرحلة الجديدة من الحرب.

فبعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة قالت في تقرير صدر مطلع سبتمبر/أيلول إن أكثر من ألف شخص قُتلوا في هجمات بالمسيّرات خلال النصف الأول من عام 2026، وإن كلا الطرفين استخدما طائرات مسيّرة في ضربات أصابت مستشفيات وأسواقًا ومدارس ومناطق مدنية. وخلص المحققون إلى وجود مؤشرات على جرائم حرب محتملة من الطرفين.

جبهة جديدة تتسع قرب إثيوبيا

ولا تقتصر المعارك على غرب السودان.

فولاية النيل الأزرق، على الحدود مع إثيوبيا، تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى جبهة أكثر نشاطًا، بعد دخول قوات الدعم السريع وحليفتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال» بقيادة عبد العزيز الحلو إلى مناطق في جنوب الولاية.

وكان التحالف قد سيطر في وقت سابق من العام على الكُرْمُك وقَيْسان ومواقع عسكرية قرب الحدود الإثيوبية، فيما يحاول الجيش منع توسعه شمالًا نحو الدَّمازين.

وفي 18 سبتمبر/أيلول، الموافق 7 ربيع الآخر 1448هـ، قال الجيش إنه صد هجومًا مشتركًا لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية قرب الكَيْلي، وأعلن تدمير مركبات وإسقاط مسيّرات. ولم يرد الطرفان الآخران على تلك الرواية، ولم يمكن التحقق مستقلًا من أرقام الخسائر.

والأمم المتحدة تقول إن نحو 100 ألف شخص نزحوا داخل ولاية النيل الأزرق بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026م، مع زيادة كبيرة في النزوح منذ أواخر مايو/أيار، فيما استهدفت هجمات بالمسيّرات محطات وقود وبنية تحتية في الولاية.

دارفور.. الحرب لم تنتهِ بسقوط الفاشر

أما دارفور، فعلى الرغم من تراجع حدة المعارك الكبرى مقارنة بما سبق سقوط الفاشر، فإن الأزمة الإنسانية والأمنية ما تزال شديدة.

وفي 19 سبتمبر/أيلول، الموافق 8 ربيع الآخر 1448هـ، قالت هيئة تنسيق للنازحين إن أكثر من 2,300 شخص وصلوا إلى منطقة طويلة في شمال دارفور منذ بداية الشهر، معظمهم من النساء والأطفال، هربًا من القتال والجوع وارتفاع أسعار الغذاء.

وتواجه طويلة نقصًا حادًا في الغذاء ومياه الشرب والمأوى والرعاية الصحية، وسط تحذيرات محلية من تدهور أوضاع سوء التغذية في أجزاء من شمال ووسط دارفور.

وفي تطور حقوقي آخر، قالت «شبكة أطباء السودان» في 20 سبتمبر/أيلول إن متطوعًا إغاثيًا يُدعى الطيب التوم مرسال توفي داخل سجن شالا في الفاشر بعد قرابة عام من احتجازه لدى قوات الدعم السريع. وتقول الشبكة إن آلاف الأشخاص محتجزون في السجن ومواقع احتجاز أخرى، وسط نقص في الغذاء والرعاية الصحية ومزاعم بالتعذيب. ولم تعلق قوات الدعم السريع على هذه الاتهامات.

وكانت بعثة أممية لتقصي الحقائق قد خلصت في يوليو/تموز 2026م إلى أن أعمال القتل والاغتصاب والاختطاف والتجويع التي ارتُكبت خلال حصار الفاشر والسيطرة عليها تضمنت أفعالًا ترقى، بحسب البعثة، إلى الإبادة الجماعية. قوات الدعم السريع رفضت هذه الاتهامات.

أكثر من 14 مليون نازح وقرابة 20 مليون جائع

الأزمة الإنسانية هي العنصر الأكثر ثباتًا وسط التحولات العسكرية.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في 16 سبتمبر/أيلول، الموافق 5 ربيع الآخر 1448هـ، إن أكثر من 14 مليون شخص نزحوا بسبب الحرب، محذرًا من أن تدفق السلاح والدعم الخارجي يطيل أمد القتال ويزيد معاناة المدنيين.

وفي أحدث أرقام برنامج الأغذية العالمي، يعاني قرابة 20 مليون شخص الجوع في السودان. لكن ميزانية البرنامج المخصصة للسودان انخفضت هذا العام إلى نحو 206 ملايين دولار، مقابل 645 مليونًا في العام السابق، ويقول البرنامج إنه يحتاج إلى قرابة 300 مليون دولار إضافية للحفاظ على مستوى عملياته الحالي.

ويصل البرنامج حاليًا إلى نحو أربعة ملايين شخص بمساعدات غذائية جزئية، رغم أن خطته تستهدف خمسة ملايين من الأكثر احتياجًا.

الاقتصاد يضغط حتى على المناطق البعيدة عن الجبهات

وحتى المناطق التي لا تشهد معارك مباشرة تعاني آثار الحرب.

ففي القضارف شرقي السودان، خرج عشرات المواطنين إلى الشوارع في 20 سبتمبر/أيلول، الموافق 9 ربيع الآخر، احتجاجًا على ارتفاع أسعار الغذاء وتدهور الأوضاع المعيشية، وأغلق محتجون أحد الطرق الرئيسية بالإطارات المشتعلة.

وفي السوق الموازية، تحسن الجنيه السوداني بصورة محدودة خلال الأيام الأخيرة بعد انهيارات حادة، وجرى تداوله في 20 سبتمبر عند نحو 7,300 جنيه للدولار، مقارنة بـ7,600 قبل أيام. لكن الفارق الكبير بين السوق الموازية وأسعار البنوك الرسمية يكشف استمرار اضطراب سوق الصرف والاقتصاد.

وأضافت كوارث التعدين مأساة أخرى إلى الأسبوع السوداني؛ إذ أدى انهيار منجم ذهب تقليدي قرب النهود في غرب كردفان إلى مقتل ما لا يقل عن 82 شخصًا بحسب أحدث حصيلة نقلتها وكالة أسوشيتد برس، ثم قُتل 11 عاملًا آخرين وأصيب نحو 30 في انهيار منجم آخر شمال شرقي البلاد.

محاولة جديدة لوقف الحرب.. ولكن لا اتفاق حتى الآن

image 184

دبلوماسيًا، عادت قضية السودان بقوة إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وفي 21 سبتمبر/أيلول، الموافق 10 ربيع الآخر 1448هـ، عقد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس اجتماعًا مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ووزير الخارجية المعيّن من السلطات المتحالفة مع الجيش محيي الدين سالم.

وقال بولس إن السودانيين يحتاجون بصورة عاجلة إلى «هدنة إنسانية» تفتح الطريق أمام حوار مدني شامل وسودان موحد وسلمي.

وتدفع الولايات المتحدة، ضمن مجموعة تضم مصر والسعودية والإمارات، نحو هدنة إنسانية مدتها 90 يومًا، تليها مفاوضات سياسية أوسع. لكن لا يوجد حتى الآن اتفاق بين الجيش والدعم السريع على تنفيذها.

وكان الخلاف الأساسي خلال المفاوضات السابقة يتعلق بشروط وقف إطلاق النار؛ إذ طالب الجيش بانسحاب كامل لقوات الدعم السريع من المدن والمناطق التي احتلتها، بينما تضمن التصور الأمريكي انسحابات أكثر محدودية ومتدرجة.

وفي نيويورك أيضًا، طالبت قوى مدنية بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك مجلس الأمن بفرض هدنة إنسانية وتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل السودان كله. وفي المقابل، حذرت الحكومة المتحالفة مع الجيش الأمم المتحدة من التعامل مع قوات الدعم السريع بطريقة يمكن أن تمنحها شرعية سياسية.

إلى أين تتجه الحرب؟

التطور الأبرز حاليًا هو أن الجيش يحاول استثمار سيطرته على الخرطوم والوسط للانتقال غربًا، وتبدو شمال كردفان بوابة هذه الاستراتيجية. فإذا تمكن من تثبيت مكاسبه وفتح الطرق نحو غرب كردفان ودارفور، فقد يفرض مرحلة ميدانية جديدة على قوات الدعم السريع.

لكن هذا السيناريو لم يتحقق بعد.

فقوات الدعم السريع ما تزال تسيطر على معظم دارفور ومناطق واسعة غرب البلاد، وتملك قدرة متزايدة على استخدام المسيّرات وضرب مدن ومرافق بعيدة عن خطوط الجبهة. وفي الجنوب والجنوب الشرقي، أضاف تحالفها مع قوات عبد العزيز الحلو جبهة أخرى في جنوب كردفان والنيل الأزرق.

وهكذا يبدو السودان، حتى 22 سبتمبر/أيلول 2026م (11 ربيع الآخر 1448هـ)، بعيدًا عن حسم عسكري قريب: جيشان ومناطق نفوذ متقابلة، جبهات تتحرك من كردفان إلى النيل الأزرق، حرب مسيّرات تتوسع، وملايين المدنيين عالقون في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وفي الوقت الذي تتجدد فيه مساعي الهدنة، لم يظهر حتى الآن أن أيًا من الطرفين مستعد للتخلي عن رهانه على تحسين موقعه في الميدان قبل التفاوض.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *